سلام الراسي وابتكار الذاكرة

عباس بيضون

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 30 نيسان «أبريل» 2003

     كان بورخيس يقول وقد سئم العمر إن الموت نسيه. لا نظن أن سلام الراسي تعب من العمر، فقد احتاج الى التسعينات كلها ليكنز ويسجل ويحفظ. مثل عمل سلام الراسي يحتاج الى العمر ولم تكف التسعينات سلام الراسي (ولد في 1911) للمهمة الخطيرة التي ندب نفسه وندبه لها التاريخ، فقد حفظ فصاحتنا المحكية الزائلة مع زوال الريف اللبناني الذي شغلنا التغني الفولكلوري به عن ملاحظة تحوله وانطفائه. 

أخذ الراسي على عاتقه أمانة يعيا بها جيل ووفاها مع ذلك بعض حقها. انتبه الى أنه في نهاية تاريخ وأنه نصب ثقافة بلا ذاكرة، فاختار أن يسهر على الماضي وأن يؤسس ذاكرة للمستقبل. فعل الراسي في ذلك ما فعله علماء العربية الأوائل. جمع الكلام كما تلتقط الثمار، وبوّبه وصنفه وجعله كتباً، وهذا والحق عمل عالم أكثر منه عملاً فولكلورياً. بل إنه في نهاية الأمر عمل لغوي وبلاغي من الطراز الأول. لا نعلم إن كان هناك روائيون أو شعراء أسسوا على مجموعات الراسي لكن عمله ما زال ينتظر. 

مؤلفات الراسي حمل معظمها في عناوينه مأثورات شعبية “في الزوايا خبايا”، “حكي قرايا وحكي سرايا”، “أحسن أيام كسماع كلامك”.. في عناوينها كما في بطونها افتتان بالكلام والتعبير. لم يهتم الراسي بالأعياد والأعراف والتقاليد اهتمامه بالاقتدار الريفي على اجتراح الكلام في أوزن عبارة وأكثفها وأنفذها وأغناها إيقاعا. هذا اختيار شاعر أكثر منه اختيار مؤرخ ودارس. إنه حفظ لغة واستدراك أكثر تجلياتها شعرية وفصاحة. 

في عمل الراسي تعبّد للغة لا نعرف أحداً سبقه إليه. صنع من كلام غيره قلائد لولاه لما بقيت، فهو في المدى المستقبلي ناظمها وصاحبها وكأنها بنت خياله. يقوم هنا القارئ والمختار مقام المبدع وقد كان الراسي في اختياره مبدعاً. شاء الراسي أحياناً أن يطابق مأثوراته على هواجس الحاضر. هذا عمل للتبسيط والتعليم أقرب ولسنا نعرف كم أصاب منه وكم أخطأ، إلا على محفوف بالمخاطر. إن دل على شيء فعلى أن بحث الراسي منحه قبل علمه مشيخة مبكرة وميلاً للتعليم. لم يجمع الرجل ثمرات الماضي والحاضر لولا حدس فات معاصريه ممن جعلوا “التقدم” حالاً من أحوال النسيان. الراسي الذي ناضل بين اشتراكيي تلك الفترة لم يخجل بواقعه ولا صدف عنه صدوف كثيرين من “حديثي” تلك الأيام. لم تشغله اللغة النضالية الخشبية عن تذوق الكلام المصفى من أجيال، ولم تحجب الجملة الثورية عنه تجربته وعالمه وتاريخه. لذا بكر الى جمع عيدان الذاكرة وقشها وحطبها بانتظار يوم يغدو لنا فيه تاريخ ومستقبل.

...وإذا كان رحيله أمس نهاية عصر فإننا نأمل أن يكون أيضاً بشارة عصر.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic