ست سنوات على رحيل جوزف صقر
"كأن روحاً تقطن هذه الثياب"

بسمة الخطيب

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 25 نيسان «أبريل» 2003
Joseph Saqr - جوزيف صقر

     قليلون هم الذين تذكّروا “جوزف صقر” صبيحة هذا العام. البعض تأخّر، ونحن منهم، ولكننا دائما نخلق الأعذار لتأخرنا ونجد من يعذرنا... وحدهم المبكرون لا يعطون الأعذار، ومنهم جوزف صقر الذي تعجّل الرحيل، فكان رحيله موجعاً في إبكاره غير المبرّر. ثم ضاعفت الحرب على العراق تأخير نشر هذا التحقيق، فليت جوزف صقر يعذرنا هذه المرة أيضا. 

الممثل والمطرب او ربما الممثل المسرحي والمؤدي والمغني... صفات وألقاب لا يحتاج اليها جوزف صقر، بعد ان أثبت نفسه بقوة على الساحة الفنية اللبنانية، وصار واحدة من أبرز علاماتها، بعد ان أكتشفه زياد الرحباني ونقله من الصفّ الخلفي (الكورال المنشد خلف فيروز) الى الصفّ الأول، الى عالمه الفني المختلف والثائر. ومنذ اللحظة الأولى لم يكن جوزف وزياد مجرد ممثل ومخرج، او مغن وملحن، بل كانا زوجا متفردا في انسجامه وموهبته. في عمله المسرحي الأول، “سهرية”، كان نخلة التنين أبرز مفاجآت زياد، وأبرز أعمدة مشروعه المسرحي، الذي نحا منحى مختلفا بعد هذه المسرحية. اكتملت صورة الممثل صقر في “نزل السرور” و”بالنسبة لبكرا شو؟” و”شي فاشل” و”فيلم أميركي طويل”، وتابعت مسيرتها في “بخصوص الكرامة والشعب العنيد” و”لولا فسحة الأمل”. اما عن التجربة الغنائية فقد أضيفت الى أغاني تلك المسرحيات مثل ( اسمع يا رضا، وع هدير البوسطة، وعايشة بلاك...) مجموعة أغاني كاسيت “بما انو” التي أتت ثمرة انسجام وتآلف الثنائي، ثمرة ما زلنا حتى اليوم نتلذّذ بنضجها واختمارها. 

منذ رحيله، بين عشية سنة راحلة وصبيحة سنة قادمة، مرّت ستّ سنوات، وها هي البدلة البيضاء تخرج من خزانة الذكريات لتعيد الينا الشيخ كريم “اللي علينا مشتاق”، وها هي ليلى تناديه الى “سهريتها” ناشدة لحظة صدق تمضيها معه، وها هي بيجامة المجنون تطلب ان يرتديها و”يفوت ينام وصير احلم”. فكم صار الحلم صعبا هذه الأيام، كذلك البوسطة صارت لا تطاق ولم تعد تحتمل راكبيها، ويزداد هديرها الى درجة لا تسمح لأحد بأن يسمع اي أغنية، يلوّث مازوتها الأسود الضيع، ويُبكي “عيون عليا الحلوين”. ولكن هل هذا فقط ما بقي لنا من جوزف؟ أغنيات وعبارات ودمعات وسخريات؟؟ بالطبع لا، فكل من عرفه يرسم له صورة في خياله ووجدانه، وما أرادته “السفير”، جمع هذه الذكريات في باقة وفاء تقدمّها الى روح جوزف الذي تحبّ. 
 

في حضن عائلته 

زوجة جوزف صقر، السيدة غادة، تفضّل ان نعفيها من الكلام، وتقديراً لمشاعرها نخفّف عدد الأسئلة التي حملناها، ونكتفي بالتقاط الجمل القليلة التي تعبّر من خلالها عن شكرها لكل من يكرّم زوجها وكل من يذكره: “يُفرحنا طبعاً ان يكون هناك من يذكر جوزف، ومن يقدّم التفاتة الى ذكراه، ولكن بالنسبة الينا، عائلته، لا نسعى الى هذا، فجوزف لا يفارقنا البتة، في كل لحظة هو معنا يشاركنا التفاصيل الدقيقة في حياتنا. كان جوزف قليل الكلام وقد تكون وفرة الكلام تزعجه. لذلك لا أملك الا التوقف عند هذا الحد”. 

الا ان هذا ليس كل شيء عند عائلة جوزف فلولديه، راجي (11 سنة) وزينة (9سنوات) ما يقولانه... 

راجي: “انا دايما بتسمّع ع أغاني بابا وبحبها كتير، بس ما بدي كون متلو مطرب... انا بدي كون ممثل، بضحّك الناس وبخليهم يزقفوا. بتذكّر لما كان بابا يلعبني، كنا نضحك كتير. أحلى لعبة عنا لما ننطّ على التخت... يمكن بابا بطّل مشهور لأن مش كل الناس بيعرفوه”. 

زينة: “صوتو لبابا كتير حلو وكل ما نروح ع المدرسة بنسمع أغانيه بالسيارة. رفقاتي مش كتير بيعرفوا هالأغاني ومش كتير بيعرفوا بابا، انا بغنيلهم اوقات بس هني مش حافظين”. 

هذا وقد شارك الابنان في اسكتش مسرحي في مهرجان “قرطبا” الذي بثه tele lumiere. أظهر راجي تحديدا موهبة حقيقية في التمثيل، جعلت والدته تتوقّف عندها لتقول انها سعيدة بهذه الموهبة وانها لن تمنع ابنها في حال اختار طريق الفنّ. 
 

أحمد قعبور: 
نسي العرض ونام في السيارة 

قبل مسرحية “شي فاشل” كنت أعرف جوزف صقر صوتاً. وعند بدء تمارين المسرحية بعيد الاجتياح، عام 83، عايشته على مدى ستة أشهر، كان يشبه صوته، وكانت ملامحه أمينة لما أطلقه هذا الصوت في تلك الأيام. حين استبدّت شهوة الكلام في البلد كانت مناعته كبيرة ضدّ الكلام المجاني. 

في أروقة كواليس مسرح جان دارك حيث كنا نعرض وزياد الرحباني مسرحية “شي فاشل” كانت تدور أحاديث في غاية الأهمية حينها وفي غاية السخف أحيانا، وكان جوزف مصغيا عند الضرورة، وكان يدلي بصمته الدائم رأيا غامضا، كنت أقول دائما لنفسي: ألا يملك هذا الرجل ما يقوله؟ والآن بعد ست سنوات على غيابه أقول بأنه كان أكثرنا قولا. 

لا أزيد على ما قاله الاختصاصيون في صوت جوزف الا ملاحظة عابرة، وهي ان هذا الصوت الذي “انعجن” بالغناء الفلكلوري كان يمتلك قدرة هائلة على تجارب زياد الرحباني في الغناء (الجاز الشرقي). من يصدّق ان هذا الصوت الذي يطرب بالميحانا والعتابا له القدرة نفسها على التأثير في الأغاني المتجدّدة لزياد. 

أذكر حادثة طريفة جرت أثناء عرض المسرحية ، ففي أحد الأيام المخصّصة لعرضين (ماتينيه وسواريه) اتفقنا على تناول الغداء معاً عند الظهيرة على ان نعود الى المسرح قبل ساعة من العرض المسائي. وحضر الجميع كما تم الاتفاق الا جوزف واقترب موعد العرض فقمنا نبحث عنه في محيط المسرح، حتى اكتشف أحدنا ان جوزف نائم في سيارته، وبعودته الى المسرح كان الجميع يغلي حنقاً، وعندما وصل قال للجميع بابتسامته الساحرة: “شو ؟؟ خربت الدني؟” الحقيقة انو البلد وقتها كان خربان. 

أخيرا ما عسانا نقول في غياب شخص لم يعطنا صمته فرصة لنقول له وجها لوجه اننا نحبه. على ما يبدو انه سمع نصيحة صوته حين قال “قوم فوت نام وصير حلام انو بلدنا صارت بلد”. 
 

عبيدو باشا: 
مات وهو يغني 

بدا جوزف صقر منذ البداية ابن جماعة فنية (الإشبين) بالجماعة الدينية. لم ينتبه اليه الكثيرون وهو ينشد بين العشرات في كورال الرحابنة. انتبهوا الى وجه بين الوجوه. ولأنه بين الوجوه لم ينتبهوا اليه كثيراً كما لم يتأمّلوه البتة، غير انه حجز مكانا في الكورال وهذا ليس سهلا، ذلك ان حجز مطرح في وسط مجموعة، هو أصعب بكثير من الاستمرار على قمة انجاز فردي. الأصدقاء وحدهم يعرفون ان غناء جوزف صقر هو نطقه. رجلٌ اذا نطق غنّى، وكلما غنّى بدا وكأنه لم يغنِّ. حين أقام حفلة في “سهرية” أولى مسرحيات زياد الرحباني، خاف من حكم الغناء من دون تلقي هذه الحكم. طلعت حكمة الغناء كالعادة التي تقضي بموازاة وتقييم الدلائل. حفر هذا أثرا عميقا فيه وفي سامعيه، وهو يرطن بجمل زياد الرحباني وميلودياتها النطناطة في روح شرقية لامعة. ولو ان دوره في سهرية كدور القائد الذي أراد أن يدرّب، فقدم حياته كمادة للتدريب. 

ترك صقر نفسه فوق رقعة شطرنج رحبانية، في مقاسات غير مقاسات الرقع العادية، لينتقل من الرحابنة الآباء الى أحد الأولاد والذي يقيم جزيرة صغرى أقرب الى الجزيرة الرحبانية الكبرى، محتكّاً بها من منظور خفي ومنظور تظاهري مضاد. لم يتطرّف هنا ولم يتطرف هناك. بقي طيّبا طيبة القروي الذي غادر قريته ولم يغادرها. 

دوره في “بالنسبة لبكرا شو” لا يحتاج الى مكافأة أداء عليه، لأن دوره هو، وهو دوره. لم يؤد، اذ قدّم نفسه في “بالنسبة لبكرا شو” وفي المسرحيات التي تلتها. لم يفض اي نقاش، لذا لم يخضع لأية تسوية ولم يُخضع الآخرين. دأبه ان يأخذوا بيده، ان يمنحوه مادة حياته وإلا صمت. صمته موت آخر، بيد انه ليس أجمل من موته وهو يغني. لأن جوزف صقر امتلك في تعاملاته الحذرة وغير الحذرة مع فنانيه الأصدقاء ميزة لم يمتلكها الكثيرون: الأداء. تلك الصفة التي توفرت لجوزف لم تتوفر لكبار المطربين والمطربات. حاول زياد الرحباني ان يميل بغناء فيروز الى الأداء، في حين حاز صوت جوزف ذلك من دون مجهود كبير ولا عنف على الصوت. الأغنيات التي أدّتها فيروز بعد ان أداها جوزف هي المثال. أغنية “البوسطة” خسرت كثيرا حين أدتها فيروز مفاتيح الأداء، تلك التي تقود الى المسرحة: احساسه قاده الى تطويب الصوت كمساحة أداء جملية، تعطي الكلمات معانيها بدل ان تذيبها في نظام “العُرب” والطرب والتشريق. 

كأن صوته آلة صور عريضة للحرمان والظلم. ولأنه لم يملك الا صوته، آلته النبيلة، فقد اتفق وهجاء زياد الرحباني الذي هجا منذ ما قبل ولادته كل شيء. غير انه اتفق والهجاء منذ رفع كأسه الأول في حياته الأولى، رافعا سطر زجله الأول في قراديته الأولى. هذا سلاحه الدبلوماسي في وجه السلطة السياسية والطغمة الاقتصادية وبشائر ما بعد الحداثة التي لم تعنه لا هي ولا أختها في شيء. صوته ظفره وطبقاته أظافره وهو لم يقلم أظافر ولم يقطع رأس قطة. حسب ان الدنيا ملهاة، ولأنها ملهاة نسي انه صاحب سبع أرواح في مسرحية زياد الرحباني الأخيرة لذا اكتفى بالروح الميتة التي ماتت ومات. 

لا يزال جوزف صقر في غيابه صوت دونكيشوت. لا يزال يحلم ان بالوسع حسم الصراع بين الآباء والورثة في مباراة هجاء وضحك مبلبلتين. صوته المتروك في أشرطة التسجيل يدعو الى الانقلاب على مفاهيم حرب الغلبة: انا حياة واحدة، قال حين التقيته في المرة الأخيرة، قبل ان يموت. عندها بصم لمرة جديدة في سجلات البني آدميين، روحاً وحياة وتاريخاً عن سجلات القطط الآكلة المدينة. 
 

رفيق نجم: 
الله كان يحبه 

عرفت صوته قبل ان أعرفه. هذا الصوت! كنت أسأل نفسي اين سمعته من قبل؟ انه أليف، بل مألوف، لا تدري من أين تعرفه، ولكنك تعرفه منذ زمن بالتأكيد. 

تدخل في نفسك، تتصفّح ذاكرتك وتفتّش، تسمعه هناك، هو هو صوته وليس غيره، هناك في الداخل (أم هو الخارج هناك؟) تتبع صداه الى أعلى ما تستطيع من الغوص، ولا تصل. فتقف على شرفة ذاكرتك منصتا فتسمعه هناك أيضا. هناك، حيث يعيرون الذرة بكثافتها. كيف يستطيع هذا الصوت الجهوري الصافي القوي، ان يخترق ويصل؟ ولأنك غزير الخيال، تفكّر للحظة، هل هو الله كان يحب ان يسمع جوزف صقر من خلالنا فتفتحت لصوته الأبواب ليصل حتى بحر الألفة. “لا تبالغ” يقول لك تواضعه الذي يمثل أمامك فجأة. فتكبح خيالك وترجع. ان غنّى او حكى لا يهم، هو صوته، هذا العميق العتيق الأليف المتغلغل... هو سرّه. 

حين تتعرف اليه ترى رجلاً نحيلاً رقيقا وديعا راضيا. جسده، أذكر الآن، كأنه كان مستورا، فلا ملامح، وكأن روحا تقطن هذه الثياب. استعرت سيارته مرة، فجاءني في اليوم التالي وشكرني، لأن سيارته صارت أفضل حالا “زبّطت الهارموني فيها” بعد قيادتي لها. وكان غالبا ما يطلب مني ان أقودها، فنذهب معا في نزهات شبه صامتة على الطرقات الجميلة. لقد كان روحا شفافة، سريعة الخدش! وربما لأنه كان هكذا، لم تستطع عروقه الشفافة ان تستوعب دمها، فنَزف... ورحل عن هذا التراب... وبقي صوته في أعماقنا لغزاً. 
 

عمر ميقاتي: 
يكره العصبيات 

لقائي مع جوزف صقر كان خلال عملين مسرحيين متتاليين “بخصوص الكرامة والشعب العنيد” و”لولا فسحة الأمل” لزياد الرحباني. وخلال عملنا معا لامست أخلاقه الهادئة، كان قليل الكلام واذا تكلم اتت كلمته معبّرة. لهذا الفنان خصوصية، ولأدائه نكهة خاصة لا تلامس التطريب فقط بل الوجدان والعقل. ترافق مع زياد وانطبع بطبعه. هو ممثل ذو كاريكاتير هادئ حتى في ثورته على المسرح، يغني وكأنه لا يغني ويمثل وكأنه لا يمثل. 
 

بطرس فرح: 
رفيق درب 

ماذا أقول عن جوزف؟ هو رفيق درب وعشرة عمر. كان انسانا لطيفا ومهذباً. أدين لزياد الرحباني في تعرفي اليه. التقينا لأول مرة في مسرحية “نزل السرور”، كنت قبلها أعرفه من بعيد. صوت جوزيف يشبه رائحة الطبيعة عند اول “شتوة” تأتي بعد صيف حار وجاف. صوته صاف وهادر وكما يقال “بيطلع صوتو من حشيشة قلبو”. 

ما يميز جوزف انه يغني اللون الذي يحبه وليس كل ما مفروض عليه. وهذا ما أدركه زياد اذ قدّم له اللون الذي يحبه و”بيركب معون” وأدرك المعادلة وهي ان جوزف يبدع عندما يحب ما يؤديه. 

جوزف الممثل يتميّز بالعفوية، وهو استاذ في هذا المجال ويمثل قدوة لكل من يهوى التمثيل. 

مثلما أعطى زياد جوزف كذلك اعطى جوزف زياد، كان العطاء متبادلا، كما المحبة متبادلة. 

رحيل جوزف أثّر بالتأكيد على مسرح زياد، وعلى المسرح ككل. الأكيد ان رحيل جوزف ترك فراغا كبيرا. 
 

منى سعيدون: 
دنيا أخرى 

جوزف، أعرفك منذ زمن بعيد، ولكن لم أفكّر يوماً بالكتابة اليك. ست سنوات مضت على سفرك، ست سنوات لم أرك فيها، لم نجلس معا نتسامر ونضحك كما كنا نفعل “أيام زمان”. 

بيت عمّتك في القنطاري، لا يزال في مكانه، ولكن انت لا. بهتت ألوانه، وتغيّر سكّانه. أصبح المرور قربه موحشاً. هل تذكر اولاد الحي الذين كانوا يصرخون فرحا عندما “تعود الكهرباء”؟ أتذكر الشمعة التي كادت تحرق منزل عمتك فيما نحن عنها ساهون؟ أتذكر الفوتبول الذي كسر زجاج نافذة الجيران الذي لم تقو قذائف تلك الأيام عليه، ولا على فرحنا الذي كنا نتقاسمه في سهراتنا مع جومانا وتوفيق على فرش البيت العتيق؟ بيت عمتك سافر معك عندما سافرت. 

أول مرة التقيتك يا “أبو ليلى” كنت ممرضةً أعطيك حبة الدواء الزرقاء. كان “زمان الطائفية” المعشش في البلد، وبرغم ذلك نظمنا لك ولزملائك في المصحّ رحلة الى جسر القاضي، حيث كنتم “تسعة منافخ رايحين يموهوا ع الجسر”. وبرغم كل ما كان يدور حولنا، كنا نعيش في دنيا أخرى. “الفيلم الأميركي الطويل” لم ينته بعد، و”ما تفكرها عم بتقدم لأنها راجعة على أنحس بإذن الأميركان”. 

لشدة شوقي اليك صعدت الصيف الماضي الى “قرطبا”، قريتك، التي لم اجرؤ على وداعك فيها يوم سافرت. وكم كانت مفاجأتي كبيرة عندما وجدتك هناك. ولداك راجي وزينة - بكاردي، وزوجتك وأخوتك والعائلة كلها، كانوا مجتمعين في المنزل، وكنت معهم. كنا جالسين على المصطبة، شكلنا حلقة، وفي الوسط راجي وزينة استعادا السهرية. راجي كان “نخلة التنين”، ختيار مع طربوش وشعر ابيض، وغنى بصوتك الذي لا يشبه أحدا. 

وجدتك يومها، جميعنا وجدناك الى درجة اننا شعرنا بالفرح. كنت معنا وكنا نرى راجي وزينة يكتشفان خطوة خطوة جوزف صقر أباهم الذي لا يشبه أحدا. 
 

عباس شاهين: 
كان يحب تجويد القرآن 

انتظرت اتصال جوزف صقر ليلة رأس السنة. كان قد طلب مني أن أرافقه الى الحفلة التي يحييها ليلة رأس السنة في احد الفنادق في منطقة “عين التينة”. ولما لم يتصل اتصلت انا فوجدت هاتفه النقال مقفلا. استغربت واتصلت بأحد أعضاء الفرقة الموسيقية وكان حاله كحالي ينتظر مستغربا ما يحصل. مضى الوقت وعدت الى البيت ونمت، وانا لا أفهم كيف لا يفسر لي ما حصل معه. في الصباح التالي أيقظتني زوجتي وقدّمت الي معتذرة مرتبكة خبر وفاة جوزف. 

جميل ان أتذكر عبر “السفير” جوزف لكن الحقيقة انني دائما اتذكره وأستعيد ذكرياتي معه. ولي طرقي الخاصة في هذا. ما لا يعرفه الجمهور عن جوزف صقر انه بريء جدا وله قلب طفل. عرفت بعض التفاصيل الخاصة عنه من خلال عملنا معا، فهو كان يحب كثيرا ان يسمع تجويد القرآن، وكان يطرب لأصوات بعض المقرئين. وكان من الممكن ان نمضي معا ساعات من دون ان يتكلم. انه حالة خاصة وكان الأستاذ الذي أبحث عنه، تعلمت منه العفوية والبساطة والصدق وكذلك ما يسمى “حرفنة”. 
 

تانيا صالح: 
آه يا “أبو ليلى”! 

كان عندو حفلة قبل ايام من رأس السنة، وكان صارلو سنين ما عمل حفلات حيّة، ومبسوط كتير بأغاني الشريط الجديد “بما انو” ما كان عارف شو ناطرو وانو الناس اللي عاش عمرو يغني باسمهم تغيّروا واجا غيرهم، صار فيه موديلات جديدة، موديلات فارغة مثل الكوسا المنقورة اللي بتنباع بالسوبرماركت بلا قلب وبلا طعمة. رجال منفوشين متل الطواويس ومنفوخين من التخمة ونسوان منسوخين عن بعضهن عم يبرقوا متل تريّات القزاز. 

سمعوه وما سمعوه، فكّروه شي “مطرب من هولي العربي” ولما خلصت الموسيقى كفّوا سهرتن حتى طلعت ريحتن وهو رجع ع بيتو وحيد ومريض ومقهور. سمعنا نحنا خبر الوفاة ع الاذاعة تاني يوم. 

فيه ناس ما بتتخيّل انو معقول يموتوا او بتفضل انك تموت قبلهم، حتى ما تسمع خبر وفاتهم وتحتار كيف لازم تحسّ. بتحتار لأن ما فيك تبكي عليهم ولأنو قد ما بكيت مش راح تبكي كفاية... وأصلا جوزف صقر مش ناطر انو نبكي عليه بيكفي نتذكر أبو ليلى او أي شخصية من شخصياته، او نسمع صوته عم يغني ونغني معه. جوزف الشخص الوحيد اللي لما اتذكروا ما فيني الا ما اضحك حتى وانا قاعدة وحدي، لأني بحسّ انو بعدو موجود بشي محلّ بهالكون. 

جوزف صقر الحقيقي ما كان عندو 7 أرواح متل ما كان دورو بآخر مسرحيه، ما كان متل الناس اللي بتقضي عمرك تدعي عليهم ليموتوا وما بيموتوا. كان كتير بسيط وطيّب، بيحبّ الناس الطيبين اللي متلو وكان كل كلمة يقولها تطلع من قلبو. كان يبتسم كتير بس ما كان يحكي كتير. صورتو الحلوة دايما ببالي وصوت اللي ربيت عليه رح ربّي عليه ولادي وولاد ولادي... 

متل ما قال زياد مرة: ماحدا يفكر انو رح يحل محلّ جوزف لا هلق ولا بعدين. معه كل الحق. 
 

أنا عندي حنين 

     في إحدى آخر مقابلاته الصحافية، وهي قليلة، قال جوزف صقر انه يحبّ تجربة كاسيت “بما انو”، ويحبّ ان يلحّن له منصور الرحباني لحنا، وانه ليس مطربا يسعى وراء اللحن من الملحن، كما ان زياد لا يعرض ألحانه على المطربين. 

كان خارجا للتو من تصوير فيديو كليب أغنية “ليه عم تعمل هيك”، ولم يستفض في شرحها، بل قال ان عدم مشاركته في كاسيت “انا مش كافر” ستبقى حسرة في قلبه، وانه سيبقى يلوم نفسه لأنه لم يغن أغنية “اسمع يا رضا” كما يجب. 

اما أحبّ أغنية لفيروز وزياد بالنسبة له فهي “انا عندي حنين” التي لم تأخذ حقّها كما يجب، بحسب قوله. 

ذلك كان حاله إذاً، لديه حنين، وحسرة، وشعور بالتقصير وأحلام كثيرة: شريط غنائي جديد وعمل استعراضي مع أخيه جان وعروض أخرى على مسارح مختلفة... 

تقول أغنيته المفضلة: “انا عندي حنين وما بعرف لمين، ليلية بيخطفني من بين السهرانين.. لبعيد يوديني..”. 

نعم انه هو ذاك الحنين الذي اختطفه ذات سهرة وطار به الى مكان بعيد، وهو ذاك الحنين الذي يختطف أحباءنا من حولنا ويترك لنا رنين ضحكاتهم وأنين تهكماتهم. 

وهو الحنين ذاته الذي يأخذنا اليه والى صوته، ويبقينا دقائق في عالمه... دقائق قليلة هي عمر الأغنية واللحن... وهي عمر الحلم.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic