ثقافة المكابرة والقفز فوق الوقائع

علي حرب

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 12 نيسان «أبريل» 2003

« 1 »

     الانهيار السريع والمفاجئ لنظام صدام كشف ان لا وجود لمقاومة شعبية ولا لمجابهة عسكرية، لأن صاحب النظام يخشى أصلاً من تسليح شعبه حتى لا يقف ضده، كما يخشى من تسليح جيشه حتى لا ينقلب عليه. 

من هنا كان الهاجس الذي يحكم تصرفات صدام حسين الذي تستّر طويلاً تحت ستار المشروع القومي هو الحفاظ على سلطته وضمان أمنه الشخصي بالدرجة الاولى، مما جعله يحرص أشدّ الحرص على ان لا يعلم احد من الوزراء والمسؤولين بمكان وجوده، بمن فيهم وزير الدفاع وقادة الاركان، كما يروى عن سيرته الامنية. وهذا شأن الطاغية الذي يرعب شعبه، يقع هو نفسه فريسة الرعب حتى من أقرب المقربين اليه. بذلك يتحول المجتمع برمته، حاكماً ومحكومين، الى مؤسسة تنتج الخوف والذعر المتبادلين. ومن المستحيل لمجتمع كهذا ان يقاوم أيا كانت نتائج المقاومة.
 

« 2 »

     سقوط النظام من غير مقاومة شعبية ولا حتى عسكرية نظامية، يعني سقوط الخيار الذي راهن عليه ديناصورات الفكر القومي والقاضي باعطاء الاولوية لمقاومة الغزو على محاسبة النظام واسقاطه. فالخيار الذي تحقق على ارض المعركة هو الخيار المعاكس الذي يقضي باعطاء الاولوية لاسقاط النظام على كل ما عداها. ومن الطبيعي ان يكون الامر كذلك في نظر الغالبية من العراقيين بعد ان استباح النظام الحرمات وأمّم الممتلكات وصادر الاسماء والعقول والهويات، بصورة تجعل المطالب من الخارج يبدو منقذاً ومحرراً اكثر من كونه غازياً ومعتدياً. 

أليس من التحرر اختفاء علي حسن المجيد الذي كان يزرع الرعب أينما حلّ، والذي ارتكب جرائم بحق الانسانية أودت بعشرات الالوف من ابناء العراق؟ هذا بالذات ما جعل هؤلاء ينتظرون الخلاص ولو على يد الشيطان بعد ان وضعهم النظام امام خيارات كلها بشعة وشنيعة، فظيعة ومدمرة: أن يكونوا قاتلين او مقتولين، معتقلين او مشردين، مصادرين او منفيين. وهذا ما لم يستطع ان يراه على الساحة العربية المثقفون والاعلاميون الداعون الى المقاومة، عبر الصحف والشاشات، تحت سلطة نظام يتقن ثقافة القتل ويشن حرباً داخلية خفية وغير مرئية، في أقبية الخطف والتعذيب والتصفية، هي أقسى وأشرس بكثير من الحرب المعلنة من الخارج. 
 

« 3 »

     ما كشفته نتائج الحرب هو التعارض الصارخ بين العراقيين وبين اكثرية العرب بجماهيرهم الشعبية ونخبهم الثقافية والاعلامية فضلاً عن الجنرالات المتقاعدين والخبراء العسكريين. فهؤلاء كانوا يدعون الى مقاومة الغزو ويثيرون الحمية الدينية او النخوة القومية للدفاع عن العراق والذود عن الامة والهوية، في حين كانت الغالبية من العراقيين تنتظر بفارغ الصبر سقوط النظام بشرطته الامنية واجهزته الحزبية العشائرية والعائلية، بقدر ما كانت تتمنى زوال كوابيس الاسماء والخطب والصور والتماثيل التي تجتاح الشاشات والساحات لكي تحتل العقول وتجثم على الصدور. ولكن عرب العراق ودعاة المقاومة كانوا لا يرون وسط الرؤية بتعمياتهم الايديولوجية وتهويماتهم البطولية التحررية التي كذّبتها ارادة العراقيين في التحرر من قبضة النظام بأجهزته ورموزه وكوابيسه. 

ومع ان دعاة المقاومة كانوا يعرفون ان المعركة محسومة لأن القوى غير متكافئة، فإنهم كانوا يحثون على المجابهة والقتال المجاني المفضي الى التهلكة، فقط من اجل انقاذ السمعة القومية. فاذا النتيجة هي الهزيمة والامعان في تشويه السمعة امام العالم، بعد ان هتك السر وانفضحت الاكذوبة وبانت الهشاشة: انهيار النظام بأسرع مما كان يتوفع أعداؤه. ولا جدال في انه من حسن حظ الشعب العراقي ان تجري الامور على هذا النحو، أي بأقل الخسائر المادية والبشرية، وبعكس ما كان يفكر او ينتظر الذين يريدون من العراقيين التضحية بأرواحهم وأرزاقهم دفاعاً عن كرامة الامة في ظل نظام لم يعمل الا على هدر كرامتهم وتحطيم ارادتهم في الحياة والمقاومة.
 

التنظيرات الخاوية
« 4 »

     ما أكدته الحرب هو انهيار السدود الوطنية والقومية بين الداخل العربي والخارج العالمي، الاميركي او الاوروبي، لجهة مشاريع التحرير والتغيير او لجهة اعمال التنمية والبناء. وفي اي حال أن يفرح عراقيون بالتحرر من جلادهم بواسطة الدبابة الاميركية معناه ان المشروع القومي العربي يكتب نهايته على أيدي دعاته من اهل السياسة والثقافة، بقدر ما دمرته التنظيرات الايديولوجية الخاوية والشعارات الطوباوية المستحيلة، فضلاً عن عبادة الفرد وعسكرة المجتمع والعبث بالمصالح العامة ومنطق الاستقواء واحادية الفكر والتوجّه وعقلية الوصاية والمصادرة والعجز عن بناء الصيغ بعقل تركيبي تعددي تداولي. 

واذا كان المشروع القومي يشهد الآن آخر حروبه الخاسرة واستراتيجياته المدمرة، فان انهيار النظام العراقي يطرح على بساط البحث مؤسسات العمل العربي التي أثبتت عقمها وفشلها، وعلى رأسها الجامعة العربية التي انحازت للرئيس العراقي ورفضت مناقشة الاقتراح القاضي بتنحيته عن الحكم لتجنيب بلده ويلات الحرب وخسائرها، مع انه طالما اضرّ بالمصلحة العربية. وهكذا خضعت الجامعة لمنطق الطاغية كما كان ينطق باسمه وزير خارجيته الذي كان يقول كلنا صدام حسين في مواجهة العدوان، فاذا النتيجة ان العراق هو ضد صدام الذي قامر بشعبه وأحرق بلده غير مرة. وهذا ما فعله في الفصل الاخير من المأساة/الملهاة التي هي مضحكة بقدر ما هي مبكية: انهيار النظام من غير مقاومة وسط ذهول الكثيرين الذين لم يصدقوا ما حدث، مع ان الرهان خاسر سلفاً، ليس فقط لأن القوى غير متكافئة، بل لأن عرب صدام كانوا يراهنون على من أثبت انه يتقن الانتصار على شعبه وابناء قومه، وانه لا يتراجع الا بعد خراب البصرة كما فعل في حرب الخليج الثانية، أو انه يرفض التخلّي عن السلطة ولكنه يهرب من المواجهة كما حصل الآن. وكأنه منذور لخدمة اعدائه. فهذه شهادته التي ينالها بامتياز. ويا لسذاجة الذين صدقوا وراهنوا.
 

« 5 »

     الحرب كحدث كبير هي متعددة الوجوه بقدر ما هي مفتوحة على الاحتمالات. ولا مراء ان لها ايجابياتها كما عبر عن ذلك العراقيون الذين ابتهجوا بسقوط نظام لم يكونوا يتخيلون او يصدقون زواله. هل التحرر بواسطة الاميركيين هو عمل سلبي ملغوم قد يأتي بنظير لصدام او بمن هو أسوأ او تكون ثمرته انفجار الحرب الاهلية أو استعمار العراق ونهب ثرواته! 

ان الايجابيات قد تتحول الى سلبيات، وبالعكس. وذلك يتوقف على طريقة التعامل مع الاحداث وعلى قدرة العراقيين والعرب على تغيير العقليات والسياسات التي قادت الى الهزائم المتلاحقة. ثمة ثقافة بكاملها تحتاج الى المساءلة والفحص او الى التشريح والتعرية بمرجعياتها ومؤسساتها ونماذجها ورموزها واعلامها وخبرائها... هي ثقافة المكابرة وتبجيل الذات والثبات على الخطأ والتستر على الآفات والهروب من المحاسبة، فضلاً عن القفز فوق الوقائع والخوف من المتغيرات ومجابهة المستجدات بالقديم المستهلك، بل بالأقدم او الأسوأ من المفاهيم والتقاليد او الوسائل والادوات والمؤسسات. ولا عجب ان تصدمنا المتغيرات فهذه حال من لا يحسن ان يتغير. 

هل نحن نواجه الكارثة؟ لنعترف بأن ما جرى في العراق صنيعة النظام العربي والعقل العربي والمثقف العربي، اي ان مسؤوليته تقع علينا جميعاً، وذلك بقدر ما جعلتنا نرجسيتنا واصوليتنا وأوهامنا الايديولوجية واستبدادنا الفكري وقصورنا العقلي وزيفنا الوجودي نحسب الداء دواءً والمشكلة علاجاً والبربرية ثقافة والطغيان عدلاً وكرامة. 

من هنا الحاجة الى اعادة الصياغة والبناء والتركيب للحياة والمجتمعات العربية والعمل العربي المشترك على اسس جديدة باستثمار الطاقات المعطلة والانخراط في إعمال الخلق للمفاهيم والقيم والنظم او للغات والمجالات والاسواق، التي تثمر معرفة وثروة او قدرة وقوة، بها نحسّن السمعة ونستعيد الكرامة المهدورة. 

إن مجابهة التحديات وتجاوز الازمات يحتاجان الى عقل جديد وثقافة مغايرة ونظام آخر لصناعة الحياة والمستقبل. فالقيمة الاولى في عالم اليوم هي لما ننجزه من الابتكارات والاختراعات في المعرفة والتقنية والقيم الحضارية، وليست لثقافة الاستقواء والطغيان او القتل والاستشهاد. بالطبع هذا ينطبق علينا وعلى اسرائيل وعلى اميركا، وعلى كل الاصوليات المتعارضة والمتواطئة على دمار الذات وتخريب العمران وسفك الدماء.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic