النجف تحت خيمة المرجعية

هاني فحص

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 10 نيسان «أبريل» 2003

النجف - Najaf

 
    
على مر الفترة من تأسيس الدولة العراقية الحديثة بقرار وإدارة انكليزية أوائل العشرينيات من القرن الماضي، الى اليوم، مرورا بكل العهود العراقية الانقلابية، القاسمي ثم البعثي العارفي، الى العارفي الحصري الاول (عبد السلام) الى العهد العارفي الثاني (عبد الرحمن) الى البعثي الحصري البكري (أحمد حسن البكر) 1968 1979 الى العهد البعثي الصدامي (1979 2003) طوال هذه العهود ذات اللافتة الوطنية القومية التقدمية، من دون إمكان وجود أدلة شافية على وطنيتها او قوميتها او تقدميتها لأنها لم تختلف في اسلوب إدارتها للشأن الاجتماعي والحكومي عن اي عهد سابق حتى العهد العمثاني.. لم يكن أحد يدري تماما من يدير العقل الحاكم؟ فالانكليز والاميركيون لم يغيبوا، والروس كانوا يحضرون بشكل ما وإن كان على حساب فرعهم الحزبي الشيوعي.. على مر هذه الفترة بكل تعقيداتها، كانت هناك مشكلة هي النجف التي اتكأت على دورها المميز في ثورة العشرين، وإن كانت قد عوقبت عليه من قبل الانكليز ومن خلفهم من الحكام العرب او الوطنيين، من خلال تهميش عمقها الشعبي الشيعي وتكبيله بكم هائل من القيود التي تمنع مشاركته في القرار او في نظام المصالح الوطنية.

وباتكائها على هذا التراث، تحولت النجف الى رقيب فعلي على أداء السلطة، فتصدرت او احتكرت التصدي للانحراف الذي نتج عن استئثار الشيوعيين بالعراق من دون عناية او احترام لمكوناته وأنظمة قيمه، مرة بالتفاهم مع عبد الكريم قاسم، ومرة بالخلاف معه ومحاولة الاستقواء عليه وإضعافه، ووقفت النجف بقوة، وبقيادة مرجعها السيد محسن الحكيم ،في وجه قانون هجين للأحوال الشخصية مس بالكثير من المسلمات الشرعية، ثم أعلنت موقفها او فتواها التي أصدرها السيد الحكيم بموافقة بقية المراجع بتحريم الشيوعية، ما كان مقدمة للانقلاب البعثي العارفي المشترك على الحكم القاسمي. وهنا يروي الراوون ان عددا من قيادات البعث مروا بالنجف وانطلقوا من منزل احد كبار علماء آل الراضي، وتوجهوا الى بغداد للإشراف على الانقلاب في حين بقيت النجف من ورائهم تنتظر النتائج اللاحقة للانقلاب من دون ان تتورط في التسرع بموقفها الذي كان مشروطا دائما بالديموقراطية وحسن الادارة. 

وتصدت النجف بقيادة مراجعها وفي مقدمتهم السيد الحكيم لاقترافات العهد العارفي، خاصة في ما يعود الى الحرب ضد الاكراد والفساد المالي والاداري وبطء حركة الإنماء وتعثرها وعدم عنايتها بالتوازن بين المناطق والمحافظات.

وبعد وفاة عبد السلام عارف في حادث الطائرة المعروف في منطقة البصرة، هدأت النجف مع عبد الرحمن عارف الذي كانت تعرف انه لا حول له ولا قوة، ولكنها لم تكف عن نقدها الشديد لرئيس وزرائه المتسلط طاهر يحيى التكريتي، الى ان حدث الانقلاب البعثي الذي تعاملت معه بريبة شديدة، وتواصلت مع قوى المعارضة السرية، الى ان انكشفت المحاولة الانقلابية التي شارك فيها عبد الغني الراوي ونظام الدين عارف وجابر حسن الحداد (الناصري والقائد العسكري المعروف ومحافظ كربلاء في العهد العارفي) وأعدموا مع غيرهم بطريقة صدامية معروفة (صدور الاحكام بعد دفن الجثث)، وبحثت السلطة عن فرصة في المناسبة لتوجيه ضربة الى النجف، فاكتشفت ان علاقة ما تربط المتآمرين مع بعض علماء النجف الناشطين في اطار المعارضة، من دون ان تصل هذه العلاقة الى مستوى التواطؤ او المشاركة في الانقلاب، وكان في عداد هؤلاء المرحوم السيد محمد مهدي الحكيم نجل المرجع الحكيم الذي اغتيل في الخرطوم أواخر الثمانينيات على يد الامن العراقي وبشكل شبه علني. فكانت الفرصة الذهبية، للانتقام من الحكيم وتحجيم النجف ووضع حد لاستقلاليتها ومعارضتها واحتجاجها.

وجعجعت قوى الأمن بالامام الحكيم من بغداد الى النجف، وفي النجف قررت اعتقال نجله الذي استطاع الفرار الى الخارج. وفي يومها أخذت السلطة بتشديد الحصار على النجف وعلى السيد الحكيم الذي لم يلبث ان توفي عام 1969 فأصبح الجو مساعدا للسلطة اكثر من الماضي، لأن إيرانية المرجع الخلف للحكيم السيد ابو القاسم الخوئي، أضعفت من قدرته على المواجهة لأسباب موضوعية وذاتية.

وانتبهت السلطة الى ما يمكن ان يشكله السيد محمد باقر الصدر من بديل حديث للسيد الحكيم في مستواه العلمي وموقعه المرجعي وتجربته السياسية في حزب الدعوة وميله الى تنظيم مرجعيته وربطها بالقاعدة وبالقضايا المطروحة وطنيا وقوميا وإسلاميا.. خاصة بعد ان كان السيد محسن الحكيم قد تصدى بعد النكسة عام 1967 الى دور تعرف له النجف تراثا من خلال أنشطة مراجعها في سياق القضية الفلسطينية، منذ مشاركة المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في مؤتمر القدس 1931 وإمامته للمؤتمرين في المسجد الاقصى.. وكان السيد الحكيم قد أرسل وفودا الى عدد من الاقطار العربية والاسلامية حتى أندونيسيا لاستنهاض المسلمين من اجل الرد على النكسة... وأسرع السيد الحكيم وقتها الى إصدار الفتاوى في تأييد المقاومة الفلسطينية ودعمها ماليا بالتبرع وبالأموال الشرعية.. واستقبلت النجف قيادات مقاومة واحتفت بها في 1/1/1968 بشكل لم يسبق له مثيل أثار حنق السلطة وقتها، ووضعت السلطة السيد الصدر تحت المراقبة فجعجعت به اكثر من مرة، في حين كانت قد شرعت في تهجير العلماء والمجتهدين والطلاب وهيئات ادارة المرجعية، الحواشي من النجف طمعا بإفراغها، مع توجه الأمن الى تسريب عملائه الى الحوزة كطلبة يعتمرون العمة غطاءً لأدوارهم الأمنية.. 

إذن فقد وضعت النجف في حالة أمنية شاملة، انتهت باعتقال السيد محمد باقر الصدر عام 1979، احتياطا لنجاح الثورة الاسلامية في إيران وما يحتمل ان يكون له من أثر في إثارة رغبة النجف في استعادة دورها وتصعيده.. خاصة أن الامام الخميني كان قد قضى في النجف (14 عاما) قدم فيها من خلال سلوكه ودروسه نموذجا يحتذى، من دون ان يتورط في الشأن العراقي الداخلي، ما كان من آثاره تعزيز النجف وعلائقها الداخلية واستعدادها لمواجهة الاستحقاقات بشكل متماسك. 

بعد نجاح الثورة الاسلامية واستيلاء صدام حسين على السلطة وإقصاء احمد حسن البكر وعقوبة فريقه على ما اقترفوه من اعلان الميثاق القومي مع سوريا وفي محاولة لتفادي الصدام مع الثورة الاسلامية في إيران بضمان سوري وضمان الرئيس حافظ الأسد، كان لا بد من وضع حد للنجف.. قتل الصدر وعدد من العلماء وسجن المجتهد والطلاب وتعذيبهم وتصفيتهم في السجون، وإقصاء آخرين عن العراق وهروب عدد كبير في اتجاهات عديدة، وبدا كأن الجو قد اصبح صافيا، فتمت مصادرة كلية الفقه، وتسليط اجهزة الامن على حركة ومنازل المراجع، الى ان تم احتلال الكويت بدفع اميركي والخروج منها بالسلاح الاميركي، وانكشف النظام، فتحركت الانتفاضة في النجف وامتدت الى اكثر مدن الجنوب وأحياء بغداد. فانتبه الاميركيون الى ان دور النظام لم ينته بعد، وأن القادم على إيقاع الثورة الاسلامية في إيران، ليس بديلا مأمونا، فأطلقوا يد الحرس الجمهوري وسلاح الجو العراقي ليبيد الانتفاضة ويعقب ذلك حركة إعدامات واسعة ومزيد من احكام القبضة الأمنية على النجف وكسر المحرمات باختطاف المرجع السيد الخوئي ونقله بالمروحية مخفورا الى مكتب الرئيس صدام حسين الذي تعامل معه باستخفاف شديد كما ظهر على شاشة التلفزيون. وبدا كأن النجف قد خمدت فاستراح الامن العراقي لعمله فاغتال عدداً من المراجع (الغروي، البروجردي والسيد محمد الصدر) واغتال احد انجال السيد ابو القاسم الخوئي (محمد تقي).. وخمدت النجف فعلا... فعزل مراجعها السيد علي السيستاني والسيد محمد سعيد الحكيم، الى ان بدا للسلطة انهما لا ينويان القيام بنشاط سياسي مثير، فأفسحوا لهما مراعاة لبعض الخواطر ولأطروحة يضمرها النظام في الابقاء على بعض النجف، تحت نظره، لمواجهة قم التي تحتضن العلماء العراقيين المعارضين وأعدادا كبيرة من المعارضة المدنية، واستراحت النجف في ظل مراجعها الذين ضاعفوا من نشاطهم العلمي والتعليمي والاجتماعي بمقدار ما أفسحت لهم اجهزة المراقبة الامنية. 

في كل هذه الادوار والمراحل لم تكن النجف بتركيبها الاجتماعي وذاكرتها وموقعها ونموذج مرجعيتها العلمية والمسلكية، تفسح مجالا لنمو قيادات نجفية محلية سياسية او ثقافية خارج سياقها.. فكان المسؤول الحزبي والاداري والامني والعسكري يشعر بضآلة دوره في النجف، الذي لم يكن يزيد على ادارة الازمة العميقة مع هذه المدينة العريقة، أما الوزير النجفي او النائب فإن النجف تجعله عرضة للمساءلة والمحاسبة والحرج الدائم والعزل الاجتماعي أحيانا. من هنا كان السعي الحثيث والسلطوي الذي تأسس من عهد المتوكل العباسي، والقائم على تغيير حركة الزوار الى مرقد الامام علي، ومنع اقامة مجالس العزاء، وزيارة الاربعين للحسين في كربلاء، حيث يتحول الزوار الى تظاهرة وطنية حاشدة، ان هتفت استخدمت الكنايات التي تخفي غضبها، وإن صمتت كانت أبلغ في معارضتها وشكواها.. ومنعت زيارة الاربعين بعدما فتحت نيران الرشاشات على الزوار وسقط الشهداء. 

هذه هي النجف.. التي دخلها الآن معارضا وطامحا الى دور في المستقبل نجل المرجع السيد الخوئي (عبد المجيد) آتياً من لندن ومن تفاهم عميق وطويل مع الادارة البريطانية شريكة اميركا في التحالف، مستندا الى مؤسسة الخوئي الاجتماعية النائمة على رصيد لا يقل عن 300 مليون دولار من دون ان تكون أنشطتها التعليمية والاعلامية والدينية، مؤهلة لأن تحميها من التساؤل والاعتراض.. 

إذن فهناك تعقيدات كافية لأن تحد من حظ السيد عبد المجيد الخوئي في ان يكون له دور مقبول شعبيا وواسع في الوسط الشيعي انطلاقا من النجف، أما دخوله برفقة عدد من اعضاء عشائر الديوانية الى النجف فهو استثناء في حالة استثنائية وغير مضمون النتائج، أما في المستقبل فإن المتعارف عليه ان ادوار المرجعية وفعاليتها ليست جزءا من الشركة التي تنتقل الى الورثة.. مع فرصة دائمة لأن يكون نجل المرجع مرجعا اذا اجتهد بالمعنى الفقهي، وعلم وربى المجتهدين، وهذا غير متوافر في السيد الخوئي على فضله العلمي، ولا هو متوافر في السيد محمد باقر الحكيم، الذي يتميز عن السيد عبد المجيد الخوئي، بمستوى علمي أعلى، وبأنه عراقي عربي وعلاقته بالعراقيين أمتن وأعمق وميدانية وتاريخية، منذ شارك والده المرجع السيد محسن الحكيم في قيادة ثورة العشرين، وبنى علاقة بعد مرجعيته مع عشائر العراق وحماها جزئيا من جور السلطة، الى بقائه في المرجعية التي بلغت حد الزعامة ما يقرب من نصف قرن من الزمان والسيد محمد باقر الى جانبه.

وإن كانت سلبية السيد عبد المجيد الخوئي تجاه إيران تعطيه حظاً لدى الأميركان والانكليز، فإنها لا تعفيه من وجوب ان يحسبها بدقة، على اساس التفاؤل عما اذا كان التحالف يعد لإيران مشروعا عسكريا مشابها لما يجري في العراق؟ والواقع ان المسألة في العقل الاميركي الانكليزي والايراني أعقد من هذا التبسيط.. إذن فسلبية الخوئي تجاه إيران قد تنفعه الآن جزئيا ولكنها سوف تضربه كثيرا في المستقبل، وقد يحقق اي شيعي موقعا ما من خلال قطيعته مع إيران بسبب أخطاء معينة، ولكنه لا يستطيع ان يحتفظ بهذا الموقع لأنه يحتاج الى شرعية شيعية، وإذا ما كان في صف التحالف، فإنه يحتاج الى شرعية اسلامية عامة أشد صعوبة. أما ايجابية السيد محمد باقر الحكيم تجاه إيران الى حد المماهاة او التبعية احيانا، فإنها محكومة بالحسابات الايرانية التي أخذت تتوخى الدقة منذ احتدام الصراع وقبل انفجاره، ما أدى في النهاية الى تثقيل قدمي السيد الحكيم وخطواته المندفعة نحو التحالف، مع قليل من الحسابات التي لا تضمن المستقبل، وهكذا فإن خطاب الحياد والتوازن والتوقعات الايرانية، وعلى رأسها سقوط النظام العراقي، أدت الى سحب فيلق بدر من المعركة، الآن، والى مسافات موجودة وإن تكن غير منظورة بين السيد الحكيم والتحالف وجماعته على ابواب تشكيل الاميركان للفئة التي سوف تكون تابعة لهم في حكمهم للعراق مؤقتا الى ان يتم استبدالها بفئة اخرى أقل بعدا عن مشاعر العراقيين. 

إن مصداقية السيد الحكيم كوارث لوالده على مقدار من العلم والتاريخ تزيد على ما هو متوافر للسيد الخوئي، ولكن غير كافية لجعل السيد محمد باقر الحكيم مرجعا سياسيا للنجف، وجل ما بإمكانه ان يكون، هو ان يكون تحت ظل المرجعية الدينية، شرط ان يكون مشروعه منسجما مع تراثها في التوازن وعدم الانجرار الى التسليم والتبعية للمحتل. إذن فالسيد الحكيم بإمكانه الآن، ان يغتنم فرصة الحياد والتوازن الايراني، وفرصة سقوط النظام، وفرصة الفظاعة الاميركية في القتل والدمار، وفرصة الاعلان الاميركي الكاذب عن الديموقراطية، ليدخل الى العراق والنجف معارضا بقوة مع التلويح الدائم بالقوة، فيكتسب شرعية مرجعية نجفية وشرعية شعبية عراقية، سنية وشيعية، عربية وكردية، وشرعية إسلامية وعربية في الخارج، ليكون احد الأحصنة الأصيلة التي يمكن ان يراهن عليها العراقيون كبديل للمتسرعين الذين يتوهمون أن يكونوا شركاء الاميركان في مستقبل الحكم في العراق مع الأخذ بعين الاعتبار ان معيار المصلحة الوطنية الذي حكم إيران منذ حرب افغانستان، وإن كان قد ازداد تعقيدا مع العدوان على العراق، فإنه معيار متحرك، اي انه مرهون ايضا بسوء او حسن تصرف الاميركان في العراق، وهم وإن خرجوا منتصرين انتصارا صعبا كما يبدو، فإن الأعطاب في بنيانهم العام، ستكون عميقة، ما يعني إمكان مواجهتهم او التمرد على شروطهم كمنتصرين ضعفاء كما كانت اوروبا وخاصة بريطانيا منتصرة ضعيفة بعد الحرب الثانية ما جعلها عرضة لابتزاز الولايات المتحدة وغيرها خاصة في تجربة العدوان الثلاثي عام 1956. 

وبإمكان السيد محمد باقر الحكيم والسيد عبد المجيد الخوئي ان يتحررا من تراث تنافس ابناء المراجع وأسرهم على منافع المرجعية الاجتماعية والسياسية والمادية، ليؤلفا مع غيرهما من علماء النجف فريقا واحدا يعمل على إشراك الامزجة السياسية المختلفة في ورشة سياسية واحدة ترى العراق ومستقبله على موجب الاستقلال والحرية والتعدد والسيادة بشرط الواقعية والعقلانية وعدم التسرع او المغامرة او المخاطرة او الخفة او عدم التبصر بالمتغيرات وما آلت إليه الامور والوقائع وما تؤشر عليه من مستقبل معقد يحتاج الى عناية مركزة لتلافي مخاطره الشديدة، مع الانتباه الشديد الى ان المحتل الاميركي ليس بصدد ان يقوم بأي شيء يجعله مقبولاً.. هذا إن كان هناك استعداد لقبوله. إن سمعة النجف وسلامتها تاريخها ومستقبلها.. امور متكاملة، ولن يحفظها طرف منفصل او مشروع شيعي او نجفي خاص، بل إن المشروع الخاص يفصل النجف عن العراق.. وعن الشيعة ايضا، مهما تكن المتراكمات التاريخية لديه جارحة.. إنها شأننا جميعا.. وهي اي النجف الواقعية العقلانية الحكيمة، الجماعية، المنضوية تحت خيمة المرجعية بمعناها المؤسسي لا الشخصي ضمانة الجميع في عراق الجميع. 

باستمرار كانت العاطفة الشيعية مصدرا للحيوية والمفاجأة. في الماضي والحاضر.. أما المرحلة المقبلة فهي بحاجة الى عقل شيعي مكون من عقول مختلفة متفقة على النهوض والتأسيس لمستقبل أشد تركيبا وإشكالية.. ومن دون مشاركة واعتدال ووسطية وتسوية في ما بيننا لن يتوافر لنا العقل الكافي لإنجاز مشروعنا العادل المشروط بشراكة الآخر القريب والبعيد من الاهل والشركاء في مشروع وطني غير مذهبي من دون إهمال لحساسيات اهل المذاهب الذين لا يسلمون للمحتل وإن غلبهم.

لعل من المناسب ان نختم بشيء من الايضاح حول أسماء يجري تداولها في العراق وخارجه هذه الايام وعلى صلة بالنجف والحوزة والشأن العام العراقي، فبالاضافة الى السيد السيستاني المرجع الأبرز، الذي يليه السيد محمد سعيد الحكيم في نسبة سعة مرجعيته، هناك اسمان معروفان منذ عقود من السنين هما الشيخ بشير الباكستاني تلميذ السيد ابو القاسم الخوئي والمتأهل من سيدة عربية نجفية وهو مسلّم باجتهاده واستقامته وتوخيه الحكمة، والآخر هو الشيخ اسحاق الفياض الافغاني والبارز جدا في تلامذة الامام الخوئي منذ أواخر الستينيات، خاصة أنه تولى مبكرا تحرير أبحاث استاذه في علمي الفقه والأصول ما حوّل كتبه الى مصدر علمي هام في حياة الحوزة. مع ملاحظة ان السيد السيستاني هو إيراني الاصل، ومن منطقة ايرانية بعيدة وفقيرة ومجاورة لافغانستان وباكستان معاً ومتصلة بمنطقة إيرانية اخرى فقيرة هي بلوشيستان، وهما منطقتان تتميزان بالاختلاط السني الشيعي مع قليل من الحساسية ومن دون ان يترتب على ذلك اي صدام. أما السيد حسين الصدر فهو نجل عالم الكاظمية السيد اسماعيل الصدر شقيق الشهيد السيد محمد باقر الصدر، والسيد حسين اعتمد الاعتدال في سلوكه في بغداد تأمينا لاستمراره في أدائه لدوره في اوساط المؤمنين، وعلى المستوى العلمي هو رجل فاضل، من دون ان يرقى في فضيلته الى مستوى المرجعية، ولو نسبيا.. أما السيد محمد بحر العلوم فهو حامل لتراث علمي ومرجعي وجهادي عريق يمتد الى قرون مضت، من عائلته المعروفة، وقد انتهى به الامر الى الكون في فريق عمل المرجع السيد محسن الحكيم وكان رفيق نجله السيد مهدي في الفرار من ملاحقة السلطة عام 1969 وانتهى به المطاف من العراق الى الخليج الى لندن.. وقد ظهر في كلامه كثير من الانفعال والمواقف الحادة وقليل من التدقيق في الحسابات نتيجة الجراح العميقة التي يحملها من ممارسات النظام العراقي. 

الى ذلك فإن المساعي لا تهدأ من اجل عودة الجميع الى العمل معاً وتحت سقف المرجعية وتراث النجف الوطني بأسلوب معتدل يأخذم الثوابت والمتغيرات في اعتباره من دون أوهام. 

وعلى هذا الأساس جرت اتصالات شعبية عربية بالنجف وبالسيد عبد المجيد الخوئي مؤكدة ضرورة الحرص على ان لا يبدو ان هناك اختلافا او خلافا مع المرجعية.. وأكد السيد الخوئي أنه حريص على ذلك.. أما الحديث عن فتوى السيد السيستاني فالواقع ان السيد كان بصدد بيان توجيهي إرشادي لا بصدد فتوى إلزامية، ومضمون البيان هو حث النجفيين العزَّل الذين هم في اكثريتهم من الشيوخ والأطفال والنساء، على توخي الحذر والدقة في حركتهم في ظل الاحتلال، حفظا لأرواحهم، كما يحصل دائما من القيادات الميدانية في حالات الاحتلال الاجنبي او الوطني، انتظارا لما يستجد من ارتفاع وتيرة الاستفزاز من قبل المحتل واتفاق المعنيين بالمواجهة على كيفية هذه المواجهة سياسيا وعسكريا.. تماما كما حصل في جنوب لبنان بعد الصدمة الاولى، ليعود المقاومون ليدشنوا مقاومتهم، بفتوى سرية لا تلبث ان تصبح فتوى عملية بعد اتضاح جدوى المقاومة وحكمتها وحرصها على تحرير الارض وصيانة القيم. هنا يرى بعض الشيعة ان العراق عموما وشيعته خصوصا ربما كانوا بحاجة ماسة الى من ينقل لهم دروس الحروب اللبنانية والمقاومة والطائف ليستفيدوا منها بما يجنبهم الفتن ويعزز تيار الاعتدال والتسوية بينهم جميعا.

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic