مخاوف العُصاب المذهبي بعد الكارثة العراقية

السيد هاني فحص

جريدة النهار (لبنان)

الأربعاء، 23 نيسان «أبريل» 2003
السيد هاني فحص

     من أهم مشكلات الاسلام السياسي أنه يقدم الاسلام في خطابين متناقضين في مرحلتين: في مرحلة السلب اي مرحلة رفض، وادانة، الواقع الجاهلي القومي او الجاهلي اليساري او الجاهلي اليميني او الجاهلي الوطني او الجاهلي الليبرالي، يكون الخطاب في العادة خطاباً يصف الباطل ويدعو الى ازهاقه وتبديله بعد اسقاطه بمشروع اسلامي عام غير موصوف الا بأن الاسلام هو الحل. تراوح صفة الجاهلية في هذا الخطاب بين كونها مقصورة على النظام السياسي القومي او الوطني او الاسلامي او العالمي، نافذة الى أصوله النظرية ومنظومات قيمه التي تنعت عادة بالغربة. والغربة لأنها مستوردة من أماكن وتجارب أخرى قائمة في الاساس على نقض الدين عامة والاسلام خاصة.

الى كونها، اي صفة الجاهلية، متعدية للنظام الى الناس او الشعب او الامة او الجمهور او عموم المسلمين او جماعة او جماعات المؤمنين عموماً. والذين لا يتعدى ايمانهم الالتزام السطحي بالعبادات المفرغة من مضمونها الجهادي والسياسي على أساس الفصل الذي يمارسه الجمهور الضال او المضلل بين الدين والسياسة، بين الدين والدنيا، في حين ان الصواب هو احتكام الدنيا الى الدين بصرف النظر عن الموجبات التي تترتب على التغيرات في هذه الدنيا وتقتضي تكييفاً لاحكام الدين بما يستوعب المتغير. وهنا يطل الماضي الناجز الناجع من دون تدقيق في حقيقة نجاحه ونجاعته، يطل مثالاً يحتذى ويقتدى، تماماً كما كان الاسلام بديلاً جذرياً من الجاهلية الاولى الممتدة بقضها وقضيضها حتى الآن. مما يعني ان الداء هو الداء، والدواء هو الدواء من دون اي تعديل في التشخيص أو في تركيب الدواء او في طريقة العلاج وشروطه.

من هنا تصبح السلفية - الاتباع الكامل في الشكل والمضمون، هي المشترك الاعظم بين ألوان الطيف الاسلامي السياسي على مقتضى المعادلة (كما تكونون يولى عليكم) حيث يتساوى في المسؤولية العامة والخاصة، الحاكم والمحكوم، اي بتبسيط شديد لهذه المعادلة الجدلية التي تدبرها علي بن ابي طالب عليه السلام، لسنة تشبه القانون في التاريخ والاجتماع، يريد منها ان يؤكد ان الدولة هي انتاج اجتماعي اولاً، وان نظام الافكار والقيم عندما يتعطل او يهمل يؤدي الى خلل في العلاقة التبادلية بين الاجتماع والدولة كضرورة اجتماع، ليصبح الاجتماع ذريعة للسلطة، بدل ان تكون السلطة اداة للاجتماع، ولتكتمل الرؤية في معادلة علي (ع) يضيف اليها شقها المقابل المتمم لمعناها (الناس على دين ملوكهم) وبهاتين المقولتين يصبح النهوض والاستقامة في التاريخ، نتاج حركة المسؤولية بين الحاكم والمحكوم، مما يقتضي في النهاية معالجة الاختلال في كل نصاب منهما على حدة او معاً تأميناً للتصحيح والتشديد بالشغل المتحرك على اصلاح الاعطاب في بنية الاجتماع والدولة معاً، من خلال التحديث الدائم الواصل بين الذاكرة والرؤية - المشهد - والحلم - الاستقبال والمستقبل - باعتبار ان حركة الاجتماع هي سائل تاريخي لا ينفصل فيه المصب عن المجرى ولا المجرى عن المنبع ولا السطح عن الاعماق ولا الضفة عن الضفة الاخرى، مما يعني في النهاية ان الاخر شرط لاستمرار الذات وداخل في تكوين الهوية من خلال شرطية على الذات وجوداً ومعرفة بذاتها.

في مرحلة الايجاب، تتسع مساحة الانكشاف في النظام السياسي المفروض او المطلوب تغييره متزامناً مع تغيير في واقع الثقافة الحاضنة له على أساس الجدل القائم بين الثقافي والسياسي مع اختلاف آليات الانتاج بينهما ووتائره. حيث يكاد يكون مسلّماً ان اي ظاهرة ثقافية يتم تأسيسها لا بد ان تعقبها ظاهرة سياسية مطابقة نسبياً كما ان الظاهرة السياسية التي يتم تأسيسها لا بد ان تعقبها ظاهرة ثقافية مطابقة لها نسبياً. وهذه النسبية هي التي تتيح استمرار الجدل والاختلاف كشرط للابداع والتغيير. مع التسليم ايضاً بان هذا التعاقب ليس آلياً او خالياً من التعقيد ومن غير المضمون ان يكون منسقاً ومواتياً باستمرار.

اذن وعندما ينكشف الواقع، في منظار الطرف الاسلامي السياسي، يرتقي الخطاب من السلب الى الايجاب، من الرفض والادانة والدعوة الى الانقلاب والتغيير، الى المشروع السياسي، حيث يتحول الخطاب الثقافي على نحو يكاد يكون كاملاً الى خطاب تعبوي على مقتضى السياسي اليومي، قيم تحشيد الجمهور على الذاكرة البعيدة والغريبة والاشد عمقاً وجاذبية، وعلى المخاوف والاحلام معاً، فيجد الطرف الاسلامي السياسي نفسه في هذه الحال - حال التحشيد - مضطراً الى التركيز والتخصيص، الذي لا يتأتى له إلا اذا واكبه خروج تدريجي من العام الاسلامي الى الخاص الطائفي او المذهبي، اي الى اعادة تكوين عصبية الجماعة الخاصة وتعميقها وتظهيرها وتوظيفها، على اساس استدعاء التناقض النظري والتعارض التاريخي بين الجماعات الاسلامية.

هنا مع الاحساس المكثف والحاد والمتسارع بضرورة تقديم الاطروحة والمشروع وتسويقهما، يدخل الخطاب الاسلامي السياسي في سلبية اخرى خدمة لمرحلة الايجاب في حركته، وفي هذه الحال يصبح محتملاً جداً او مسوّغاً، ان الخطاب الداخلي (الحركي او الحزبي) يذهب في اتجاه التمايز عن الجماعات الاسلامية الاخرى المختلفة عقدياً او سياسياً. اي المذاهب الاخرى والحركات السياسية الاسلامية الاخرى. في حين يبقى الخطاب الخارجي، العلني، ماضياً في المواجهة اليومية مع الآخر الثقافي - غير الاسلامي - والآخر السياسي، اي النظام الحاكم. من هنا يلاحظ المتابعون عن كثب بأن اي جماعة شيعية، وبمجرد ان يصبح لها حضورها السياسي واطرها العصبية، تجد نفسها قهراً في مواجهة معقدة مع الجماعات السنية المماثلة. وهذا يصدق تماماً ومن دون تعديل على الجماعات السنية في مقابل الجماعة الشيعية. واظهر ما تظهر فيه هذه المفارقة المتكررة، الحالات التي يبدو فيها ان التقارب او الاقتراب بين جماعة من هنا وجماعة من هناك قد وصلت الى حد الاندماج التام (مثال "حزب الله" وحركة الجهاد الاسلامي الفلسطينية) هذا فضلاً عن الدروس التي تعلمها المتابعون من تجربة تجمع العلماء المسلمين في لبنان، الذي تأسس في طهران عام 1982 من خلال التوجه الى مقاومة الاحتلال وخاض تجربة معقدة جداً سادت مراحلها المتقلبة لغة الشكوى والانسحاب والاقتراب واعادة التشكيل تحت ضغط انظمة المصالح المشتركة والتي استطاع عدد من المشاركين تدبير انظمة خاصة له بديلة منها، فغادر ولم يعد متوتراً في حساسيته المذهبية التي تفاقمت من خلال التجربة المشتركة.

ويبقى المثال الصارخ على ان الوعي السياسي الاسلامي الحزبي عندما يتعاظم يتفاقم معه وعي مذهبي، اي وعي بالمذهب واهله وخصوصياته الفصالية مع المذاهب الاخرى، المثال الصارخ، باكستان وافغانستان وانشغال الاحزاب السياسية الاسلامية بالتصفيات المشتركة في ما بينها بينما تفيدنا قراءة متأنية لحركة التقارب والتقريب بين المذاهب الاسلامية والتي قادها علماء المسلمين من المذاهب كلها في لحظات مفصلية من تاريخنا وعلى الخط الاول بين النجف والازهر، في الثلاثينات من القرن الماضي خصوصاً، تفيدنا ان استبعاد السياسة الحزبية عن حركة التواصل بين المسلمين أضمن لأنها تقوم على استقلالية تامة وهي في اساسها حركة علمية، حركة فقه الآخر (اي فهمه) من اجل فقه مشترك، لا تلبث قراءة مبانيه ومعاييره المشتركة ان تكشف انه صيغة مشتركة للحياة المشتركة والمعرفة المشتركة. حركات التقريب هذه، لم تكف او تتباطأ في عملها، الا عندما سطت عليها سياسة الانظمة وسياسة الاحزاب معاً، من دون ان تقتلع جذورها من تكوين المؤسسات العلمية الاسلامية.

نقول هذا الكلام الآن، لان هناك ظروفاً تقتضي قوله هذه المرة أكثر من اي فترة سابقة. فنحن الآن شركاء في الهزيمة، التي اسسنا لها ذاتياً بالشراكة بين انظمتنا وحركاتنا السياسية البديلة (القومية واليسارية والاسلامية)، وفي ظل الهزيمة تنبت الاشواك بدل الورود والاشجار المثمرة، ونتبادل الادانة وتحميل المسؤولية والتنصل منها، نعود الى التحريض والتعبئة وترسيخ التمايز والتقابل الحاد. اذن فنحن موعودون ان تنهض حركات الاسلامية لترميم وضعها واستثمار الفراغ من خلال التعصيب على اساس ما يتم، اعلامياً وثقافياً وسياسياً، بعد العراق، من انقسام طائفي ومذهبي ليشكل مناخاً لاعادة التعصيب والاقصاء والالغاء والعنف غير المباشر تمهيداً للعنف المباشر، الذي يريده المحتل الاميركي القديم المتجدد، عامل ادامة لسيطرته علينا واستلحاقنا على ضعف اكثر وفقدان اهلية وتعطيل للعقل عقداً آخر او قرناً اخر او الفاً اخرى من السنوات تعادل عمرنا الخالي من العقل الممتد من بداية الهجوم السلجوقي على بغداد الى بداية الهجوم الاميركي على بغداد. مع دعوة الى قراءة خط الزلزال المغولي من بغداد الى اعماقها العربية والاسلامية، علنا نستشرف الآني فنحتاط للامر بوعي التحدي والقبول به والصبر على المستقبل، بعدما أعوزنا الصبر على الماضي.

أختم بالقول، مع احترامي الشديد لكل الانجازات الصافية والعكرة بعض الشيء، التي اتت من جهة الاسلامي السياسي الحديث منذ حسن البنا وحتى تحرير الجنوب اللبناني، بان سلامة الاسلام والمسلمين، والتوحيد والوحدة، ربما كانت احوج او اكثر ضماناً في ظل حراك اسلامي تقليدي متطور نعرف له جذوراً في ايران والعراق ومصر والمغرب وغيرها، منها الى حركات سياسية اسلامية حزبية او تربوية، تفرّق وان اعلنت الوحدة، وتخترع افكاراً وتفاصيل عقيدية تمس منهجياً بفكرة التوحيد خدمة، او تبريراً، للتعدد السياسي الاسلامي او التقابل السياسي الاسلامي. لقد كانت احدى ضمانات الحيوية والسلامة في ايران ان الامام الخميني عجّل في حل الاحزاب الاسلامية، ليبقى المجتمع ومشروع الدولة، وينتجا احزابهما او مجتمعهما المدني بما فيه الاحزاب المدنية، على ان المدنية لا تعني اللادين بالضرورة، كما ان الدين لا يعني اللامدنية الا في الحالة الحزبوية كما هو مشهود.

والمفارقة العجيبة في التجارب المحيطة بنا وفي تجربة افغانستان الصارخة هي ان التحرر من العام الاسلامي لاسباب حزبية واغلاق المذهب على الجماعة واختراع الاقفال لنوافذه المفتوحة باستمرار، يعود لينعكس تجزيئاً للجزء وتحويلاً للعصبية المذهبية او الحزبية الجامعة الى جزر من العصبيات الداخلية، المحورية والفئوية والطبقة المتولدة من المال والسياسة، مع عودة العائلية والعشائرية أو العنصرية الاسلامية الى المشهد واعماقه او عودته اليها. وهنا تتماثل الاحزاب الاسلامية مع الاحزاب القومية (مثال العراق الصدامي التكريتي العوجي المجيدي) وغيرها من الاحزاب او الحركات او الاطر التقدمية والرجعية على السواء.

هذه المفارقة تولدت على مقتضاها مفارقة اخرى مع العدوان على العراق وسقوط النظام، حيث نلاحظ استيقاظاً متوتراً لوعي مذهبي على النظام العراقي، معه وضده، ليتبين انه لم يكن كافياً ان تكون ضد النظام لتكون مع اميركا او ضدها، ولا ان تكون ضد اميركا لتكون مع النظام او ضده. المسألة لها نصاب آخر. من هنا يكتفي بعض اعداء اميركا بسقوط النظام ويتخلون عن خطابهم الذي كان يتوقع هزيمة اميركا على يد النظام، ويغضب بعض الموافقين على اميركا بسبب سقوط النظام. لعلنا مدعوون الى مزيد من الجهد لاعادة تأسيس اجتماعنا على المواطنة، تلافياً لجرجرة الاديان واهلها ومذاهبها والتابعين لها الى مسار لا ينتج الا الكوارث ويعيد انتاج التخلف.

غير ان مواطنتنا في كياناتنا الوطنية، لا تعني هجران كل ما يمر بها من القضايا ويتجاوزها. بل تعني ضرورة اعادة تشكيل وعينا بهذه المسألة حفظاً للاوطان والمواطنة. ان سقوط العراق هو مساس عميق بهذه المسألة. اما اذا انتهت فلسطين من دون حل ولو جزئي وغير عادل الا بنسبة ضئيلة. فان احداً لا يمكن ان يسلم من الكارثة التي سوف تعمنا جميعاً وتعم كل شيء فينا وعندنا.

من هنا فان مواطنتنا اللبنانية ربما كانت تستلزم ان نعود الى مضاعفة الجهود من اجل اعادة تركيب النظام العربي على أساس التضامن بعيداً عن اوهام الوحدة المستحيلة، حفاظاً على واسطة العقد والاصل في نظامنا الاجتماعي العربي والوطني، فلسطين. وحفاظاً على الضروري من شعورنا بالمستوى النسبي لوحدة الاجتماع العربي والوطني.

بناء على ما تقدم كله، وقد لا يكون صواباً كله، هل نستطيع القول من دون مخاصمة مجانية ومتسرعة وظالمة مع الحركات الاسلامية في العراق وخارجه، بان ما يناسب العراق هو مشروع وطني عراقي تلتقي فيه كل مكونات الاجتماع العراقي على اساس المشاركة والتكافؤ وحساب الاحجام من دون افتئات من الاكثرية على الاقلية، اي على النمط اللبناني المطور على الخصوصيات العراقية؟ هذا ما نقدّر ان المرجعية في النجف ترجحه وهي كفيلة بتوازنها وشعورها بمسؤوليتها الدينية، ان تضمن للجميع ان تكون الاكثرية الشيعية امينة على وحدة العراق وحامية لشركائها في الوطن، ومن دون ان تسمح للدولة العتيدة ان تأخذ صفة مذهبية غالبة، اي من دون غلبة، من دون غالب او مغلوب، مع وجود الجميع وحضورهم في الدولة والوطن وتكاملهم، حصانة لهم من المشروع الاميركي الذي يريد ان يلغي كل طرف بالآخر ليحكم بلداً لاغياً يستخدمه ممحاة لغيره من الكيانات والبلاد.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic