مصابون بداء الحلم

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 26 شباط «فبراير» 2003

الكمنجات تبكي على الغجر الذاهبين إلى الأندلس
الكمنجات تبكي على العرب الخارجين من الأندلس
الكمنجات تبكي على زمن ضائع لا يعود
الكمنجات تبكي على وطن ضائع قد يعود

محمود درويش                  

 
     ليل السبت الفائت في قصر الاونيسكو، كانت آلتا كمان تبكيان مع آلات أخرى الذكرى الخامسة والأربعين لإعلان “الجمهورية العربية المتحدة”.. تبكيان الزمن الذي لن يعود. 

شابات وشبان “الكشاف المسلم” و”مجموعة صدى الوطنية التراثية” يعزفون ببراعة ويغنون بإتقان والقصر المليء كان فرحاً بالزمن الذي لن يعود. 

جيل جمال عبد الناصر وقد صار كله كبيراً، يستعيد أغنياته الثورية الخاصة به؛ أغنياته التي بمعظمها قومي عتيق. الشبان كانوا ضيوفاً. استمتعوا ما استطاعوا بالحفل. لكن الأحلام لم تكن أحلامهم. كانت أحلام جيل لم يعد لديه الكثير من الأحلام التي نسجها في زمن بعيد.. تلك التي كانت لثورته وقوميته ووحدته. 

“الله أكبر فوق كيد المعتدي”، ذكّرت الرجل ذا الشعر الأبيض بما لا يعرفه الشاب ذو القميص الكاكي، عضو “الكشاف المسلم”، من شعور كان لدى الرجل وهو ينصت إلى جهاز الراديو قبل عمر من الآن وجمال عبد الناصر يقول: “اليوم يا أخواني نشعر جميعاً بأننا استطعنا أن نقيم دولة عظمى قوية حقيقية لأول مرة في هذا المكان بعد أن كان الأجنبي يقيم بيننا ويعلن عن نفسه أنه يمثل القوة الكبرى.. ويمثل القوة العظمى..”. 

دار الزمن حول نفسه مرات عدة منذ ذاك الوقت. لم يقف عند كلام مثل “أصبح عندي الآن بندقية..”. بيد أن الموجودين قاطعوا نادين حسن، الصبية التي كانت النجمة في تلك الأمسية، قاطعوها بالصراخ نفسه، والحب نفسه، والشجن الغريب نفسه، نفسه الذي يقاطع دوماً كلمة “فلسطين” حين تقال. “إلى فلسطين خذوني معكم أيها الثوار..”. إلى فلسطين! 

في اللحظة المخيفة يبدو التاريخ مخيفا في سخريته. نادين تغني بعد 55 عاماً على النكبة عن انتظارها عشرين عاماً إلى أن صار عندها بندقية. مغرقاً صار الكلام في القِدَم. لم يعد يحتمل إلا أن يكون ذكرى ماضية.. تراثاً ثورياً.. والثورات تأبى أن تكون تراثاً. لم تُرفع القبضات عالياً في القصر. لم يعد العمر يسمح برفع القبضات المضمومة. هو زمن الحنين إلى حلم كان ولن يعود.. ولكن.. 

هل كان الرجل يبكي؟ الرجل مديد القامة الذي يشبه عبد الناصر.. هل كان يبكي وهو يستمع إلى الأغنيات؟ كان من الصعب معرفة ذلك. كان يبتسم كطفل، شديد الفرح بما لا يقاس. لم تنزل عيناه عن خشبة المسرح. لم ينقطع عن التصفيق. لم يخبُ انفعاله للحظة وهو يغني. لم يمسح العرق عن وجهه. كان في عالم آخر. عالم “خلي السلاح صاحي” و”والله زمان يا سلاحي”. كان من أشد المتحمسين لإعادة نادين إلى المسرح تغني عن البندقية ثانية. وفقد إحساسه بعالمه تماماً بينما المسرح يضج بأغنية “الوطن الأكبر”. لاصق الخشبة. يتمايل كما لم يفعل قط. يصل ذروة في مشاعره. يعود شاباً ويصرخ لحبيب الملايين. 

“وطني حبيبي الوطن الأكبر، يوم ورا يوم أمجاده بتكتر، وانتصاراته مالية حياته، وطني بيكبر وبيتحرر.. وطني وطني”. من سيمنعه عن الذكرى؟ حتى في ساعة كهذه؟ لا أحد. هو لم يعد مؤمناً بالقصيدة والوطن الأكبر.. “بين مراكش والبحرين.. في اليمن ودمشق وجدة.. نفس الغنوة لأجمل وحدة.. وحدة كل الشعب العربي”. لم يعد مؤمناً. لماذا إذاً كل هذا الفرح يدنو من البكاء؟ ليس يفكر بالعراق. ليس في باله الموقف المصري والموقف العربي وأميركا برمتها تتمدد بثقل حديدها فوق وطنه الأكبر. ولم يكن يهرب من الضعف كله إلى الأحاسيس الكاذبة التي تطوف فوق الأغاني. كان يبحث عن عبد الناصر في الأغنية.. عن جمال بقي على حاله شاباً وسيماً يحكي في كل مرة ما كان الرجل يريده. يحكي باسمه. عبد الناصر كان آخر من حكى باسمه. ومذ مات ناصر لم يبق له إلا الأغاني. له كانت الأغنيات. لجيله الذي على الرغم من مآسيه كان مصابا بداء الحلم. أما شبان القصر، فزمنهم غريب. أفاقوا على السخرية العربية من الآمال العربية. أفاقوا على الانكسارات فحسب. وهم يتفرجون على الأسلحة في الأغنيات فتبدو مضحكة. أي بندقية؟ أي سلاح ينبغي عليه أن يظل صاحياً؟ مجهول. أي وطن أكبر؟ مجهول. أي “جمهورية عربية متحدة”؟ مجهول. 

...”والمجتمعون إذ يعلنون قراراتهم هذه، يحسون بأعمق السعادة وأجلّ ألوان الفخر، إذ شاركوا في الخطوة الإيجابية في طريق وحدة العرب حقبة بعد حقبة وجيلاً بعد جيل. والمجتمعون إذ يقررون وحدة البلدين، يعلنون أن وحدتهم تتوخى جمع شمل العرب، ويؤكدون أن باب الوحدة مفتوح لكل بلد عربي يريد أن يشترك معها في وحدة أو اتحاد يدفع عن العرب الأذى والسوء، ويعزز سيادة العروبة ويحفظ كيانها. والله نسأل أن يكلأ هذه الخطوة وما يتلوها من خطوات بعين رعايته الساهرة، وبفضل عنايته الثابرة، وأن يكتب للعرب في ظل هذه الوحدة العزة والسلام”. الفقرة الأخيرة من بيان إعلان الجهورية العربية المتحدة. ما تلاها من خطوات أدى إلى الجيل الذي يبحث الآن عن هوية بعد تاريخ مديد من البحث عن هوية. الخطوات الضائعة كانت تقف في القصر تطل على ماض بعيد.. على زمن لن يعود. والرجل الذي كان سعيداً في القصر، عما قليل يخرج منه.. يذهب إلى بيته. يجلس أمام شاشته. وعند نشرة الأخبار الأولى.. سينسى فرحه ويعود إلى حلم أدمنه.. يعود إلى زمن ضائع لا يعود.

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic