مايكل مور وسؤاله: لماذا يَقْتُلُ الأميركي؟

نصري الصايغ

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 11 نيسان «أبريل» 2003

     الكاتب والمخرج الأميركي “المنشق” مايكل مور يبحث عن جواب. 

لماذا يطلق التلميذ الأميركي، ذات صباحات تتكرر، رشقاً من النار على زملائه في المدرسة ويُرديهم؟ 

يذهب مايكل مور الى المدرسة، يحمل عينيه وقامته المريحة، ويستفتي بكاميرته الأسباب. يسأل: من المسؤول عن المذبحة؟ من القاتل؟ التلميذ أم البندقية أم انتشار السلاح أم الأفلام العنيفة التي يعرضها التلفزيون؟ 

لماذا تتخطى نسبة الاجرام، في المدن الأميركية، كل النسب “المعقولة” في مدن العالم؟ هل هذا وباء، أم هي عادة، أم هي أسلوب حياة أم لأن أميركا تحمل في ثقافتها “جينات” قاتلة؟ 

لا يقنع مايكل مور بالأرقام. الأجوبة السهلة لا تحطّ براحة أمام أدوات التفتيش. فهو محقق بارع، ومثابر على الكشف... والافتضاح. 

لم أكن أعرف مايكل مور. كل ما عناني من مسيرته ان فيلمه الوثائقي الطويل “بولينغ فور كولومباين” حاز على تنويه في مهرجان “كان” الأخير. وعلى غير عادة أن تقبل أفلام وثائقية في حفل فاخر مثل “كان”، أو أن يكون له بطاقة عبور الى المنصة. ولكنهم تجرأوا... وفعلوها. 

كنت في باريس، عندما أمرني ولدي، بالكفّ عن القراءة والسياحة والعائلة، والذهاب معه الى “مايكل مور”. كان مزاجي بليداً، غير راغب بالتحديق، أو بمصافحة أحد. فأميركا هي أميركا. وما قرأته عنها يكفيني كي أكوّن صورة شديدة القتامة وكثيفة العبوس.. ومع ذلك خضعت لآداب الزيارة، وبرهنت أني مطيع لثقافة الفن السابع. 

شتاء باريس بكائي ومحبط. انتظرت دوري لمصافحة مايكل مور من خلف شباك التذاكر... لكن المقاعد كانت قد بلغت ثمالتها. فعدت مطمئناً الى أن ولدي لن يعاتبني على تقصير ما. غير أنه بادرني بالقول: “مايكل مور الهال”. اسرع. وتبعته حتى بلغت مقعدي. وكانت الصالة الباريسية مكتملة النصاب. 

دخل مايكل مور... ها هو بقامته يوقّع على أوراق، يفتح حساباً في مصرف، وينال مكافأة لقاء ذلك: “بندقية مع وجبة من الطلقات بالرصاص الحي”. 

من هنا يبدأ الفيلم الوثائقي الطويل، الذي صفقت له باريس، ومنحته جائزة “السيزار”، كما صفقت له هوليوود عندما كرسته أفضل مخرج لأفضل فيلم ومن منصتها اطلق صيحته: “العار عليك يا بوش”. 

الإعلان المنشور في الصحف الأميركية، وفي البطاقات المستعجلة، وعلى الفسحات الداخلية للمصرف تدعو المواطن الأميركي الى الفوز ببندقية مقابل فتح حساب بالدولار. 

وتبدأ رحلة البحث عن القاتل وعن القتل. 

“مايكل” لا يدير الكاميرا. إنه حاضر في متن المشهد. يذهب الى كل الأمكنة الصعبة. ويطرق الأبواب الممنوعة. يتخفّى ويلبس قمصان “شبان البنادق”، الذين يحرضون على اعتناق عقيدة البندقية، ونشر الايمان السماوي بالدفاع عن النفس، وعدم الركون الى الشرطة، فالأميركي الشجاع لا يحتاج الى شرطة كي “يستعيد حقوقه”، بل الى بندقية تردع “الجاني”، أو الى قتل احترازي، لخصم أو عدو مفترض. ولائحة الاعداء طويلة، تبدأ باللون المكسيكي والأميركي اللاتيني، ويُضاف إليها ملحق بالسود والخلاسيين والسمر. فالأمة الأميركية أمة بيضاء... فقط... “فطهّرونا من كل دنس”. 

لم أشعر بملل. كنت أركض خلفه بتعب وشغف. بدا لي الفيلم، أنه رواية حقيقية. رواية من لحم ودم. من أطفال يقتلون عن جِدّ. لا تمثيل في الجريمة. إنها الجريمة وقد تعرّت من مساحيق الدم. إنها الفزع الطبيعي... الهلع الفجّ... الاختباء خلف الطاولات، وتحت الأرض واللجوء الى السلالم... (التمثيل ممنوع). الكاميرا تنقل الحدث. تُسمعك الطلقات والاستغاثات، وبكاء الأهل والرفاق، ثم تدعى الى وضع باقة زهر على الدم المسفوك... فنفعل مثلهم، وتنخرط في الدمع. 

مَنْ قَتل مَن؟ 

مجهول قتل مجهولاً، أو، معلوم قتل معلوماً. وبلا سبب، ولكن لماذا؟ 

في كولومباين مدرسة. وثمة لعبة بولنغ. لا أعرف العلاقة بين الاثنتين. إلا أنني تخيلت أن لعبة البولنغ تفرض على القناص الماهر، أن يصيب بطلقة واحدة، وبدفعة كرة واحدة، كل الشهود المنصوبين في آخر الرواق الطويل. لعل هذا هو السبب في الرشق الذي يطلقه طفل كان سوياً بالأمس، على رفاقه في الصف والمدرسة وقاعة الطعام. 

قلت: لعل الجواب مقيم لدى عصابة تجار البنادق، والقوانين التي تبيح بيع الأسلحة، كما تُباع العلكة وعلب “التشيبس” ووجبات “الهمبرغر”. فكرة السلاح بين أيدي الناس تغريهم باستعماله. 

مايكل لا يقنع. فعلى الرغم من مطاردته لمروّج هذه العقيدة، وقائدها الأبيض، الممثل تشارلتون هستون. فإن عدد قطع السلاح في كندا، بالنسبة الى عدد سكانها، يفوق عدد قطع السلاح في الولايات المتحدة الأميركية. ولدى “استجواب” وزير العدل الكندي، يخرج مايكل باستنتاج: إن عدد جرائم القتل في أميركا يصل الى ما فوق العشرين ألف في العام. بينما لم يستطع وزير العدل الكندي أن يتذكر عدد حوادث القتل في بلده، بل هو صمت قليلاً وقال: في هذا العام: لا أحد، في العام الماضي، ربما جريمتان أو ثلاث جرائم. إذاً: السلاح وحده لا يقتل. 

على أن مايكل، لا يصدر عفواً عن أداة الجريمة. يحرض الفتيان والأطفال على المطالبة بحقهم في الحياة، بلا سلاح، يدفع الجميع الى استعداد تشريع بمنع بيع الرصاص في المحلات العامة. يصرّ على ذلك. لأن إحدى الجرائم ارتُكبت برصاص قاتل اشترى صندوقاً من المخازن الكبرى التابعة لـK-Mart. 

يطارد الفتيان البائع. الإدارة مجلس الإدارة. يصرون على احضار الاعلام. يطردون... ولكن الاولاد، بقيادة الولد الكبير، مايكل مور، يفوزون، فتعترف الإدارة بأنها ارتكبت بيع الرصاص الحي القاتل في مخازنها وتعتذر أمام شاشات التلفزة. وتعد بأنها لن تفعل ذلك بعد اليوم. 

لكن الفيلم لم يجب بعد عن السؤال: الآلة لا تقتل. فمَن القاتل؟ 

لا... ليست أفلام العنف. لقد برهن مايكل، أن هذه الأفلام تدور صورها في القارات الخمس، وتغزو مشاهدها الدامية شاشات العالم، وتقيم في غرف النوم مع الأولاد... ومع ذلك، فإن نسبة جرائم القتل لا تتأثر كثيراً بهذه المشاهد، وإن كانت تخلق تشوّهات نفسية، وتعطل قوى المجال في المخيلة. 

إذاً: مَن القاتل؟ مَن المحرض على القتل؟ لماذا وحده الأميركي، بين سكان هذا الكوكب، يعيش في كوكب آخر من العنف؟ 

قبل الاجابة التي يعرضها الفيلم، سمحت لنفسي بفسحة من السياسة، على عادتي في الهروب من الموضوع. لقد أصرّت وسائل الثقافة والدعاية والسياسة الأميركية على تعميم الخوف وتوزيع الرعب كل يوم، من القنابل الذرية التي يمكن أن تسقط في أي لحظة آتية، من الاتحاد السوفياتي. فخاف الأميركيون، وصار السوفياتي عدواً. وبات كل من لا يخاف من السوفياتي، عدواً أيضاً. فالخوف المشترك هو هوية الأميركي العادي. 

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وانهيار جدار الفصل بين عالم مخيف وعالم خائف، استمرت الولايات المتحدة الأميركية في تكريس الخوف لدى الأميركيين. ولما سئل وزير الدفاع الأميركي الحالي دونالد رامسفيلد عن الأعداء المحتملين والذين يهددون أميركا اليوم أجاب: كوريا الشمالية و... 

سخر معلّق سياسي من هذا الجواب: “ليس لدى الشعب الكوري أرغفة خبز كافية ليومه. شعب جائع... فكيف يهدد أميركا؟”، إلا أن الأميركيين يصدقون إعلامهم الصاخب والمكرر. ولا يتنبّهون الى ملاحظات ساخرة أو حقيقية يطلقها معلّقون أو مفكرون مترفون في نقدهم ومهملون لواجباتهم اليومية، ازاء احترام الأميركي الذي من حقه أن يخاف ويدافع عن نفسه. 

يطارد مايكل مور الأسئلة والأجوبة ويترك المشاهد على قارعة القلق: لماذا يقتل؟ 

لكنني صدّقت فرضيته بالكاميرا المجردة. الأميركي مواطن يتربى على خوف دائم يوقظ فيه غريزة الدفاع عن نفسه بسلاحه. صدّقته لأنني لبناني وعشت الحرب اللبنانية، من مقدماتها الى خواتيمها (المؤقتة). فاللبناني المنقسم تربّى على عقيدتين: عقيدة الخوف وعقيدة الغبن، والخوف يستدعي تحديد جواب حاسم: ممن تخاف؟ يخاف الإنسان من عدوه. ويتربى على تدريب نفسه للقضاء عليه. أو الابتعاد عنه، أو التحصن ضده. وفي ظل عقيدة التخويف، قتل اللبناني “أعداءه” الذين يعتبرون أنفسهم أنهم في مرتبة المغبونين. 

خفتُ. فاللبناني لا يزال حتى اللحظة، يعيش حالة خوف من الآخر. والآخر ليس مواطناً، هو الغريب والمختلف، ديناً وطائفة وثقافة وحضارة ولياقة. وهو المتخلف أيضاً. وفي مثل هذه الحالات تسبغ كل الارزاء والخطايا على العدو، فيصبح قتله مشروعاً، عندما تحين الساعة. وهي آتية في رأيه. ولا ريب عنده. 

ولأن الأميركي خائف، ومتخوّف دائماً، فهو يقتني السلاح ليدافع به عن نفسه، وليقتل عندما يرى ذلك ضرورياً. وليمارس حقه في تطهير المجتمع الأميركي من الطفيليات الآنية من وراء البحار الصينية والهندية والعربية والإسلامية واللاتينية. وتطهير القارة البيضاء، من غير المتحضرين البيض. 

ثمة ملاحظة أشار اليها الدكتور ادوار سعيد، عندما تحدث عن “السي إن ان” الأميركية بأنها تخلو من أي ملوَّن يظهر على شاشتها في الداخل الأميركي، بينما يطعّم مشهد الشاشة بعدد مقبول من الملوّنين وذوي اللكنات العالمية، لمخاطبة شعوب العالم بما يليق بهم. فلكل شعب لونه ولغته. 

مايكل مور يقدم في فيلمه الجديد “بولينغ فور كولومباين” قصة مقلقة. بل يقدم وثيقة إدانة للثقافة الأميركية السائدة، التي عمّمت أسلوب الحرب الوقائية، كدرس يومي، يتعلّمه المواطن في الدفاع عن نفسه من قبل عدو مفترض. 

ولا يعود غريباً أن يصدق الأميركيون جورج دبليو بوش في حربه المعلنة على العراق وسواه من الدول “الحارقة” ففي العالم الأميركي الصغير، ترتكب جرائم قتل متفرقة. وفي العالم الأميركي الامبراطوري. ترتكب جرائم قتل فائقة الأعداد. انها الثقافة نفسها... بل هي العار نفسه. 

لذلك، عندما اعتلى مايكل مور منصة “الاوسكار”، هتف بأعلى جرحه: العار عليك يا بوش. 

عندما خرجت من القاعة، كنت ما زلت الى جانبه، اسأله عن أمور كثيرة، ولما التقيته في مكتبة “الغفاك” في باريس. قرأت كتابه "Mike contre Attaque" وعرفت انه كاتب ساخر، ومناضل منشقّ، ومنحاز الى نصاعة الحقيقة، وحرارة البحث اعلانها، وجرأة إشهارها، في بلد، يعتبر فيه، كل من ليس مع الحرب والقتل: خائناً. 

الخائن مايكل مور واحد من أجمل الخونة المخلصين لبلادهم، بطريقة أخرى. 

فهو يستحقّ أكثر من تحية... ولعلنا نستحقّ أن نمضي خلفه في صراعه الشرس، ضد الزيف... وضد “الطغمة الحاكمة” في واشنطن، التي استولت على السلطة، بقرار تزوير الانتخابات... 

ليس لدينا مايكل مور عربي واحد يفضح جُبنَنا... يعرّي أقزامنا... ويطارد بالكاميرا أنظمتنا؟ 

يا للعار!!!

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic