مناعة الحكومة الجديدة: الدعم السوري لا الشارع

جورج علم

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 19 نيسان «أبريل» 2003

     احتل خبر تأليف الحكومة الجديدة حيّزا متواضعا في بعض وسائل الاعلام العربية، والقليل من وسائل الاعلام الغربية، فيما غابت التعليقات الرسمية التي كانت تصدر عادة عن العديد من حكومات الدول الشقيقة والصديقة برغم ان هذا التغيير الحكومي هو أول حدث سياسي من هذا النوع في بلد شرق أوسطي بعد سقوط العراق في قبضة “قوات التحالف”. 

وتحفَّظ العديد من السفراء الذين اتصلت بهم “السفير” أمس عن التعليق على التركيبة الحكومية الجديدة، إلا ان بعضهم أشار الى احتمال حصول اتصالات خاصة من قبل مسؤولين في دولهم مع الرئيس رفيق الحريري شخصيا بحكم اواصر الصداقة، او قد يكلّفون بنقل رسائل بهذا المعنى في غضون الأيام المقبلة. وبالمقابل، هناك العديد من السفراء يعوّل على ما سيتضمنه البيان الوزاري، خصوصا الجزء المتعلق بسياسة الحكومة الخارجية من العراق وصولا الى “خارطة الطريق” في فلسطين، وما بينهما من الضغوط والتهديدات الأميركية الإسرائيلية المتزايدة. 

وخارج المنطق الرسمي المحكوم بعقدة التحفّظ فإن المعلومات المسرّبة من وراء الكواليس الدبلوماسية لا تنطوي على مؤشرات مشجعة بدليل ان الصدمة التي أحدثتها الاستقالة المفاجئة للحكومة السابقة لم تأتِ ب”صدمة” ايجابية مماثلة عند الاعلان عن أعضاء الحكومة الجديدة، وان السرعة في التكليف والتأليف حتمتها ضرورات عدة، أبرزها الاستجابة الى رغبة رئيس مجلس النواب نبيه بري في التغيير، والانسجام مع المناخ السياسي العام في البلاد الذي كان يعتبر الحكومة السابقة قد أصبحت في حكم تصريف الأعمال، ومنع الأميركي من “التوغل” أكثر فأكثر لجهة فرض شروطه ومواصفاته على أي تغيير حكومي. فالتقت مصلحة القيادتين اللبنانية والسورية على سلوك هذا المخرج إعدادا، وتنفيذا لطي الصفحة على قاعدة “خير البِرّ عاجله!”. 

لذلك، فإن معظم الدبلوماسيين المعتمدين لا يعتقد أن التغيير الحكومي الذي حصل مرتبط بالتحول الكبير الذي طرأ في العراق، او “بخارطة الطريق” المرتقبة وتداعياتها، او بأي ملف او عنوان خارجي، برغم كل العناوين والشعارات المروّجة لهذا التوجه والتي صدرت خلال الأيام القليلة الماضية. 

ويفهم من بعضهم ان البيان الوزاري لهذه الحكومة سيكون على قياس شكلها وتركيبتها وامكاناتها، ولن يأتي بأي جديد، ولن يتضمن أي تغيير في الأسلوب الذي اعتمدته الحكومة السابقة، او أي تبديل في سلم الأولويات لسببين جوهريين باتا معروفين؛ الأول: ان الحكومة الجديدة هي صورة مستنسخة منقّحة بعض الشيء عن السابقة. والثاني، ان من يفترض بهم ان يكونوا في داخلها وأعضاء فاعلين فيها يحملون حركة التغيير والتجدد؛ بقوا خارجها، من “حزب الله” المؤتمَن على ملف وطني مصيري وحساس في هذه المرحلة؛ الى المعارضة المسيحية التي انضبطت في سياق المناخ الوطني الاقليمي العام، ومدت يد التعاون والحوار مع الحكم، وأعربت عن استعدادات جيدة للتعاون مع الجميع لانقاذ البلد من عثراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. 

وفي تحليل يقدمه أحد الدبلوماسيين الغربيين انه إذا كان المطلوب من السرعة القياسية في الاستقالة وإعادة التكليف والتأليف هو قطع الطريق أمام الأميركي لمنعه من التدخل في “بورصة التوزير والأسماء والحقائب”، فإن التركيبة الحكومية الجديدة لا تحمل المناعة الكافية في جسمها الفضفاض. وإذا كان من المسلّم به في الداخل والخارج وعلى مستوى الدول الصديقة والشقيقة لهذا البلد، أن السياسة الخارجية، والقرارات المصيرية المرتبطة بالملفات الكبيرة والصعبة، هي حكر على التفاهم والتعاون الدائمين بين القيادتين اللبنانية والسورية، فإن من المسلّم به أيضا أن الحكومة السابقة قد حمَّلت القادة السورية الكثير من اعبائها وهفواتها الداخلية، الأمر الذي كان يمكن تلافيه مع الحكومة الجديدة، لو جاءت معبّرة عن اوسع قاعدة تمثيلية لمختلف شرائح المجتمع اللبناني. وطالما انها ليست كذلك، وجاءت كامتداد منقح للحكومة السابقة، فهذا يعني وجود خطر من حصول احتمالين: ان تضطر القيادة السورية الى الانشغال مجددا في سد الكثير من الثغرات الداخلية التي قد تنشأ الى جانب اهتمامها وانشغالها أكثر فأكثر بالملفات الخارجية، والتحديات الاقليمية. ثم التخوف من ان يصبح النسيج الحكومي الجديد القديم مدخلا او “مبررا” للتدخلات والضغوطات الخارجية، وخصوصا ان السفير الأميركي في بيروت فنسنت باتل بدأ، بإيعاز من إدارته، اعتماد اسلوب جديد من التعاطي لا يخلو من الحزم والتشدد في المطالبة كما حصل مؤخرا عندما أبلغ الحكومة اللبنانية عدم السماح لأي مسؤول في القيادة العراقية السابقة سواء كان سياسيا او عسكريا اللجوء اليه. 

ولعل النقطة الحساسة التي لم تغب عن هذا التحليل اعتقاد الدبلوماسي الغربي أن مناعة هذه الحكومة ليست مستمدة من الشارع اللبناني، فهي غير شعبية، والدليل ان غالبية اللبنانيين لم تشعر بأن حدثا سياسيا قد تم خلال الساعات ال72 الماضية بحجم تغيير حكومي في البلاد، كما انها ليست مستمَدة من مجلس نيابي قد تعطّل دوره في الرقابة والمحاسبة نظرا لتركيبته وللكتل الواسعة التي تتحكم بغالبيته والممثلة اوسع تمثيل في الحكومة. ان مناعتها مستمدة من عاملين: المزيد من الاتكال على القيادة السورية لاجتياز الملفات الصعبة التي ستواجهها حكما؛ والمزيد من الاتكال على دور الأجهزة، وسياسة القمع، وخنق الحريات لضبط الشارع واحتواء مطالبه، وكل ذلك تحت شعار إنقاذ السلم الأهلي؛ والتصدي للأولويات الداهمة والمصيرية المتفاعلة في المنطقة... إلا ان مثل هذا الاسلوب إذا ما اعتُمد لن يحمل حلولا سحرية، ولا ينطوي على ضمانات مؤكدة تمنع رياح التدخلات الخارجية من بلوغ أجواء لبنان المفتوحة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic