قططٌ على كرةٍ ذات قطبٍ واحد

أحمد بيضون

جريدة السفير (لبنان)

الثلاثاء، 1 نيسان «أبريل» 2003


« 1 »

     هذه إذن مبارزة بين صورتين. من شاهد نيران بغداد، في أولى ليالي القصف الكبير، يحسن به أن يفطن، طلبا للفهم، إلى سقوط البرجين التوأمين يوم الحادي عشر من أيلول 2001. بدا أن المراد تجاوز الهول الذي حمّل به ذاكرة الكوكب أفظع مشهد سجلته السينما، حية أو ميتة. هذا ثأر صورة من صورة. ولا بديل من الإبقاء، مع الصور، على متسع لفهمها. بدت مطاردة بن لادن والملا عمر واستعراض النار في أفغانستان شريطا دون مستوى الهول المراد. العراق توسعة ذات شأن لدائرة الثأر. ودمه، مع ذلك، قد لا يروي الغلة. قد يحتاج الأمر إلى دماء من جواره ثم من جوار الجوار. وراء ثأر الصورة من الصورة، يتراءى ثأر عالم من عالم. هذا ولا يتعب القاصف من تبرئة ساحة المقصوف. يبذل لذلك كلام كثير وتزجى التهاني إلى مسلمي أميركا بعيد الأضحى. الحكمة تقضي أن تؤكل الثيران أسودا بعد أبيض. ولاشيء، في ما يلي الحكمة العملية، إلا طائر الثأر يستصرخ العشيرة الحاكمة في واشنطن أن تسقيه دما. كان العرب القدماء يسمون هذا الطائر “الهامة”. وهو الذي ذكره شويعرهم وهذا من طبقة صدام حسين في الشعر، تقريبا “موجزا” لصحافة أيامنا، حين قال: 

يا عمرو إن لم تدع ذمّي ومنقصتي 
أضربك حتى تقول الهامة اسقوني 

في مدن العراق، يسعى مخرجو البنتاغون إلى ترميم هيمنة هوليوودية بعينها على الفن السابع. تلك هيمنة أحدث فيها الشيخ أسامة فتقا يصعب رتقه. هوليوود التي في كاليفورنيا تبدو، لحسن حظنا، في غير هذا الوارد. فهي ترسل إلينا، في هذه الأيام، الوفير من أشرطة تتحدى رهافتها غباوة القنابل. وهي أشرطة أنتجت بعد الحادي عشر من أيلول وكان قد بدا، مدة أعوام قبله، أن معينها الأميركي آخذ في النضوب. هذه إذن مبارزة أخرى بين مايكل كين أو جاك نيكلسون وديك تشيني أو دونالد رامسفيلد. 

استحسنا على ما تفرضه الحال من مشقة في الالتفات إلى هذا أن نقول هذا في صدر الكلام... عسى ألا يستشري الظن أن العالم خلا إلا من جورج بوش وصدام حسين. 
 

« 2 »

     لا شيء غير الثأر؟ الذين يقودون الحرب على العراق (بعد أن قادوا الحرب على أفغانستان وأساغوا الحرب على فلسطين) ليسوا من الصنف الذي راعته فعلة بن لادن إذ راعت جمهور الأميركيين وجملة البشر. هي أمضّتهم، لا ريب، ولكنها لم تعمهم عن احتمالات حصاد غير حصاد القتلى والأنقاض. فهؤلاء تسمّيهم العبارة الفرنسية “مسوخا باردة”، لا يستخفّها الغيظ ولا غيره من انفعالات البشر. وأما حصادهم المبتغى فلا يصحّ حصره في براميل الدولارات، على ما 

أراد البعض من أهل الخبرة. فهو أيضا حصاد “صدم وترويع” أي إرهاب على ما أراد شعار الحملة. هو حصاد هيمنة على مفترقات لطرق العالم وتحكّم في مآل كل ما يهبّ فوقها أو تحتها وما يدبّ ومن يكبر في محطاتها ومن يصغر. فهو إذن سعي لتخليد الدولة العظمى في عظمتها بفعل زيادتها عظمة من غير حدّ. ولكن لا تضرّ مع الهيمنة ثروة، فهاتان متكافلتان. يفيد خبير لبنانيّ أن في العراق احتياطا محققا من النفط الخام يقدر ب112 مليارا من البراميل وآخر غير محقق يقدر ب150 إلى 250 مليارا. وهو ما يعد العراق بالتقدم على السعودية، أكبر مصدّري النفط في العالم اليوم. ويضيف الخبير أن استكثار الأميركيين من ذرائع شن الحرب وكتمانهم هذا الدافع إليها “مشبوه إن لم يكن مضحكا”. كان العراق، على ما يفيدنا به خبير أوكسفوردي، ينتج، عشية الحرب، نحو مليوني برميل يوميا، وكانت الولايات المتحدة تستهلك نحو عشرين مليونا تستورد قرابة نصفها. وكانت تشتري ما يقرب من نصف النفط العراقي الصادر، لا مباشرة بل بتوسط شركات غير أميركية. ويسع العراق، على ما يرى الخبير اللبناني، أن يتوصل، بالتدريج، إذا ما دعت الحاجة، إلى مزاحمة السعودية على مكانة المصدّر الأول التي تتبوأها بمعدّل إنتاج يبلغ، على التقريب، 7 ملايين برميل يوميا. فانظر واعتبر. 
 

« 3 »

     فإن نزيل البيت الأبيض وهو خبير في مجال النفط، وأهم النافذين حوله خبراء أيضا نظر واعتبر. فتراءت له غنيمة يراوح قدرها الجليل ما بين سبعة ترليونات وتسعة ترليونات من الدولارات، بأسعار الشهور الأخيرة، وكان معدلها يعلو قليلا عن ال25 دولارا للبرميل الواحد أو يهبط قليلا دونها. وحيث تكون ناصية السلطة السياسية في يد الولايات المتحدة، تخضع قسمة الحاصل من بيع النفط الخام لمبدإ بسيط: المناصفة ما بين شركات النفط الكبرى الشقيقات السبع الأميركية، أساسا والدولة المنتجة. وتفرض الولايات المتحدة لنفسها أيضا أفضلية في تعيين مصبّات النصف الثاني، فتوجهه كيف شاءت إجمالا، موقنة أن جله ينتهي إلى تمويل الاستيراد الذي يستنزفه من ألف باب، وقد يكون أوسعها ابتياع السلاح. ولولاء النظام السياسي وقع حاسم على هذا التوزيع. والحضور العسكري ضمان مرموق للولاء السياسي. فالجزمة العسكرية موجّه ذو سطوة لمآل حصة الدولة المنتجة من العائدات. ولكن ظلها يسعه التخييم أيضا، عند ظهور ضرورة استراتيجية، على انتظام توزيع النفط بين سائر المحتاجين إليه، أي في شرايين الاقتصاد العالمي كله. فقبل ضخ المال في الأسواق، يتعين ضخ النفط في الآلة المنتجة. وهذا تؤمنه آليات السوق عادة، ولكن وقوف جندي لك عند الصنبور يمنحك الأمان، من هذه الجهة، والسطوة أيضا، تدّخرها لحين اللزوم وترهب بها، في كل حين، عدو الله وعدوك راهنا كان أم محتملا من بين الدول المستوردة. 

تلك معطيات بسيطة للغاية لا نرى منكري دور النفط في الحملة الذئبيّة الجارية يردّون عليها إلا بأنفة الولايات المتحدة وشممها وتمسكها بأهداب المثال الديمقراطي وحقوق الإنسان. ويضيف خبراء من ميلانو إلى ما سبق أن العراق وحده يسد الثغرة المحتملة في أمان الولايات المتحدة النفطي من جراء انصرام حبال الود بينها وبين السعودية، بعد 11 أيلول، وما بدا في نظام هذه الدولة من صدوع، ومن جراء الأزمة الاجتماعية المستشرية في فنزويلا. 

في ميزان الترليونات هذا، لا تبدو كلفة الحرب، مهما تبلغ، شيئا مذكورا. وعند خبراء ميلانو أنفسهم أن السوق الأميركية حصدت، وحدها، ستين مليارا من أكلاف حرب الخليج السابقة دفعت معظمها السعودية والكويت. في الحرب الراهنة، سيغطي العراق الأكلاف. الحرب خدمة تتضمن سلعا، ويبيع الأميركيون والبريطانيون هذه الخدمة للعراقيين. في أول الأمر، ذكرت مصادر مختلفة 40 مليارا سيدفعها العراق من عائدات نفطه لتغطية أكلاف الحرب، تليها أكلاف إعادة الإعمار (أي العقود التي ستستأثر منها أميركا بحصة الأسد) فالديون التي يرقى جانب منها إلى الحرب على إيران، وقد خاضها العراق، جزئيا، لحساب الولايات المتحدة. ثم طلب بوش، مؤخرا، إلحاق 75 مليارا، جلها لأغراض الحرب، بموازنة البنتاغون العادية. وقيل إن هذا يكفي لحرب تدوم أربعة أسابيع، فإذا زدتم زدنا، وتبقى، في كل حال، نفقات الاحتلال ولواحقها، فهذا كله عرضة للزيادة أو قل لزيادات. 
 

« 4 »

     ما معنى هذا كله؟ معناه أنه ليس لعراقي أن يحسب الصواريخ التي يمطر بها “هدية من الشعب الأميركي”. هذه صواريخ البنتاغون وليست أكياس طحين النقطة الرابعة. الصاروخ يدمّر البيت ويثخن في الأسرة، فيدفع العراقي ثمن الصاروخ وثمن ما يأتي عليه الصاروخ: أي دية نفسه ودية عياله وتكلفة بناء البيت مجددا لمن قد يكون بقي حيا من الأسرة. هكذا يأخذ الأميركيون ما يعدّ الفرنسيون أخذه محالا: أي الزبدة وثمن الزبدة. هذا ولن يكون الحاصل شيئا بإزاء الأنصبة المقبلة إلى صناديق شركات النفط. في حرب الخليج الماضية، دفع العراقيون ثمن العدوان على الكويت دمار جيشهم ومرافقهم وثمن نصف ما أذن لهم ببيعه من النفط تعويضات للكويتيين. ثم دفعوا اثني عشر عاما من حصار توسل الأميركيون وغيرهم، على الأرجح لتأبيده تصعيدا للتفتيش لا ترى له نهاية وزرعا لفرق التفتيش بجواسيس انكشف أمرهم للعراقيين وللعالم. وكانت هذه أعواما مات فيها العراقيون بمئات الألوف جراء النقص في الغذاء والدواء وهجر منهم ملايين، فلم ترتفع في الأمم المتحدة راية سوداء. ويقصّر عن فظاعة ما حلّ بالعراقيين ما فعله البن لادنيون في الجزائر، قبل نيويورك وواشنطن، وما جرى حول البحيرات الكبرى الإفريقية. كانت هناك ثغرة في درع صدام حسين هي أن ما أنفقه على ترميم البنى الأساسية وإعادة التسلح، في هذه المدة، رعته عقود مع فرنسا وروسيا والصين لا مع الولايات المتحدة. الولايات المتحدة حصلت نصيبها من حيث أشرنا، وأهم منه ما سماه الرئيس المصري “وجودا عسكريا كثيفا” في ما كان يسميه البريطانيون “شرق السويس”. فهذا هو الضمان الناجع لمستقبل هو اليوم حاضرنا المشؤوم. 
 

« 5 »

     نعلم أنه لا ينبغي لنا الإزراء بالتجارة. من أين لنا هذا الإزراء والعراق اليوم معرض شاسع للتجارة بالسلاح؟ تثبت فاعليته هناك ثم يباع حيث تيسر. وأحسن السلاح أميركي. اختبر الأميركيون “أم القنابل” ليبيعوا (في الوقت الحاضر) بعض بناتها. وعرض البريطانيون أيضا صاروخا طازجا، نضر الألوان، قبل أن يرسلوه إلى الجبهة. فمن أين لنا الإزراء بالتجارة وهي دورة العالم الدموية؟ المشكل الوحيد أنها ههنا دموية جدا جدا. 

الميلانيون يضيفون إلى ما مرّ بصدد النفط أمرا يتصل بأفغانستان. يقولون إن احتلالها يأذن للولايات المتحدة بمدّ خط لأنابيب النفط طوله 2500 كلم. وهذا خط كان سيبلغ طوله، لولا الاحتلال، 5500 كلم. فتتضاعف مرارا تكلفة بنائه وصيانته ومخاطر حمايته والرسوم التي كانت ستفرضها، لا محالة، دول يعبر أراضيها. نتنفس الصعداء إذن، عوض أن نزدري التجارة. فحرب أفغانستان كانت أدنى كلفة من هذا: 3400 قتيل من بين المدنيين، لا غير، ودمار بلاد كانت مدمّرة على كل حال. 
 

« 6 »

     الصحافة “الإمبدد” (إقرأها بالإنكليزية)، نقترح تسميتها، بالعربية، “الصحافة المقمّطة”. تمضي مستضافة في آلة الغزو، وهي مشكورة كلها على احتمالها الخطر ومشكور بعضها على احتماله المضض. يحظر عليها تصوير القتلى والجرحى وإذاعة أعدادهم. ماذا تصور إذن وماذا تذيع؟ المصفحات المدمّرة وأعدادها؟ الجدران المبقورة؟ من يحزن على مصفحة؟ من يعرض نفسه درعا بشريا وقاية لجدار؟ هكذا تنكر الحرب الجديدة لبّ كل حرب أي قتل البشر. وفي هذا وغيره تتبارى المصادر الرسمية، من أميركية وبريطانية وعراقية في فنون الكذب. فهذه هي الحرب أيضا. هكذا تهرب الحرب الجديدة من نفسها. هكذا تلزم الحرب الجديدة الإعلام ب”تغطيتها” فعلا. 
 

« 7 »

     قال رامسفيلد إن العراقيين الذين يقاتلون جيوشه بثيابهم المدنية ما هم ب”قوات”، بل هم إرهابيون. ثمة جشع أميركي لا يوصف في استنفاد الإرهاب، بعد 11 أيلول. إلبس بزّتك ونازلني. إن جئت في أطمارك فأنت إرهابي، ولا تعتذر بالحق في ردّي عن بيتك. لا أقبل منك عذرا وأنت في هذا الزي. 

من البدء بدا حديث الإرهاب موجها نحو هدف رئيس هو حظر التفكير فيه. الإرهاب هو الإرهاب فلا تقل لي إنك تعقله. ما هو هو لا يعقل. لا تقل إنك لا تجد للإرهاب مسوغا، فأهم من هذا بكثير ألاّ تجد له سببا. الجريمة العادية من عندياتنا فنجد لها كل صنوف الأسباب. وأما الإرهاب فمن عندياتكم. ثم إن معالجة الأسباب باهظة الكلفة، في هذه الحالة. وأما الغزو والقتل والقمع فأمور سهلة على القوي وتجارة رابحة. 

وما دام الإرهاب شرا مطلقا لا مريّة في شرعية استئصاله، فسنسمي كل ما نكرهه إرهابا، من الآن فصاعدا، ونبدأ بدفاع الغير عن نفسه. 

شراهة رامسفيلد هذه تفلح في توسيع صحن الإرهاب ولكنها تقلّص مادّة الوجبة. أين من الولايات المتحدة اليوم عطف العالم غداة 11 أيلول؟ انقلب، في عام ونصف عام، شبانا روسا يضعون غالونات فيها نفط أمام السفارة الأميركية في موسكو. 
 

« 8 »

     الذين توقعوا لغزاة العراق “استقبال الفاتحين” (من أين جاءت هذه العبارة؟) هم بعض أهل النهايات الكثيرة: مات الله أولا ثم مات الإنسان ثم انتهى التاريخ وانقضى هوى الثورة ثم بادت الحدود وأقاليم الدول واضمحلت سيادة الدول، باستثناء ما كان يقبله بريجنيف “من سيادة محدودة”. وقد نحصي، إن أمعنا النظر، أكثر من فقيد آخر. اليوم يعلن خبراء النعي موت الأوطان. لا بصفتها محل انتماء جامع وحسب بل بصفتها بيوتا وأشجارا وموجودات أخرى فريدة أو تافهة وشبكات علاقات كثيرة يعلق بها الناس. أذهلهم أن يبدي العراقيون تعلقا بهذا كله، أي بنسيج حياتهم الهش، وأن يقاتلوا دونه. كانوا وبينهم عراقيون يحسبون أن صدام حسين ومعه الحصار يتعذر ألاّ يكونا قد أتعبا العراقيين من وطنهم. في الأصل هذا مطلب صدام: أن يتعب العراقيون من كل شيء في وطنهم إلا منه. العراقيون آثروا الإعراض عن فلاسفة النهايات وركنوا إلى بساطة الحكمة البالغة: لا يموت شيء أسباب حياته موفورة. ثمة أشياء تتغير لتبقى. هذا وأسباب تعلق العراقيين بالعراق موفورة. فهو واحد من أكثر أوطان العالم قدرة على تحويل أحزانه إلى شغف به. لذا لا يأخذه أهله بأيديهم من الطغاة ليعطوه ومعه كثير من مقاليد العالم للبغاة. في ضوء هذا، يحسن بأطباء الفكر الشرعيين أن يعيدوا النظر في جدول وفياتهم بندا بندا، فلا تبغتهم، مرات أخرى، قيامة ما لم يمت أصلا. 
 

« 9 »

     مع هذا قد يفلح الأميركيون في احتلال العراق كله. فما الذي سيفعلونه بعد ذلك؟ سيتحصنون في قواعدهم ويحشدون مصفحاتهم قريبا من حقول النفط والمطارات وسيراقبون محاور المواصلات من الطوافات ويجدون من يصور لهم المآتم والأعراس أو يصورونها هم من الأقمار الصناعية. وبعد؟ من سيحكم لهم العراق؟ حكومة من بعض أهله، لا ريب. ولكن من سيحمي الحكومة؟ لن يحفظ الأميركيون بأنفسهم أمن المدن لأن أنفسهم غالية عليهم وهم يرون أن يربحوا الحروب وما يليها والأرض ومن عليها من غير خسارة نفس واحدة. ثم إن المدن تغيرت من أيام البريطانيين ولن يقبل هؤلاء هذه المجازفة، فإن لكل شيء حدودا حتى ذيلية الذيل. فلا يبقى غير أن يرسل الأميركيون أكرادا لقمع الشغب في تكريت، وتركمانا لحراسة الأسواق في بغداد، وتكارتة (لم لا؟) لتسكين روع البصرة، وشيعة لحماية التركمان في كركوك، وأشوريين لإلقاء المواعظ على منابر المزارات في النجف وكربلاء. وقد لا يأبه الأميركيون لعواقب دموية تجرها هذه السياسة حكما. فقد ثبت في أفغانستان أنهم ذوو صبر طويل على النزاعات الأهلية. ولكن عراقيين كثيرين سيتفرغون للأميركيين في كل الظروف. ولن يوجد مخرج من كل نزاع أهلي يثيره الأميركيون ويستترون خلفه إلا رحيلهم ولن تسكت مقاومة العراقيين لهم حتى يرحلوا. 
 

« 10 »

     فلأية مهمة يعدّ معارضو الخارج العراقيون أنفسهم إذا دخلوا بغداد في ركاب الغزو؟ هم الآن شذر مذر وكانوا، قبل بدء الغزو، أيدي سبأ. الباقرو الحكمة، سمعنا منهم ووعينا، وبحار العلوم والمكيّون المبدّدة درايتهم في خلط بين شعاب وشعوب والكاليفورني ذو العمّة السوداء يحلم بتكبيرها في النجف: 

كبُرت قماشا إنما صغُرت حجى
فبدت كبرج فوق حبّة خردل

ثم ذاك الهارب من بيروت ومعه “دماء قلوب” لشيعة عراقيين ولبنانيين كانت مودعة في بنك مبكو، يخوض اليوم في دماء العراقيين نحو السدة الرئاسية، عسى أن يعود فلاّحو العراق معه إلى أغنية كان السياب قد سمعهم يترنمون بها لبنات أسلافه: 

يا قمرا يا شاشا 
عبّر بنات الباشا 
يا قمرا يا شلبي 
عبّر بنات الجلبي 

ومن غير هؤلاء سمعنا ووعينا أيضا، والأسماء تومض على الشاشة ثم تختفي من ذاكرتك (ومن ذاكرة العراقيين، على ما تخمّن) لأنها صناعة اليوم وصانعها معروف فيكفيك أن تعلم اسمه. هذا يعلن طربه لدوي الصواريخ. وذاك يقول إنه عارض الحرب ولكنه مع الغزاة في حلف وثيق. والثالث يقول إن الحرب تضايقه ولكنه يدعو الجنود العراقيين إلى إلقاء السلاح حفظا لحياة المدنيين. فعنده أن الاستسلام “واقعية” (وهذه عبارته).. وأما مطالبة المعتدي بالكفّ عن العدوان فأضغاث أحلام، طبعا، يتركها “سماحته” تسلية لشعوب الأرض الصارخة في ساحات المدن ولحكومات الصين وروسيا وألمانيا وفرنسا، مثالا لا حصرا، وللعراقيين المتمردين على الغزو، أخيرا لا آخرا. وأما أوفرهم رجالا وأكبرهم لقبا فيمنعه الأميركيون الذين جاراهم إلى حيث وصلوا ويمنعه الإيرانيون أيضا من دخول العراق. وقد فتح الله عليه فرأى أن الحرب الجارية عدوان. رأى هذا بعدما بدأت الحرب ولم يهده الله بعد إلى سبيل يدلّ عليه العراقيين لدفع العدوان. 

كان جورج بوش الأب أوفر حصافة من هؤلاء إذ أدرك أن ظروف هذه الحرب هي ظروف حرب 1991 مقلوبة رأسا على عقب. قال هذا وأمسك عن التصريح بأن ابنه ووراءه فريقه وبعض أعيان الخارج العراقيين قد أعمى الله بصائرهم عما ألهمه إياه. 

فسبحانه إذا أعطى أدهش وإذا أخذ فتّش. 
 

« 11 »

     من النجف، رأى آية الله السيد محمد حسين الصدر، في معرض تسويغه المقاومة العراقية، أن المسلمين إذا عدا “الكفار” على ديارهم، فلهم دفع العدوان بكل وسيلة. كان المرجع يتحدث وهو مسند ظهره إلى مكتبته العامرة، ولكن بدا أنه يأبى أن يغير لفظا واحدا من عدّة فقهية عمرها 1300 عام. بدا أن حق الدفاع عن النفس لا يكفيه. يتأمل واحدنا في ما قاله أناس أقوالهم أفعال لردّ العدوان عن العراقيين. من بابا الكاثوليك إلى مجلس الكنائس العالمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية إلى كنائس أميركية كثيرة. هؤلاء لا البوشيّون الذين يستلهمون، فضلا عن تفوق سلاحهم، عدّة عمرها 3000 سنة، هم سواد مسيحيي العالم. إذن شتّان! 
 

« 12 »

     على هذه الكرة ذات القطب الواحد، يتعذر الاطمئنان، أيا يكن مقداره، إلى استمرار حياة يطيقها البشر. هذا صلب المسألة اليوم. وهذا ما يسعى إليه غزاة العراق وما يقبله مؤيدوهم. وهذا ما يجعل المقاومة العراقية ذودا عن البشرية أدركه معظم البشر وصدعوا به. الولايات المتحدة الأميركية دولة قانون ونظام ديمقراطي أساسا، على ما فيها من أشباه احتكارات أي من دكتاتوريات قطاعية. وهذه أيضا حال إسرائيل، مع وجوب التحفظ في حالتها. الدولة الديمقراطية يناط بها مصير مواطنيها. أما أن يناط بإرادة هؤلاء مصير شعب آخر... نحن على مرمى حجر من فلسطين ونعلم، كما لا يعلم أحد، ما يعنيه ذلك. وأما أن تناط بإرادة شعب واحد مصائر شعوب الأرض... نحن نتعلم اليوم ما يعنيه ذلك. الشعوب تحكمها أنظمتها ويرعى ذلك نظام دولي أولى مهماته أن يدرأ بغي بعضها على بعض. البغي وارد قبل رعاية الحرمة، على هذا الصعيد، فهكذا هم البشر. وأما ما يرعى النظام الدولي نفسه فهو وجود الرادع للقوي المغرى بالبغي. وهذا الرادع لا يكون من شعب الدولة الباغية وحده ولا من نظامها القانوني وحده ولا من النظام الدولي نفسه إذا ارتد نظاما قانونيا مجردا من الحول في مواجهة البغي الشاكي السلاح. لابدّ لدول العالم، اليوم، من إمداد النظام الدولي بما يقنع الولايات المتحدة بأن الباغي تدور عليه الدوائر. ولا تقتصر قوة الإقناع هذه على “الجيش والأسطول” وهي العبارة التي استذكرها بعض الروس مؤخرا. لا إزراء بهذا، طبعا، ولكن الحرب الباردة ليست الصورة الوحيدة الممكنة لسياسة العالم. في العالم كتل ودول وشعوب وفي أيديها وسائل للردع لا تحصى ولا تحدّ إن هي هيّأت لنفسها سبل استعمالها عند الحاجة أو عند الضرورة. وسيكون شعب الولايات المتحدة طليعة المستفيدين من وجود قوى حقوقية وخلقية ومادية في آن، يحدّ بها عالم البشر بعضه بعضا وتكون الولايات المتحدة إحداها. وذاك أن سيادة الإغراء بالاستئثار تنحط بقطاعات عريضة من الشعب الكبير إلى الدرك الأسفل من الفتك والسرقة وقطع الطرق. هذا فيما يقرع ساسته والأكثرون من ألسنة حاله الطبول لزحف الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. نقول هذا لا قذفا لشرف الأميركيين أو للنظام الذي اختاروه، بل استذكارا لما كان ديدن الإمبراطوريات في كل زمان. 
 

« 13 »

     بدأنا بصورة فنختم بصورة. آخر صورة شاهدها اللبنانيون للّحديين وهم منهم كانت صورة واحد من عسكر لحد طرحه شرطي إسرائيلي أرضا ووضع جزمته على خدّه. أخذت الصورة في شارع من شوارع القدس كان اللحديون قد خرجوا يتظاهرون فيه مطالبين بما اعتبروه “حقوقا” لهم أكلتها الحكومة الإسرائيلية. 
 

بيروت في 28 29 آذار 2003

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic