حاكم العراق.. ''جاي''

حامد مطاوع
صحيفة عكاظ (السعودية)
الأربعاء، 16 نيسان «أبريل» 2003

الجنرال المتقاعد جاي غارنر

     مع تدافق المآسي في العراق, رشحت وزارة الدفاع الأمريكية الجنرال المتقاعد ''جاي قارنر'' كحاكم مدني للعراق, لأنه يتمتع بخبرة واسعة في شؤون الشرق الأوسط وعلاقة وثيقة بقطاع الأسلحة وإسرائيل, وستسند إليه إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية, لأنه كما يروجوِن عنه ''يتصف بالرأفة واللطف ويهتم كثيرا بشؤون العالم".

وقد علـَّق ''ديفيد كيرب'', أستاذ علم الأخلاق في جامعة ''بيركلي'', على هذا الترشيح قائلا: ''إنه مثال واضح على استهتارنا بالشعب العراقي, وهذا يعكس كثيرا غياب الجدية في تفكير الإدارة الأمريكية''!!. 

إن مهمة ''جاي'' الأولى هي تنفيذ خطة تجزئة العراق, ووضع الخطوط على الأرض بين الشمال والجنوب والوسط, على نحو ''يوهِم'' بأنه حفاظ على وحدة الأراضي العراقية. ومن خلال ذلك, يدعم عقود الشركات الأمريكية التي ستقوم بإعادة الإعمار, والمسك بزمام تسويق البترول العراقي لتسديد المستخلصات التي تقدمها الشركات العاملة, والتحكم في سقف الإنتاج والأسعار.

ولأنه -أي ''جاي''- ''وثيق الصلة بإسرائيل'', فإن ''تل أبيب'' ستكون جاهزة لتقديم التوصيات والمشورات لتحديد مؤشرات تصرف الجنرال...

إن ملفات التجزئة والهيمنة على مصادر الطاقة في المنطقة ليست جديدة, فهي موضوعة ومحضرة منذ سنوات, وتدخل عليها التعديلات وفق مقتضيات التغيـُّـر في الأفق السياسي, وما يسهل التنفيذ والتمرير.
 

*****

منذ حرب الخليج الثانية عام 1991م, كان ''جاي قارنر'' هو الذي يتعامل مع القضية الكردية, ومن المتوقع أن يكون معنيا بإقامة كيان كردي بخطوط تحددها مساومات مع تركيا ليتحول هذا الكيان إلى أداة تستخدم في ظروف معينة للضغط على ''أنقرة'' لقبول ما يراد, ويـُـدخل الرفض في نطاق المساجلات التي تقاد -في نهاية الأمر- إلى رحاب الترضيخ. 

إننا نريد الإشارة بمناسبة ''صدام حسين'' ومصيره المجهول وتكسير مجسماته في الشوارع بعد اقتحام القوات الأمريكية والبريطانية لبغداد, إلى جملة جاءت في مقال لنا بعنوان ''ضرب المنطقة باليورانيوم'' نشر في العدد 13360 من هذه الجريدة الصادر يوم الأربعاء 23 محرم/1424هـ الموافق 26 مارس/2003م, حيث قلنا: 
''لقد أعدت (واشنطن) الرئيس العراقي (صدام) ليكون مطرقة مرفوعة في منطقة الخليج, وبالذات في وجه النظام الإيراني بعد انتهاء عهد الشاه. وعندما نمت الرغبة لديه لالتهام الخليج, انقلبت الطاولة وتحول (صدام) إلى (مانويل نورييجا) الخليج. والرئيس (نورييجا) هو أيضا صناعة أمريكية في (بنما) وقد شنت عليه أمريكا حربا عام 1989م عندما خرج عن الخط الأحمر وحولته من زعيم إلى سجين''.

هذه الجملة أوردنا نصها لنضيف إليها أن الذي كان يشرف على تزويد ''صدام'' بالأسلحة هو وزير الدفاع الأمريكي الحالي ''دونالد رامسفيلد''.
 

*****

نستطيع أن نقول 
''هانز بليكس'' كبير مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة -سابقا- تحدث في الأسبوع الماضي لصحيفة ''البايس'' التي تصدر في ''مدريد'' موضحا عدة نقاط, فقد قال:

  1. إن الحرب ضد العراق تم التخطيط لها مسبقا منذ زمن طويل.

  2. كان موقف الولايات المتحدة حيال المفتشين يثير الشكوك في بعض الأحيان.

  3. إن مسألة الدمار الشامل العراقية جاءت في المرتبة الرابعة لدى الولايات المتحدة وبريطانيا على لائحة أسباب الحرب, وأن الإطاحة بنظام ''صدام'' هو الهدف الرئيسي للنزاع.

  4. إن لهذه الحرب ثمنا باهظا في الأرواح والدمار الذي لحق بالعراق, وكان يمكننا أن نحتويه عن طريق استمرار عمليات التفتيش.

هذه النقاط التي أشار إليها ''بليكس'' تشير بوضوح إلى أن الضجة التي لا يزال يتردد صداها حتى الآن لم تكن مبررا للحرب. وقد أضاف ''بليكس'' في حديثه للجريدة قائلا: ''إن العقود التي يقال أن العراق أبرمها مع (النايجر) لشراء اليورانيوم المخصب كان تضليلا فاضحا. ولو كان الهدف -حقا- هو خطر أسلحة الدمار الشامل في المنطقة, لسرى ذلك على إسرائيل, وأمريكا تعرف ما لدى (تل أبيب) من هذه الأسلحة وتتغاضى عنه, بل وترفض أي تفتيش أو مطالبة بالتوقف عن إنتاج الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية''. 

وما يجب قوله لـ''بليكس''هو أن حديثك قد جاء ''بعد خراب البصرة''...
 

*****
لمحة إنسانية

بين ''الخطأ'' و''التعمُّد'' في الحروب خيط واضح, ولكن العناصر العسكرية المحاربة تتجاهله ولا تريد أن تراه, بالذات عندما يكون المستهدف محايدا لا يخضع للانحياز وتشويه الحقائق أو حجبها.إن القيادات العسكرية ترغب أن يكون الإعلام في ركاب أفعالها و تصرفاتها مهما كانت متوحشة, وتحرص على إلباس الهمجية رداءً إنسانياً, وتجنـِّـد الإعلام لهذه المهمة بطرق مختلفة, منها الرقابة والإرهاب والتهديد الذي يصل إلى درجة التصفية بالقصف والقتل ثم محاولة التبرير بأساليب واهية تصل إلى مستوى تسويق الزيوف وخلط الحقائق بالبواطل.. كالقول بأن الحروب هي مجموعة من المآسي.. وهذا حق, ولكن دوافعها هي التي تتكون في أحوال معينة بأنها نسيج من الباطل الذي تتداخل خيوطه للإيهام وتقديمه على طبق من زخارف الأقوال لدفعه إلى نطاق التصديق. 

وليس هذا أسوأ ما في الأمر, إذ أن هناك آليات مكرسة للتلاعب بالفهوم إلى حد التضليل اعتمادا على أن التفنيد يحتاج إلى وقت ونصاعة بصيرة وهما قد لا يكونان حاضرين في ذهن المتابع حين الاستماع أو المشاهدة لأن اللحظة الآنية تختلف عن مثيلتها في إطار التأني الذي قد يتأخر حضوره ولكنه يأتي في نهاية الأمر حتى لو رفعت الأقلام وجفـَّـت الصحف لتبقى صفحات التاريخ تروي للأجيال. 

قد تكون طغوانية القوة مستخفة بهذه الحقيقة, ولكن الأيام مداولة بين الناس وهذه حتمية لا تقوى على مقاومتها أو إلغائها كل الآلات العسكرية مهما كانت عاتية ومهما كان مستخدمها عـُـتـُـلا أهـْوَج كريها بغيضا خارجا على موازين العقل واعتبارات الأخلاق.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic