الجنرال أبي زيد: "العـربـي الـمجـنـون"

سحر بعاصيري

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 2 آذار «مارس» 2003

Sahar Baasiri - سحر بعاصيري

     في لحظة أواخر 2002 سلطت الاضواء على جنرال اميركي لبناني الاصل هو جون أبي زيد. أسند اليه منصب نائب قائد القيادة المركزية، نائب للجنرال طومي فرانكس. ركز البنتاغون على أصله العربي واتقانه اللغة العربية ولمح الى دور كبير له في العراق بعد الحرب المرتقبة. فمن هو أبي زيد وما خلفيته وخلفية اختياره؟ 

تعيين الجنرال الاميركي اللبناني الاصل جون ابي زيد في منصب الرجل الثاني في القيادة المركزية الاميركية المكلفة الحرب على العراق قوبل بارتياح واسع بين المسؤولين الدفاعيين والعسكريين في واشنطن الذين اعتبروه الرجل المناسب في المكان المناسب والزمان المناسب لكن هذا لم يسقط عنه عنصر المفاجأة. أولا لأن المنصب غير موجود. فالقيادة لها نائب قائد ويعمل في المقر الرئيسي في تامبا، فلوريدا، وقد اخترع المنصب الجديد خصيصا لأبي زيد ليكون الرجل المحوري للعمليات داخل العراق ويشرف على العلاقات العسكرية الاميركية مع الدول العربية. ثم لأن اختياره أثار شكوكا حول خلاف مكبوت بين وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وقائد القيادة المركزية الجنرال طومي فرانكس. 

ومع ان ثمة اجماعا في البنتاغون وقيادة الاركان الاميركية على تميز ابي زيد وعلى اعتباره تجسيدا لـ"الثقافة العسكرية الحديثة" فان الكلام الذي رافق اختياره عزز الشكوك. فهل كانت ميزاته وخبرته وحدها السبب في اختياره، ام كونه "رجل رامسفيلد" كما يقال، أم كلاهما معا؟ 

الرواية التي ترددت حول اختياره ونشرتها صحيفة "الفايننشال تايمس" في 22 شباط 2003 تقول ان فرانكس سأل نائب وزير الدفاع بول وولفوفيتز اواخر العام الماضي "كيف يمكنني ان أطرح على وزير الدفاع احتمال تعيين الجنرال جون ابي زيد نائبا لي؟" فأجاب وولفوفيتز: "لا أدري. لكن هذا لن يعجبه" ونصحه بأن يجد طريقة مقنعة جدا، "انه (ابي زيد) الشخص الوحيد في القوات المسلحة - الجيش والبحرية والقوات الجوية والمارينز - الذي يمكنه القيام بالمهمة التي تريدها" وحتى هذا "لن يكون سهلا". 

وبدا وولفوفيتز مصيبا. اذ ان لا رامسفيلد أعجبه الاقتراح ولا أعجب رئيس هيئة الاركان المشتركة الجنرال ريتشارد مايرز. 

والمشكلة لم تكن في مؤهلات ابي زيد. بل العكس تماما، كانت في حاجة البنتاغون اليه ذلك انه يشغل منصبا حساسا جدا هو مدير الاركان المشتركة، اي عمليا منسق النشاطات اليومية للقيادة العسكرية في البنتاغون وبين البنتاغون والقيادة العسكرية الاميركية في العالم. 

ولهذا، استنادا الى "الفايننشال تايمس"، رفض رامسفيلد طلب فرانكس أسابيع ولم يوافق عليه الا بعد عيد الميلاد. 
 

عين رامسفيلد

     الا ان المسؤولين في البنتاغون يهمسون ان رامسفيلد عين أخيرا رجله في القيادة المركزية. ويقولون ان جون أبي زيد هو الضابط المفضل لدى رامسفيلد وان رامسفيلد لم يكن دائما مرتاحا الى اسلوب فرانكس في ادارة حرب افغانستان وقد أبدى باستمرار قلقه من احتمال ألا يكون فرانكس "خلاّقا ما يكفي" في الحرب على العراق. اما الآن، فقد وضع الى جانب فرانكس جنرالا يثق به كليا وأرسله سريعا مطلع كانون الثاني 2003 الى المقر المتقدم للقيادة المركزية في قاعدة السيلية في قطر استعدادا لادارة الحرب. 

ومهما يكن من أمر، فان رصيد أبي زيد كبير جدا لدى المسؤولين الاميركيين وداخل المؤسسة العسكرية. فالجميع متفقون على ان هذا الضابط الحامل ثلاث نجوم والمتحدر من اصل لبناني ينعم بقدرة فريدة على اضافة بعد أميركي عربي على أعلى مستويات القيادة العسكرية الاميركية، ومقتنعون بأنه أكثر الجنرالات خبرة في الشؤون العربية، اضافة الى انه أرفع ضابط اميركي عربي الاصل. 

وأبي زيد (51 سنة) الذي ولد في كاليفورنيا لعائلة لبنانية الاصل، والده يعمل ميكانيكيا، يتكلم العربية بطلاقة كما يتقن الالمانية والايطالية، تخرج عام 1973 من الاكاديمية العسكرية في وست بوينت حيث اكتسب اسم التحبب "العربي المجنون". والى هذا، حصل على شهادة البكالوريوس من جامعة ستانفورد وشهادة الماجستير في دراسات الشرق الاوسط من جامعة هارفرد. ودرس ايضا في جامعة عمان عندما قرر في السبعينات ان يترك فرقة "الرينجرز" الخاصة التي انضم اليها ملازما ثانيا للعمل مدربا للقوات الخاصة الاردنية في عمان. 

وخبرته طويلة ومتعددة في العمليات العسكرية، من غزو غرانادا عام ،1983 الى ضابط عمليات لمجموعة مراقبي الامم المتحدة في لبنان 1985 - ،1986 الى "عاصفة الصحراء" وحماية الاكراد في شمال العراق في التسعينات، ثم الى البوسنة وكوسوفو. وقالت شبكة "سي ان ان" التلفزيونية ان خبرته واسعة خصوصا في مناطق "يسكنها مسلمون مدنيون". 

ومما أوردته صحيفة "الواشنطن بوست" عن أبي زيد انه الضابط الوحيد الذي لفت انتباه هوليوود لدى قيامه بواجبه وكانت له قصة أعيد انتاجها في السينما. وقالت انه عندما كان ابي زيد يقود فرقة هجومية خلال غزو غرانادا عام ،1983 "أصدر أمرا الى سارجنت في الفرقة ليقود بولدوزر وكأنها دبابة في اتجاه موقع كوبي وتقدم ابي زيد وجنوده خلفها". واضافت ان هذا المشهد أعيد انتاجه في فيلم كلينت ايستوود "هارت بريك ريدج" عام 1986 وان في اطار مختلف. 
 

الصلة مع العرب؟

     لكن ما تركز عليه وسائل الاعلام وما يتردد في المقالات التي تكتب عنه هو دوره المحتمل في العراق خلال الحرب المرتقبة وبعدها. مسؤولون أميركيون حرصوا بعد تعيين ابي زيد نائبا لفرانكس على القول ان هذا ليس تحضيرا له لأي دور عسكري محتمل بعد احتلال العراق وأجمعوا على انه في الموقع الافضل ليصير الصلة العسكرية الاميركية مع العالم العربي. الا ان قادة عسكريين يقولون الان شيئا مختلفا. فهؤلاء يشيرون الى كلام الادارة الاميركية عن خطة لتكليف أميركي مدني ادارة العراق بعد الاحتلال المتوقع، لكنهم يعتبرون ابي زيد الرجل الذي سيتولى الدور العسكري في العراق ويشبهونه بالجنرال دوغلاس ماك أرثر الذي خدم طويلا في آسيا وكانت له معرفة بالمنطقة، ثم اشرف على اعادة بناء اليابان عقب الحرب العالمية الثانية. ويذكرون في هذا المجال ليس بخلفية ابي زيد فحسب، بل بالفترة التي أمضاها في شمال العراق. 

وتقول "الفايننشال تايمس" انه في صيف 1991 تولى أبي زيد قيادة الفرقة المجوقلة في تنفيذ عمليات أمنية في شمال العراق لابعاد القوات العراقية عن المناطق الكردية، وان هذه التجربة اضطرته الى انشاء شبكات استخبارية في القرى الكردية والى تحويل فرقة عسكرية مدربة للقتال الى فرقة لحفظ السلام في منطقة تواصلت فيها المواجهات بين الجنود العراقيين والقبائل الكردية، كما حولته الى مناصر قوي لتدريب القوات الاميركية على مهمة حساسة هي حفظ السلام. وقد نشر مقالا عام 1993 في مجلة "ميليتري ريفيو" قال فيه: "كان على الجنود ان يفهموا قوانين اللعبة بوضوح وكذلك درجة النظام المطلوبة للبقاء هادئين في اكثر الظروف استفزازا (...) حصلت أخطاء، لكننا تعلمنا منها وطورنا قدرة جيدة على حفظ السلام". واضاف: "فيما نستعد للقتال في حرب تالية، فلنفكر كيف قد يكون علينا حفظ السلام". 

وزاد هذا على سمعة ابي زيد وتقديره بين مسؤولين وعارفين له يعتبرونه نقيضا للجنرال فرانكس المصنف عموما من الجيش القديم المأسور بنظريات طورت خلال الحرب الباردة. ويذكرون بواقعة غرانادا للتدليل على قدرته السريعة على اتخاذ القرارات، الامر الذي يولونه أهمية فائقة في الحرب المرتقبة على العراق حيث سرعة حركة الجنود ستكون حاسمة على عكس العمليات العسكرية في "عاصفة الصحراء". 

ويذهب بعض الجنرالات الاميركيين الى توقع مستقبل عسكري كبير ومزيد من الترقيات لأبي زيد. ويقول الجنرال المتقاعد جون شاليكاشيفيلي الذي كان رئيسا لهيئة الاركان المشتركة اي أعلى منصب في المؤسسة العسكرية الاميركية انه "اذا لم يعينه وزير الدفاع قائدا اقليميا ثم رئيسا لأركان الجيش او حتى رئيسا لهيئة الاركان المشتركة، سنكون أضعنا فرصة". وفي المقابل، يبقى أبي زيد المتزوج والذي له ثلاثة اولاد، أميركيا عربي الاصل لا تعكس ترقيته في المؤسسة العسكرية، بالنسبة الى كثيرين من العرب الاميركيين، الاتجاه السائد في اميركا حيال هذه الجالية. وهذا صحيح. 

 

E-mail: sahar@annahar.com.lb

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic