جدار بغداد

جوزف سماحة

جريدة السفير (لبنان)

الثلاثاء، 8 نيسان «أبريل» 2003

     عندما شنّ النظام العراقي حرباً على إيران قال إنه يفعل ذلك باسم الدفاع عن البوابة الشرقية للأمة العربية. لم يكن ذلك صحيحاً. 

عندما دخل النظام العراقي إلى الكويت استعاد الحجة نفسها وكان، في الواقع، يكرّر الخطأ. 

أما هذه الحرب، التي لم يخترها النظام، فهي تضعه، فعلاً، في الموقع الذي كان يدّعيه لنفسه. إنها تضعه هناك ليس لميزة خاصة فيه وإنما لأن الولايات المتحدة تنظر إلى الأمر من هذه الزاوية. 

يعتبر حزب الحرب الأميركي أن أخذ العراق سيكون له مفعول انهيار جدار برلين. وهو يرى إلى ما يجري الآن وكأنه الحلقة الثانية في عملية واحدة. إنها استدراك لما كان يجب أن يحصل في 91 في العراق من أجل تدشين سياسة كونية يكون شعارها المركزي الحصول على كامل ثمرات الانتصار في الحرب الباردة. 

لا يخفي هذا الحزب أن العراق هو بداية عملية تغيير ستطال العرب جميعاً والمسلمين. وهو يلتقي مع غيره من التيارات المشكّلة للإدارة الأميركية الحالية حول عدد من النقاط تمثل برنامجاً متكاملاً. 

- أولاً إن الخلاص من النظام العراقي سيحرّر قوى مكبوتة في العراق والعالم العربي. ولا يقلّل من هذه الفرضية عدم استقبال الجيوش الغازية بالورد. على العكس. إن عدم الاستقبال هذا يدل على حجم الرعب المزروع في نفوس البشر والذي يقتضي علاجاً مديداً. 

- ثانياً هذه القوى المكبوتة ستلاحظ أن الولايات المتحدة غيّرت تحالفاتها في المنطقة من الأنظمة إلى الشعوب. سينهي ذلك وضعاً سابقاً كان يسمح بتوجيه النقمة نحو الخارج، ويلغي أي تحمّل للمسؤولية، ويفضل الصراع العبثي والعدمي على المضي في طريق التقدم والديموقراطية وحقوق الإنسان والمصالحة مع العصر والتسامح وحريات المرأة... 

- ثالثاً سيتكرّر، في العالم العربي، ما حصل في أوروبا الوسطى والشرقية عند منعطف التسعينيات. فلقد أثبتت الشعوب، هناك، أنها تواقة إلى الديموقراطية السياسية والليبرالية الاقتصادية وقيام أوثق العلاقات مع حلف شمال الأطلسي والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة. لذلك ما إن ينهار “جدار بغداد” حتى يتمكّن العرب من التعبير عن مكنوناتهم في عشق الولايات المتحدة ونموذجها وسياستها. وإذا كان مثال أوروبا غير ناجع فإن مثال اليابان وألمانيا حاضر. إنهما بلدان حرّرتهما أميركا بالعنف والقنابل النووية فاستقبلاها حتى الآن، وهما مدينان لها بكل ما هو إيجابي فيهما. 

- رابعاً النتيجة المنطقية لما تقدم هي نضوج الظروف لحل قضايا الشرق الأوسط كلها وعلى رأسها النزاع مع إسرائيل. فالفكرة التي باتت راسخة تؤكد أن الديموقراطيات لا تتحارب. وبما أن إسرائيل هي الديموقراطية الوحيدة فهذا يفسّر سبب الحروب. ولذلك، يكفي تحوّل العرب إلى الديموقراطية حتى يكتشفوا أن لا مشكلة بينهم وبين الدولة الصهيونية. 

- خامساً يتم استكمال هذه الثورة الثقافية الجذرية بمواجهة عنيفة مع التعصب والأصوليات وكراهية الأجنبي، وهي كلها البيئة الخصبة التي أنتجت الإرهاب وذهبت به إلى الأرض الأميركية. 

ثمة تنويعات في الولايات المتحدة على تبني هذا البرنامج. ويمكن لمن يدقق قليلاً أن يكتشف أن الأميركي الأكثر ليكودية هو المدافع عن النسخة الأكثر جذرية في هذا المشروع. ويقود ذلك إلى استنتاج مؤداه أن الأصدقاء الخلّص للعرب هم، بالضبط، ليكوديو الإدارة الأميركية. ويعني ذلك أننا، في الواقع، أمام خدعة (لا مجرد سوء تقدير أو توهّم أو تخريف أيديولوجي). نحن أمام تبرير لحملة على العرب تستمد جذريتها من جذرية البرنامج المشار إليه ولكنها تختلف معه بنداً بنداً. 

إن الداعين إلى إسقاط “جدار بغداد”، والعاملين على ذلك، والمقتربين، ربما، من النجاح، يرمون إلى تحقيق أهداف أخرى:

- أولاً يريدون الحسم في موضوع الهيمنة الأميركية على مقدرات المنطقة انطلاقاً من “القاعدة” العراقية. لا يعني ذلك أنهم لا يملكون نقاط ارتكاز راسخة في دول أخرى. ولكنه يعني أن هذه النقاط لم تنجح في حسم ثنائية آن الأوان لحسمها. لم يعد التحفظ مقبولاً. ولم يعد مسموحاً نصف الانصياع إلى الإرادة الامبراطورية. ولم يعد وارداً “الإشراك” في مصدر الشرعية والاضطرار، في سبيل ذلك، إلى خطاب يحمل بذرة همّ بمصالح المنطقة. 

- ثانياً لقد فات أوان التأقلم مع الوجود الإسرائيلي. جاء وقت التكيّف مع التوسعية في صيغتها الليكودية. ولعل الحدث السياسي الأبرز، بعد حرب العراق، سيكون الدفع في اتجاه حرب أهلية فلسطينية يُعتبر الموقف منها محكاً للتموضع في الحرب العالمية ضد الإرهاب. 

- ثالثاً لا مجال بعد اليوم لنظام عربي مهلهل لأنه موزع بين تراث موروث وبين واقع مخالف. إن النظام الجديد يجب أن يكون متماسكاً على قاعدة إعلان الاستسلام الكامل أمام “روما الجديدة”. 

- رابعاً ليس النقد الذاتي النظري هو المطلوب، ولا المراجعة الثقافية. إن المطلوب هو التراجع عن إرث المرحلة الاستقلالية كاملاً سواء في صيغته التحررية أو المحافظة: لقد كانت التأميمات جريمة، ومعها الإصلاح الزراعي، وتوسيع دور الدولة، وتعميم التعليم... إلخ. ثمة بدايات عربية لهذه السياسات ولكن انهيار جدار بغداد يجب أن يكون حافزاً لها من أجل دخول “سعيد” إلى عولمة لا ترحم. 

- خامساً إن الرعاية الوحيدة المقبولة هي رعاية نشوء رأسماليات شديدة الارتباط بالخارج ومدينة له بالحماية على أنواعها وعاملة، ولو بمساعدة الجيوش الغازية، على الثأر من الماضي، وإعادة تركيب المجتمعات العربية، وتحطيم كل أمل بمستقبل يريد الاستفادة من التجربة المتعثّرة لحركة التحرر الوطني. 

سقوط جدار بغداد يعني انفلات هذا المشروع من عقاله. والمشروع هذا لا يعني تهديداً للمصير العربي المشترك وإنما، أيضاً، صيغة جديدة للعلاقات في كل دولة عربية على حدة، نحن، إذاً، أمام عمليات جراحية مؤلمة يُفترض بالجسم المرضوض للأمة أن يتحمّلها. 

كان يمكن للواقعية أن تدعو إلى ملاقاة هذا المشروع في منتصف الطريق. ولكن هذه الواقعية، بالضبط، هي المهزومة الآن وهي المستهدَفة في العراق وأبعد من العراق. 

ما العمل عندما تكون الواقعية مستحيلة؟

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic