على جسر الكوفة

السيد هاني فحص

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 11 نيسان «أبريل» 2003

 
    
أنا الآن على جسر الكوفة، الذي يفضي شرقاً الى الطريق التي تؤدي الى بغداد مروراً بمدينة الحلة (بابل) وحدائقها المعلقة، وإذا ما انعطفت يميناً بعد الجسر فستصل الى الحيرة عاصمة المناذرة، أما اذا ما أتيت الجسر من جهة الشرق الى الغرب فسوف تجد نفسك في الكوفة إياها التي ازدهرت بالعلم والشعر.

تمر في طريقك منها الى النجف بمسجد الكوفة الذي كان فيه آلاف من الناس العلماء كل يقول: حدثني جعفر الصادق، وفي محرابه قتل ابن ملجم علياً بن أبي طالب غدراً وتأول له مجتهدون عدة وأعفوه من ذنبه، وقريباً دار الإمارة التي قتل فيها عبيد الله بن زياد رسول الحسين مسلماً بن عقيل بن أبي طالب، وهاني بن عروة، وسحلهما في أسواق الكوفة، ومنه أدار المعركة في كربلاء ثم قتله فيه المختار الثقفي، وعلى مئات الأمتار من المسجد بقايا المنزل الذي أقام فيه علي بن أبي طالب أيام خلافته، وهو لابن أخته، وعندما دفن تبين ان في كيسه سبعين درهماً وفرها بداية لتأمين ثمن منزل له.

واذا ما واصلت سيرك اسلمتك الطريق الى حي كندة حيث ولد المتنبي والفيلسوف الكندي، وفي أوله يطالعك قبر ميتم التمار الذي قتل وصلب على النخلة، ومن الكوفة الى النجف التي أسسها كمدينة صغيرة حول قبر الإمام علي عضد الدولة البويهي في أوائل القرن الخامس الهجري، ثم تحولت الى جامعة علمية بعد الهجوم السلجوقي على بغداد وتهديم منزل كبير العلماء فيها “الطوسي” جعفر بن محمد، واحراق مكتبته مع غيرها من المكاتب العامرة، ففر بمن تبقى من تلاميذه الى النجف وأنشأ حوزتها في منتصف القرن الخامس الهجري ولم تلبث هذه الجامعة المدينة أو المدينة الجامعة أن أصبحت حاضرة علمية كان يأتيها طالبو العلم، على مدى ألف من الأعوام، من الهند وفروعها في الباكستان وبنغلادش وكشمير والتيبت وايران وتركيا ولبنان وسوريا وعمان والبحرين والأحساء والقطيف وبورما وتايلاند والصين... وخربها الطاعون والجفاف أكثر من مرة، وهاجمها أشقاء متعصبون متوترون وهدموها (مع كربلاء) مرتين وحاصرها الإنكليز قبيل ثورة العشرين (1918 1919م) وقذفوها بالمدافع وأعدموا 27 من ثوارها وعلمائها، وأهملتها الدولة القومية العراقية في كل العهود عقوبة لها على قيادتها للقتال ضد الإنكليز وانحيازها الى فلسطين ومظاهرات الاحتجاج في عدوان 1956 على مصر حيث سقط عدد من الشهداء في صحن الحضرة العلوية حيث تجمع المتظاهرون، ثم شرع النظام الحالي منذ أشهره الأولى في اضطهادها وتشتيتها بمحاصرة مراجعها (السيد محسن الحكيم) عقوبة له على أمور كثيرة أهمها فتواه بحرمة قتل الأكراد، وبتهجير علمائها وطلابها بالألوف على مدى سنوات واباحتها لقوى الأمن، ثم البدء منذ أواسط السبعينيات بإعدام العلماء وصولاً الى اعدام المجتهدين والمراجع، كما هو معروف لدى القاصي والداني، وصولاً الى عام 1991 حيث تولى وزير الداخلية علي حسن المجيد شخصياً، بعد تجربته مع حلبجة والأسلحة الكيماوية وهو في الأصل سائق شاحنة في الجيش العراقي فدكها دكاً عقوبة لها على الاعتراض واقترابها مع غيرها من المدن المنتفضة، من النصر وتغيير الأوضاع، لولا أن القرار الأميركي عاجل وعجل الى إطلاق سراح الحرس الجمهوري وسلاح الطيران العراقي، متيحاً للنظام القضاء على الانتفاضة، في البصرة والناصرية والعمارة والكوت والديوانية والشامية والسماوة والكوفة والحلة مع التركيز الشديد على النجف وكربلاء لموقعهما القيادي والطليعي في السياسة وفي الجهاد. 

من هنا، أحيّيكم تحية الفجر الذي هبت تباشيره الآن نسيمات دافئة وناعمة تثير في الروح والبدن حالة بين النوم واليقظة، نعاساً يشبه في لذته الموت بين الأهل، ويغري بالعودة الى الفراش فالأرض وطاء والليل غطاء وتراب العراق الأسود الناعم ألطف من القطن وأجمل من الصوف وأخصب من أرحام العذارى...

ولكن.. ها هو أراه، عمود النور الممتد من الأرض الى السماء أو من السماء الى الأرض، لا أدري، فهنا تبدو الأرض سماء وتبدو السماء أرضا، ها هو عمود النور المنفجر الى جهة الشرق يسير على سعف النخل أفقياً في كل الاتجاهات ويحرض على الشعر والرسم والموسيقى والفقه وعلم الرجال والحديث والبلاغة والتاريخ والمنطق والفلسفة والنحو والصرف والكيمياء والحراثة والزراعة والصناعة والتجارة والسياسة والديموقراطية والمقاومة والدفاع عن مشاتل الرازقي (الفل) وبساتين النخيل التي تتمطى سعفاتها فوق أعزاقها التي يبزغ فيها الوعد بموسم وافر من البرحي والعمراني والجوزي والمكتوم والحلاني، رطبا ذهبا وتمرا وعسلا، والبربن البني الغامق في رطبه الأسود، كالمسك لونا وطعما في تمره.. حتى لا ننسى الزهري، تمر الفقراء الذي يفيض عن حاجاتهم أو قدرتهم على الاستهلاك فيعصرونه عسلا أسود (دبسا) وبعضهم يصنع منه شرابا حراما وأشد حرمة من أمثاله لأنه شديد التركيز قوي المفعول ورخيص، أي متاح للأغلبية الساحقة من الفقراء إذا ما استبد بها الخوف واليأس لجأت إليه لتنسى ما في الذاكرة من ثقوب وما ينتظرها في المستقبل من دم مسفوح فداء للسفاح أو شرابا للمعتوه القادم من حظائر رعاة البقر. 

وها هي رفوف عصافير الدوري تسعى الى رزقها حول الدور الهامدة الهائمة، تتخللها أزواج من القمريات المطوقة (الفخّاخي باللهجة العراقية) تغادر بيتها في أحضان النخيل الى حقول الأرز (الشلب) طلبا للغذاء والقش تمهيدا لبناء أعشاشها.. وها هي بلابل النخل الملونة بالأبيض والأسود والأصفر والرمادي والأكثر رشاقة وحيوية ويقظة وحذرا من بلابل بلاد الشام ومصر والمغرب والولايات المتحدة واسبانيا، مشغولة بدوزنة مناقيرها وألسنتها وحناجرها ورئتيها لمعزوفة ربيعية على مقربة من موعد الحب والغزل والإخصاب، بلدية تعيدك الى الشيخ سيد وعبده السروجي وصالح عبد الحي وألحان الشالجي العراقي الأصلية الأصيلة. 

أيها الإخوة في كل مكان.. يتهيأ الآن، في هذه اللحظة، المؤذن في مسجد الكوفة للدخول في هذا المشهد الكوني.. أترككم الآن لهذا الأذان أو معه أو أتركه لكم أو معكم، لا أدري ماذا أقول لكم، فأنا أرتعد ولا أدري لماذا؟ وأعتذر لهذا التشويش (البرازيت) الذي تسببه الطائرات والدبابات الأميركية.. أيها الأخوة مع أذان الفجر يرفعه الى مسامعكم الشيخ بدر شاكر السياب. 

ولأول مرة تشترك مجموعة من الشعراء في تلاوة الشعر بعد الأذان من المسجد.. 

السياب:
“يا حاصد النار من أشلاء قتلانا 
منك الضحايا وإن كانوا ضحايانا 
إن العيون التي طفّأتَ أنجمها 
عجّلن بالشمس أن تختار دنيانا 
والنار والباذرون النار كم زرعوا 
من كل ثكلى لعزرائيل بستانا 
نحن الذين اقتلعنا من أسافلها 
لاةً وعُزى وأعلينا إنسانا” 

ويعقب الجواهري:
“أنا ابن كوفتك الحمراء لي طنب بها 
وإن طاح من أركانه عمدُ” 

ويضيف مصطفى جمال الدين: 
“بغداد ما اشتبكت عليك الأعصرُ 
إلا ذوت ووريق عمرك أخضرُ”. 

وأدونيس: 
“ترسبتُ غير دويكَ يا صوتُ.. أسمع صوت الفراتْ، قريش قافلة تبحر صوب الهند، تحمل من أفريقيا من آسيا للهند.. تحمل نار المجد.. والسماء على الجرح ملصوقة والضفاف، تتهامس تلتف، بيني وبين الضفافْ، لغة، بيننا حوار، حضنته الكراكي طافت به كالشراعْ... بيننا.. وافراتاهُ كن لي جسرا وكن لي شراعْ.. ترسبتُ غير رنينك يا صوتُ، أسمعُ صوت الفراتْ، قريش.. لم يبق من قريش غير الدم النافر مثل الرمحْ، لم يبق غير الجرحْ”. 

وعندما حاصرت جيوش المسلمين كسرى يزدجرد أرسل الى ملك الصين يستنجده، فسأل ملك الصين رسول كسرى عن صفة القوم الذين يحاربونهم فوصف له كيف يصلون وكيف يقومون بالحراسة وكيف يجمعون الحطب وكيف يأكلون ويتوضأون... إلخ، فكتب ملك الصين الى كسرى يقول: ما منعني أن أمدك بجيش أوله في مرو (خراسان) وآخره في الصين، جهالة لي بحقك، ولكن القوم الذين وصفهم رسولك قوم لو طاولوا الجبال لهدوها وأنصحك بمصانعتهم.. ولم يسمع كسرى النصيحة فانهزم ومات بعد أشهر من ذلك كمدا. 

أيها الإخوة أعتذر عن المتابعة.. أشاهد بأم عيني من هنا، من الطرف الشرقي لجسر الكوفة، دبابة أبرامز أميركية تشتعل فيها النيران على الطريق الى مدينة الكفل التي تقع على طريق الحلة التي تقع على طريق بغداد. انقطع البلبل عن غنائه قليلا ثم عاد كأن شيئا لم يكن، واقترب فحل القمري من أنثاه، سايرها قليلا ثم همّ بها ولكنها نقرته في رأسه نقرة طار لها صوابه وطار فطارت وبقيت وحدي أمام عمود الدخان الكثيف المتصاعد.. 

يروي الرواة ومنهم من كانوا شهودا في ثورة العشرين أن سفينة انكليزية معتدية كانت تمخر عباب الفرات عند جسر الكوفة في طريقها الى الجنوب.. فقرر عدد قليل من الثوار الفلاحين اصطيادها، وليس في أيديهم سوى “المكاوير” أي العصي ذوات الرؤوس المكورة من القير الأسود الجاف.. و(فالة) آلة خشبية في طرفها قطعة حديد مسننة تستخدم لصيد الأسماك.. هجموا على قمرة القيادة، ضربوا القبطان بالفالة، علقت الفالة بين كتفيه ورمى بنفسه في النهر وهو على هذه الحال.. سيطروا على السفينة ورقصوا رقصة الهوسة وهوّسوا “مشكول الذمة بها الفالة” أي أنهم لا يسامحونه على الهرب بفالتهم.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic