رحلة مع المعارضة العراقية

ابراهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

الأربعاء، 30 نيسان «أبريل» 2003

     فيما كادت الاشارات والمعطيات السياسية والعسكرية تجمع على أن نظام صدّام حسين، آيل ولا محالة الى التداعي فالانهيار، كان السؤال الذي يطرح بقوة، في كل الاوساط السياسية، العربية منها والغربية، هو من هي القوة التي يمكنها ان تملأ الفراغ المدوّي الذي سيحدثه تهاوي نظام فرض نفسه بالانقلاب اولاً وبالقوة ثانياً، وبدعم لا محدود من الغرب ثالثاً، على بلد بحجم العراق، وبفرادته الجيوسياسية، لنحو ثلاثة عقود". والسؤال عينه طرح بالحاح، على نحو آخر: اذا كانت الولايات المتحدة، قد قرّرت، انهاء هذا النظام لدواع واسباب يصعب حصرها، فإنّ التكهنات راحت تدور، حول الجهة المؤهلة للامساك بزمام السلطة في بلد متنوع الانتماءات المذهبية والعرقية، اذ يمثل الشيعة نحو 64 في الملئة من مجمل عديد سكانه (بين عرب وكرد وتركمان) ولهم الغالبية الساحقة في جنوبه، اذ يشكلون نحو 90 في المئة من السكان، ويمثل الاكراد ما بين 18 الى 20 في المئة، فيما تتوزع النسبة الباقية اي نحو 16 في المئة ما بين عرب سنّة وتركمان سنّة واشوريين وكلدان واقليات اخرى من صابئة وايزديين ويهود... 

ومما لا ريب فيه ان ثمة من كان يفضل ان يرجئ مثل هذا الحديث، فيعفي نفسه من مشقة التكهن والتأويل بالقول ان الامر لمن بيدهم الامن بلا منازع في الوقت الحاضر عانياً بذلك الادارة الاميركية، انطلاقاً من مقولة مفادها ان الادارة الاميركية لا شك تحمل الى ارض الرافدين مع آليتها العسكرية الضخمة، تصوّراً معيناً لشكل النظام الذي ستفرضه على العراق، تماماً كما فرضت اسقاط النظام السابق في اللحظة التي رأتها مناسبة. 

والثابت، ان حبل التساؤلات عن البديل ظلّ موصولاً وسيبقى على هذه الحال الى امر غير منظور، لأمرين اساسيين هما: 

- وضع العراق، على ما هو عليه من توزع الولاءات المذهبية والعرقية. 

- ولأن العقود الثلاثة التي يضعها بعض الكتاب بأنها اعوام الجمر، نظراً لما اعتراها وتخللها من أحداث جسام، تمثلت بالحرب العراقية - الايرانية، وبضربات قاصمة وجهها النظام الصدّامي الى قوى المعارضة على اختلاف الوانها واطيافها، وكانت ذروتها في عام ،1991 وقبله في عام 1979 وما تلاها، قد أفضت الى انهاك هذه المعارضة، وتدمير جزء لا يستهان به من بنيتها، واقصائها خارج الساحة العراقية، فتوزعت بين عواصم عدة بدءاً من دمشق، مروراً بطهران، فواشنطن، والكويت حيث عاشت تتأرجح في ولاءاتها، وارتباطاتها، وتعيش في بحر من الانقسامات والتشرذم، واعادة النظر بالبرامج الفكرية والسياسية، والمناهج، فما من قوة الا وانقسمت على ذاتها، وما من مجموعة الا وأبدلت شعاراتها، حتى صارت المعارضة العراقية، وفق قيادييها عبارة عن فسيفساء وموزاييك منوعة اللون والشكل. 

وزاد الازمة عمقاً، ان كل هذه القوى، وجدت نفسها عشية الحرب الاميركية - البريطانية على العراق في موقع العاجز عن الفعل، بل ان بعضها دخل مرحلة الحيرة التي تدنو من الارتباك حيال الحدث الآتي. ففيما هو متحمس كل الحماسة لاسقاط النظام الصدامي الذي لم يبق ولم يذر، وكوى الجميع بنيران حقده، كانت تلك القوى عاجزة عن الافصاح عن تأييدها للغزو الاميركي، وقاصرة عن تبرير ذلك او السير في ركابه، نظراً الى الجو الشعبي العربي الاسلامي المشكّك بطبيعة الحال في النيات والمآرب الاميركية من وراء اسقاط نظام صدام واحتلال العراق. 

في خضم عقدة الذنب هذه بقيت قوى المعارضة العراقية، في موقع المراقب للقوات الاميركية وهي تدخل المدن العراقية واحدة تلو الاخرى، منطلقة من الجنوب ذي الاغلبية الشيعية الساحقة، ولم يكن بيدها حيال ذلك كله إلا اطلاق مواقف "خجولة" تنزع نحو القاء المسؤولية والتبعة على نظام صدام وتعد الجمهور العراقي بدور آتي لا محالة بعد زوال صدام ونظامه. 

ومن العوامل التي فاقمت في عجز هذه القوى وارتباكها، انها، وقبيل الحرب على العراق، ولجت في مرحلة ضبابية، زادت من حراجة وضعها الحالي والمستقبلي، اذ انها مدت جسوراً واقنية من العلاقة مع الاميركيين، ولم تخرج عن هذه الشبهة، حتى القوى المتجذرة في راديكاليتها واسلاميتها ويساريتها، اي بما فيها بعض اطراف حزب الدعوة الاسلامية، والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية، وحجتها المعلنة، او تبريرها المستطاع، هو ان "الغزو حاصل لا محالة"، فليكن لنا دور في ارساء أسس عراق ما بعد صدام حسين". 

ولكن هذا "التنازل" النسبي، على بلاغته وفداحة الخسائر السياسية الناجمة عنه، لم يجعلا الاميركيين يسمحون للمعارضين بأن يضطلعوا بدور ولو محدود على المستوى العسكري، في حربهم المجنونة لتدمير نظام صدام حسين.

ومهما يكن من أمر، فقد اسقطت الحملة الاميركية الضخمة النظام العراقي بعد نحو ثلاثة اسابيع على بدئها وتكشف للجميع أمران اساسيان: 

- ان الادارة الاميركية لم تورد في حساباتها اطلاقاً مسألة اشراك المعارضة في تدبير امور العراق في مرحلة ما بعد صدام. 

- وان على هذه المعارضة ان تخوض شوطاً آخر من النضال والكفاح بغية: 

أ - اعادة وصل ما انقطع من علاقتها بالداخل العراقي. 

ب: اعادة ترتيب اوضاعها الداخلية وتثبيت حضورها اولاً وقبل كل شيء. 

ج - ان كل المعارضة العراقية لا تمتلك برامج جاهزة، وخططا فردية او جماعية لتسلم السلطة في العراق. 

هذه الاستنتاجات، هي خلاصة حديث مطول وعميق مع احد قادة حزب الدعوة الموجودين في لبنان، وهو يقر بان كل القوى هي في مرحلة ترتيب اوضاعها الداخلية، وانها الآن في رحلة عودة الى الداخل لتقييم الوضع، والاحاطة بمزاج الجمهور العراقي، ومن ثم الدخول في مرحلة التفاوض بين هذه القوى لرسم افق العمل المستقبلي. وعليه لم تكن غريبة اطلاقا عودة هذه القوى الواسعة لكوادرها والتنظيمات المعارضة الى العراق، وعمل بعضها على فتح مكاتب ومقار، وتوجيه الدعوات الى تحركات وتظاهرات شعبية، خصوصا في المناسبات الدينية. 
 

مرجعية النجف

     ولكن هذا المعطى الذي بات معروفا والذي يشي ويوحي انه ما من قوة او تيار او تنظيم عراقي واحد، بامكانه الادعاء او الزعم بامتلاكه منفردا قوة التأثير الاكبر في مجرى الامور والاحداث في العراق، ففي الامكان مقاربة خريطة القوى الاساسية على الساحة العراقية، التي ترتكز على جذور قديمة في الواقع السياسي والشعبي العراقي، او تلك التي برزت في العقدين الماضيين، وصارت رقما في معادلة المعارضة وتحديدا على المستوى الشيعي. 

واول ما يلفت الى هذه الخريطة، ويدفع الى التساؤل عن دورها الراهن والمستقبلي هي مرجعية النجف، أو المرجعية العليا للشيعة في العالم، تلك المؤسسة الدينية والعلمية المستمرة بالقرب من ضريح الامام علي منذ نحو الف عام، والتي ارتبط حضورها بتاريخ العراق الحديث وبالتحديد منذ الحرب العالمية الاولى ارتباطا وثيقا حتى انه لا يمكن أي باحث في هذا التاريخ الا ان يجعلها قطب الرحى في كل ما عاشه العراق ودول عدة وبالتحديد ايران، من احداث وتطورات. والحديث عن دور النجف التاريخي وارتباط الشيعة الروحي والسياسي بها يحتاج بطبيعة الحال الى ان يفرد له فصل خاص، ولكن لا بد من الاشارة ولو لماما، الى ان هذه المرجعية، التي اجبرت عام 1896 شاه ايران على الغاء امتياز التنباك مع الانكليز بعد الفتوى الشهيرة للمرجع الميرزا حسن الشيرازي، والتي ايدت، نظام "المشروطة" في ايران عام 1907 (اي اقامة ملكية دستورية)، وقادت عام 1915 الحرب ضد القوات البريطانية الى جانب الامبراطورية العثمانية والتي فجرت عام 1920 الثورة المشهودة ضد الاحتلال البريطاني - هي اليوم في واقع لا يسمح له بالاضطلاع بادوار كبرى تضاهي ادوارها التاريخية هذه. 

والمعلوم ان المراجع انفسهم هم الذين كانوا يرسمون ادوار مرجعية النجف ويمسكون بيد واحدة المرجعية الروحية والزعامة السياسية. ولعل آخر هذه المراجع التي توفر لها اداء هذا الدور كان السيد محسن الحكيم (توفي عام 1970)، فهو ومنذ ان ثنيت له وسادة المرجعية اواخر عقد الخمسينات، بعد وفاة المرجع الشهروردي، دخل في سجال حاد مع العهود التي تعاقبت على حكم العراق، وآخرها عهد حكم البعث". وقد بلغت درجة صدامه معه ان افتى في اواخر ايامه بتحريم الانتساب الى هذا الحزب، او التعامل معه. وقد كان هذا العداء، الذي سبقته سلسلة صدامات دامية سببا في اندفاع حزب البعث العراقي لاحقا الى محاصرة المرجعية الشيعية والقضاء على دورها وحضورها، والذي بلغ ذروته عام 1980 باعدام المرجع الشيعي السيد محمد باقر الصدر وبعده مئات العلماء. وايا كان الامر، فبعد عام 1980 تركزت فاعلية المرجع السيد الخوئي الذي خلف السيد الحكيم، في سدة المرجعية "على الصمود لابقاء ما تيسر من الحوزة العلمية، على اساس انه خير من زوالها "وفق ما يقول العلامة السيد هاني فحص. 
 

السيستاني يحافظ على موقع المرجعية

     وقد ورث المرجع الحالي السيد علي الحسيني السيستاني مرجعية السيد الخوئي، بمظهرين اساسيين هما: 

- المحافظة على ما تبقى من المرجعية وصمودها في موقعها التاريخي والطبيعي. خصوصا بعدما بلغ تضييق نظام صدام مداه الاقصى لها. 

- حفظ حجم المقلدين له في العالم الشيعي، وهو حجم ليس بالقليل، بل ان ثمة من يرى انه آخذ في الازدياد والنمو نتيجة نشاط وكيله العام السيد جواد الشهرستساني ووكلائه الفرعيين في سائر الاقطار، مع نشاط مؤسساته الاجتماعية والدعاوية العلمية، والتي تصل الى ايران نفسها بنسبة محدودة لكنها ليست ضئيلة. 

والمرجع السيد السيستاني الذي يبلغ الثامنة والسبعين من عمره، ايراني الاصل ولد في مدينة مشهد لاسرة علمية معروفة، واكمل دراساته الحوزية العليا في النجف، وشهد له بالاجتهاد السيد ابو القاسم الخوئي بشهادة خطية وفق ما يقوله المقربون منه، وانه (اي الخوئي) مهد له المرجعية وزكاه لهذا المنصب، رغم ان هؤلاء يؤكدون انه "صاحب افكار حضارية متطورة" وانه من "القّلة المعدودين من اعاظم الفقهاء الذين تدور حولهم الاعلمية بشهادة غير واحد من اهل الخبرة واساتذة الحوزات العلمية في النجف الاشرف وقم "الا انه لم يعهد عنه انه صاحب اطروحة سياسية معينة بالنسبة الى مستقبل الوضع في العراق. 

واللافت ان هذا المرجع عاش اوقاتا صعبة وعصيبة منذ بدء الحرب على العراق، جعلته يتخذ قرارا بالاعتكاف، والانقطاع الطوعي الموقت عن الاجتماع بالناس، ولعل ذروة هذه المحنة، كانت في المعلومات التي تحدثت عن محاصرة البعض لمنزله في النجف والطلب اليه مغادرة المدينة. وكان واضحا وفق قول احد وكلائه في لبنان "ان هذا المرجع فوجئ بما حصل في النجف وسواها من المدن العراقية من اضطرابات وقلاقل بعد سقوط نظـام صدام حسين، وانه لم يكن راضيا عن ادخاله قسرا في لعبة المزايدات وعرض القوة لملء الفراغ الحاصل". 

ولكن الانسحاب الموقت للسيد السيستاني من الواجهة، لم يكن بطبيعة الحال انسحابا كليا، اذ انه وهو يدرك ان غالبية الشيعة العراقيين يعدونه مرجعهم الاول، آثر ترك الفرصة لهم لتحديد مستقبلهم، وقد أدلى بتصريح نقله عنه نجله السيد محمد رضا يقول فيه: "يجب ان تُحكم بلادنا على أيدي شعبها وعلى أيدي أفضل أبنائها، وعلى العراقيين ان يختاروا من يحكمهم". 

والواضح ان السيد السيستاني، يعي الخريطة المعقدة بعد سقوط النظام الصدامي، ولا يريد ان يصبح فريقا من الافرقاء، فآثر الانكفاء، وترك الساحة السياسية للشعب العراقي نفسه ولقواه الحية والفاعلة، مع تحديد سقف عام وهو ان يكون حكم العراق للعراقيين. ولئن كان البعض يرى ان هذا النهج هو نقطة ضعف في واقع المرجعية الشيعية في النجف، فان ثمة من يرى ان الامر لن يطول، وان المرجعية ستكون في النهاية الكلمة الفصل في الكثير من الامور والتطورات اللاحقة، وترى ان هذا الاعتكاف للمرجع الاعلى دليل حرص منه على ابقاء المرجعية فوق النزاعات والخلافات في مرحلة الفراغ هذه، لأن كل دخول طوعي او قسري فيها سيفقد المرجعية مقومات دورها الاكبر وهالتها ووهجها. 

وعموما يبدو واضحا ان السيد السيستاني ينأى بنفسه عن الدور الذي اضطلع به سلف سلفه السيد محسن الحكيم الذي ولدت في رحم مرجعيته وفي ظل عباءته السياسية الواسعة وذات الطبيعة الصدامية ابرز الاحزاب والشخصيات المعارضة حتى الآن، وهي المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق وحزب الدعوة والغالبية العظمى من الشخصيات الدينية التي ما برحت في واجهة المعارضة والعمل السياسي والديني في العراق. 
 

المجلس الاعلى

     يُعتبر المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق التنظيم الاكثر شهرة اعلامية بين قوى المعارضة العراقية، وهذه الحال هي نتيجة أمرين اساسيين هما: 

- شخصية رئيسه السيد محمد باقر الحكيم، وعلاقاته الوثقى بالعديد من الدول والانظمة العربية. 

- ولان للمجلس ذراعا عسكرية شبه نظامية عرفت بـ"فيلق بدر" والتي يقدر عديدها ما بين 10 الى 15 الف رجل، يتمركزون في ايران، وقد نقل قسم منهم قبيل الحرب على العراق الى منطقة كردستان العراقية. 

والسيد باقر الحكيم هو الابن الرابع للمرجع الراحل السيد محسن الحكيم، ولد في النجف عام 37،19 وتتلمذ على شقيقه السيد يوسف الحكيم، وعلى المفكر الاسلامي المعروف السيد محمد باقر الصدر لمدة عشرين عاما. وكان من اوائل المنضمين الى حزب الدعوة، اذ ورد اسمه في تشكيل قادة هذا الحزب، لكنه آثر الانسحاب تنظيميا منه عام 1962 بناء على توجيهات والده، الذي رأى ضرورة الفصل بين المرجعية والحزب، ولكنه بقي على تنسيق مع أنشطة الحزب وعلى علاقة وثقى بقيادته. 

يُعد السيد باقر الحكيم من المجتهدين فقهيا ومن أساتذة الحوزة العلمية البارزين في النجف، وفق ما يقوله الباحث الاستاذ علي المؤمن في كتابه "سنوات الجمر" عن تجربة الحركة الاسلامية في العراق. كذلك عمل استاذا في كلية أصول الدين في بغداد لمادة علوم القرآن والفقه المقارن بين عامي 1964 و.1975 

كما عمل في جهاز مرجعية والده ثم في جهاز مرجعية السيد محمد باقر الصدر الذي وصفه في كتبه بـ"العضو المفدى". وقد اعتقله نظام البعث في بغداد مرتين، الاولى في 1972 والثانية في ،1977 وحكم عليه بالسجن المؤبد، لكنه خرج من السجن بعد عامين اثر اعلان العفو العام. وبعد تصاعد الاحداث في العراق هاجر الى سوريا اوائل عام ،1980 ومنها الى ايران عبر تركيا بعد أشهر عدة حيث ساهم في اعادة تأسيس "جماعة العلماء" وأصبح أمينا عاما لها. 

والواقع ان وصول السيد الحكيم الى طهران واستقبال الامام الخميني له بحفاوة كبيرة، سيجعله لاحقا من ابرز الشخصيات العراقية المتعاونة مع الجمهورية الاسلامية، والسائرة في ركاب الثورة الاسلامية. 

وفي 17 تشرين الثاني عام 1982 اعلن السيد الحكيم في مؤتمر صحافي موسع في طهران تأسيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق وعرّف عن نفسه بأنه الناطق الرسمي بلسان المجلس. وبعد نحو أربعة اعوام اختير السيد الحكيم رئيسا للمجلس ومسؤولا لمكتبه التتفيذي. 

ومنذ البداية كان واضحا ان هذا التشكيل السياسي الجديد جاء ليملأ الفراغ الذي أحدثه غياب السيد محمد باقر الصدر بعد اعدامه عام 1980 وتوحيد العمل الاسلامي المعارض للاطاحة بنظام صدام حسين في ذروة الحرب بين العراق وايران. 

لذا جاء هذا التشكيل "بعد محادثات مكثفة - كما يقول الباحث علي المؤمن - بين الاطراف الاسلامية العاملة في الساحة واشترك فيها بعض المسؤولين الايرانيين، بدأت في آب 1980 واستمرت اكثر من ثلاثة اشهر، وضعت خلالها التقويمات الاساسية للقوى والشخصيات ورسم البنية التنظيمية واساليب العمل ومخططات التحرك". 

وفي الاعوام الاولى لعمل المجلس، شاركت قوى عدة منها حزب الدعوة الاسلامية ومنظمة العمل الاسلامي وجماعة العلماء وتنظيمات وشخصيات اخرى، لكن هذه المشاركة بقيت شكلية، اذ سرعان ما انسحبت هذه القوى من المجلس، او أبقت علاقتها به معنوية أكثر منها مادية، حتى ان المجلس صار، وفق تعبير أحد قياديي حزب الدعوة، طرفا من أطراف المعارضة العراقية. 

وخلال الاعوام التي تلت تأسيسه استطاع المجلس تشكيل ذراع عسكرية من اللاجئين العراقيين، ومن أسرى الحرب، ومن المحسوبين سابقا على حزب الدعوة ومن السيد الحكيم، "المستند الى تراث مركب من مرجعية والده وعلاقته التأسيسية بحزب الدعوة وعلاقته الدائمة والحميمة بالسيد محمد باقر الصدر". كما يقول السيد هاني فحص الذي يضيف "يبقى المجلس الاعلى أقوى فصيل شيعي عراقي معارض"، ولكن عليه ان يتدبر أمر علاقته العضوية بايران من دون اضطرار الى قطعها لان التبعية مشكلة والقطيعة مشكلة". 

ومن الجدير ذكره انه منذ تأسيس المجلس شنت القوات التابعة له سلسلة عمليات من قوات نظام صدّام ونفذت عمليات داخل بغداد وفي مدن عدة، واستطاعت قتل العديد من رموز النظام والمحسوبين عليه، الامر الذي دفع به الى اعدام 13 من افراد عائلة السيد الحكيم كرد انتقامي. وممّا يذكر ايضا ان البيان التأسيسي للمجلس تضمن "الدعوة الى مواصلة الجهاد ضد نظام صدام حسين، واقامة الحكم الاسلامي العادل الذي يضمن لكل مواطن عراقي حقوقه وكرامته، بقيادة الولي الفقيه"، وتخلّى المجلس في خطابه السياسي في الاعوام الاخيرة عن هذا المبدأ واعلن انه مع "عراق ديموقراطي"، بل وكسر الكثير من المحرمات، التي اعلنها لنفسه، وبدأ اخيرا سياسة "براغماتية"، حلّل بموجبها الاتصال بالاميركيين. 

ولئن كان المجلس لم يستطع ان يؤدي دورا في اسقاط نظام صدام حسين، فإنه عمل فور سقوط هذا النظام على اعادة قياداته وكوادره الى العراق، في محاولة واضحة لوصل ما انقطع، خصوصا انه بات عبارة عن تنظيم لآل الحكيم، فمعظم البارزين فيه هم من هذه العائلة، واللافت ان المجلس لا يراهن كثيرا على دور للمرجعية الشعبية ويعدّها خارج اللعبة السياسية. وما من شك في ان السيد باقر الحكيم يمتلك طموحا الى ان يكون احد مراجع النجف لاحقا، وهو يعتبر نفسه جديرا بهذا الموقع كونه يملك ثقافة المرجع ومؤهلاته العلمية ولكن الامر بطبيعة الحال يحتاج الى وقت ليس بقصير. 
 

حزب الدعوة

     ولئن كان المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق، هو التنظيم المعارض الاكثر شهرة واطلالة على الاعلام، فانه ليس الاعرق في ميدان التنظيمات السياسية المعارضة، اذ ان حزب الدعوة الاسلامية، يُعد الاكثر عراقة، والاوسع خبرة في مجال مقارعة الانظمة في العراق، منذ اكثر من 45 عاما، اضافة الى كونه يمتلك نظرية سياسية وفقهية متكاملة المعالم، وضعت اصلا لتكون على مستوى العالم الاسلامي كله، وشارك في تأسيسه ومراحل انطلاقته الاولى جمع من علماء الشيعة وطلاب حوزة النجف من دول عدة. وعموما يعد هذا التنظيم، على الاقل في مراحله الاولى، ارقى ما توصل اليه العقل السياسي والديني الشيعي في حركته الرامية الى تثبيت اطروحة ان الاسلام خلق للدين والدنيا، وبمعنى آخر هو المحاولة الشيعية الاكثر نضوجا لمحاكاة تنظيم الاخوان المسلمين، السني، الذي اسس ليكون تنظيما عالميا. 

يحوط نوع من الغموض ظروف تأسيس هذا الحزب، ولكن شبه الثابت ان انطلاقته الرسمية كإطار كانت عام ،1957 وان النجف بالذات هي رحم هذه الانطلاقة، وان مرجعيتها العلمية هي الراعية والحاضنة به، لذا فهو حزب اسلامي بامتياز غايته كما تظهر ادبياته الاولى "اعادة الاسلام الى حياة المسلمين، وتحكيم الشريعة السمحاء في الوطن الاسلامي الكبير، واقامة حكومة الله على الارض، كهدف نهائي ويسعى الى تغيير النظام الجاهلي المتحكم في المجتمع الاسلامي في مجالات السياسة والاقتصاد والحرب، واحلال النظام الاسلامي مكانه"، وفق ما يقول الباحث علي المؤمن في كتاب "سنوات الجمر". وبالطبع تحت هذه العناوين العريضة ثمة تفاصيل تتصل بالاهداف المرحلية للحزب على كل الصعد، كأن يهدف الحزب على صعيد الفرد "الى تجديد بناء الشخصية الاسلامية والاسرة المسلمة بكل مقوماتها، من تربية وثقافة وسلوك. 

وانطلاقا من كل ذلك، كان للحزب الذي ابتدأ سريا، بنى تنظيمية تحاكي الاحزاب التقليدية، وتستعير بالاخص التسلل التنظيمي المتبع في الاحزاب الشيوعية، ويقول احد المشاركين في تأسيسه الشيخ علي كوراني (انشق عنه لاحقا) ان حزب الدعوة حاول في بداياته امتلاك فكر الاخوان المسلمين، وعمل حزب التحرير الاسلامي، واداء الحزب الشيوعي. وايا يكن، فإن هذا الحزب ولد تحت سقف شروط واوضاع عدة ابرزها: 

- انه لم يكن الحركة السياسية الاولى في المناخ الشيعي في العراق، فقد سبقته اطر عدة منها "منظمة الشباب المسلم" التي أسسها عالم الدين عز الدين الجزائري، والحزب الجعفري، ومنظمة المسلمين العقائديين، وشباب العقيدة والايمان، وجماعة العلماء، ومنتدى النشر. 

- ان فكرة تأسيسه جاءت ردا على هجمة الحركة الشيوعية العراقية وامتدادها حتى عقر المرجعية في النجف، وانخراط العديد من ابناء المراجع والعائلات الدينية في هذه الحركة. 

- شعور القيادات الشيعية في العراق بالحاجة الملحة الى تنظيم سياسي ذي افق ديني، لتأكيد حضورهم. 

وقد ارتبط نشوء هذا التنظيم باسم العلامة والمفكر والمرجع السياسي العراقي المعروف السيد محمد باقر الصدر المولود في الكاظمية في بغداد عام 1935 والذي اعدمه النظام العراقي عام ،1980 وكان شخصية مميزة، وعلى قدر كبير من الهمّة واتساع الآفاق، وضخامة الاحلام والآمال. 

ويضفي عارفو هذا الرجل عليه صفات النبوغ المبكر، اذ يذكرون انه بلغ درجة الاجتهاد وهو في العشرين من عمره والف اول كتبه (فدك في التاريخ) وهو في السابعة عشرة، ويرى بعضهم انه رابع اربعة من المجددين في الفكر الاسلامي الشيعي، منذ شيخ الطائفة الطوسي حتى اليوم. 

وفي معرض الحديث عن انشاء هذا الحزب يقول الباحث العراقي صلاح خرسان في كتابه "حزب الدعوة الاسلامية" - حقائق ووثائق"، ان اول اجتماع فعلي عقد لتأسيس الحزب كان في كربلاء وفي منزل المرجع السيد محسن الحكيم، وقد حضره اضافة الى السيد الصدر سبعة آخرون كلهم من رجال الدين، بينهم السيد مرتضى العسكري، السيد محمد مهدي الحكيم، السيد محمد باقر الحكيم، الحاج محمد صادق القاموسي، وقد ادّى الجميع القسم وكان اولهم السيد العسكري (مواليد 1912) الذي كان اكبر الحضور سنا بالحاح من السيد الصدر. 

وكان هؤلاء الخمسة هم اول قيادة للحزب. ولكن من المؤرخين من يذهب الى القول ان الانطلاقة الفعلية كانت في العام التالي، ويقول الباحث علي المؤمن ان الدعاة الأوائل للحزب كانوا زملاء الإمام الصدر وتلامذته ومريديه وينتمون الى بلدان اسلامية عدة، منهم عبد الصاحب الدخيل، الشيخ عراف البصري، صالح الاديب، السيد الرفاعي، المحامي حسن شبر، الشيخ مهدي السماوي، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، السيد محمد حسين فضل الله. 

ويضيف الباحث المؤمن على الرغم من ان تأسيس الحزب كان اواخر العهد الملكي، الا انه اخذ شكله النهائي ومارس نشاطه (التنظيمي السري) بشكل واسع بعد انقلاب 14 تموز 1958 (بقيادة عبد الكريم قاسم) حين افسحت حكومة قاسم المجال امام العمل الحزبي والسياسي. ولم يكن بالطبع كل الجو الشيعي في العراق، راضيا بهذا الامر، اذ صدرت منشورات تعارض عمل السيد الصدر، ولكن الرجل واصل مسيرته السياسية وعمله الديني، فألف لاحقا كتابيه المعروفين "فلسفتنا" و"اقتصادنا" اللذين نالا رضا المرجع السيد محسن الحكيم، ووفق ما يراه الدكتور شبلي الملاط في اطروحته فإن هذين الكتابين هما أول رد علمي اسلامي على التنظيرات الشيوعية والرأسمالية في المجالين الفكري والاقتصادي، رغم انه يرى ان الرد على الفكر الشيوعي هو (ملاط) الغالب على الكتابين. 

لكن العلاقة العضوية بين السيد الصدر وحزب الدعوة لم تستمر طويلا، اذ بتأثير المرجع السيد الحكيم، وتحت وطأة رغبته في ان يكون هو (اي الصدر) اكبر من اطار حزبي، فإنه غادر الحزب رسميا بعد نحو اربعة اعوام على تأسيسه، ويقول الكاتب خرسان في كتابه عن حزب الدعوة ان هذا الخروج كان في 21/9/.1961 

ولكن هذا الخروج الذي اثار مشكلة داخل الحزب، لم يقطع علاقة الرجل بالتنظيم الذي ساهم في انطلاقته، فقد استمرت العلاقة كما كانت قبل خروجه من التنظيم، فهو كان يشعر بضرورة العمل السياسي الاسلامي المنظم واهميته، على حد قول خرسان الذي يصف العلاقة بين الدعوة والسيد الصدر بأنها "كانت اكبر من ان يحدها اطار تنظيمي فقد كان يرى فيه ما لا يراه في اي حركة اسلامية اخرى في العراق". وفي المقابل كانت الدعوة تجد في شخصه مشروعا حضاريا يتسع ليشمل العالم الاسلامي كله. 

واستطاع الحزب خلال الحقبة الممتدة منذ تأسيسه وحتى ،1980 ان يتسع وينمو ويتأصل حضوره الفكري والسياسي، عبر سلسلة مواجهات مع سلطة عبد الرحمن عارف وعلى نظام حزب البعث الذي حرّم الانتماء اليه بوصفه "حزبا علمانيا كافرا". وقد دفع الحزب الكثير من كوادره وبناه التنظيمية، وأُعدم في الحقبة التي تلت عام 1980 اكثر من 3 آلاف شخص ينتمون اليه، وهجرت البقية الباقية الى خارج العراق. وبالطبع كان اعدام السيد الصدر اكبر ضربة وجهت اليه. 

ورغم ان السيد الصدر ارتبط بشكل وثيق بالامام الخميني، ورغم دعوته (اي السيد) في اواخر ايامه الى "الذوبان في الامام الخميني كما ذاب هو في الاسلام"، وفضلا عن ان السيد الصدر هو من وضع مسودة دستور الجمهورية الاسلامية بطلب من الخميني نفسه، "وشرّع لنظرية "ولاية الفقيه"، فإن حزب الدعوة لم يذهب كله لاحقا، في هذا الاتجاه، ولم يمل كليا نحو هذا الميل فعاش وفي داخله انشقاقات عدة وهجر العديد من كوادره ولاسيما العلماء، في مقدمهم المرجع العراقي المقيم في قم السيد كاظم الحائري. وهكذا عشية سقوط النظام العراقي كان الحزب قد فقد الكثير من ألقه وحضوره، وكان قد عدل في خطابه وفكره السياسي. ويقول الباحث والمؤرخ خليل علي حيدر في كتابه "العمامة والصولجان" ان حزب الدعوة اصدر عام 1992 برنامجا سياسيا جديدا جاء فيه: "ان مبدأ الشورى والانتخاب المباشر حجر الزاوية في بناء النظام السياسي، وان السلطة ونظام الحكم في العراق يجب ان لا يقوما على اساس سلطوي فردي وطبقي وطائفي او ممثلا لمجموعة او فئة معينة بل يجب ان يكون النظام تجسيدا حقيقيا لرؤى واهداف الشعب العراقي السياسي بقطاعاته كافة". 

وقد عُدّ هذا البيان تعبيرا عن تطور فكري في الحزب، وخصوصا بعد الضربات الكبيرة التي تلقتها الحركة الشيعية العراقية والمرجعية. 

ووفق المعلومات فإن حزب الدعوة الآن هو عبارة عن ثلاثة احزاب، الاول هو الحزب الأم الذي ينطق باسمه الدكتور ابرهيم الجعفري الذي كان مقيما في لندن ومن ابرز قياداته ابو بلال علي الاديب (في ايران) والشيخ عبد الحليم الزهيري (داخل العراق) والسيد جواد المالكي (في بغداد الآن). وهناك حزب الدعوة - المجلس الفقهي ويرأسه المرجع السيد كاظم الحائري (في قم) وحركة الدعوة الاسلامية وأبرز رموزها الكاتب والمفكر محمد عبد الجبار الموجود في لندن. 

والجدير ذكره انه كانت للحزب امتدادات في لبنان وسوريا والبحرين والكويت والباكستان وافغانستان، لكنها تخلت في الآونة الأخيرة عن علاقتها التنظيمية بالحزب فيما انضم معظم اعضائه اللبنانيين الى "حزب الله" وشاركوا بتأسيسه وابرزهم الشيخ صبحي الطفيلي. وبقي المرجع السيد محمد حسين فضل الله على علاقة صداقة فقط مع عدد من رموز الحزب وقياداته. ورغم كل ما طرأ على الحزب من انشقاقات وخلافات، مما افقده بعض نقاط القوة الا انه لا يزال الرقم الصعب في المعادلة العراقية. ويذكر اخيرا انه كان لحزب الدعوة في مراحل تأسيسه الاولى علاقة متينة بتنظيم "الاخوان المسلمين" في العراق والعالم. وفي مجال الحديث عن حزب الدعوة، لا بد من الاشارة الى ان ما برز اخيرا على الساحة العراقية تحت مسمى "انصار الصدر الثاني"، هم، في شكل او آخر ما يمتون بصلة الى حزب الدعوة، لان رمزهم الاول السيد محمد صادق الصدر، هو في الاساس جزء من الحزب. ومن المعلوم ان هذا الرجل الذي بلغ مرحلة الاجتهاد، قد قتل في ظروف غامضة عام 1999 مع ولديه، وقد وجهت اصابع الاتهام مباشرة الى النظام العراقي البائد. 

ولكنه وقبل مقتله، كان قد بدأ حركة معارضة شرسة للنظام العراقي، اذ اعاد التواصل مع القواعد الشعبية الفقيرة، وبالتحديد بعد اخفاق حركة عام .1991 وفي البداية غضت السلطة العراقية النظر عن حركته ونمو مرجعيته السريع، خصوصا في لحظة فراغ كانت تعيشها مرجعية النجف بعد وفاة الامام الخوئي، ولكنه ذهب بعيدا في حركته وقام بحركات اخافت النظام، وفق قول العلامة السيد هاني فحص، منها التزامه بصلاة الجمعة الجامعة، ومنها لبسه الكفن الابيض في اثناء الخطبة والصلاة واتكائه على السلاح، فكان كمن يطلب الشهادة وهذا ما حصل لاحقا. ورغم سقوطه، فان خطه بقي مستمرا على يد ولده السيد مقتدى الصدر الذي اتهم مؤيدوه بقتل السيد عبد المجيد الخوئي في النجف وبمحاصرة منزل المرجع السيستاني. وثمة من يرى ان هناك علاقة وثيقة تربط هذا التيار بحزب الدعوة وبالمرجع السيد كاظم الحائري الذي يراه الكثيرون مرجعا روحيا لهذا التيار، الذي يستمد قواته من كونه بقي صامدا في العراق، ويواجه ممارسات السلطة وقمعها، لذا يرى السائرون في ركابه ان لهم الافضلية على سواهم الذين كانوا خارج العراق. وبالطبع فان هذين التنظيمين (المجلس الاعلى وحزب الدعوة) ليسا الوحيدين على الساحة العراقية الشيعية، فثمة تنظميات اخرى وتيارات اخرى، تتفاوت قوتها وحضورها، كمنظمة العمل الاسلامي، التي يتزعمها السيد محمد تقي المدرسي وشقيقه اليسد هادي المدرسي، اللذان اسساها عام ،1968 اتكاء على المرجعية الشيرازية، التي كانت تتمثل يومذاك بالمرجع السيد محمد الحسيني الشيرازي (توفي قبل عام)، الذي كان مقيما في قم، ولكنها على خلاف فقهي وسياسي مع القيادة الايرانية، التي يزعم انصارها انها حاصرته وفرضت عليه نوعا من الاقامة الجبرية. وقد كانت لهذه المنظمة ذراع عسكرية شنت عمليات عدة ضد النظام العراقي السابق. 

كما ان هذه المنظمة انفردت ببعض المواقف السياسية المغايرة لباقي اطراف المعارضة الاسلامية العراقية، وخصوصا ابان الحرب العراقية - الايرانية التي رفضتها بشدة مما اوقعها في خلاف جذري مع القيادة الايرانية. ومما لا شك فيه ان للتيار الشيرازي حضورا في العراق وفي دول الخليج، ولكنه ضعف بعد وفاة المرجع السيد محمد الشيرازي. 

وهناك ايضا تنظيم "حزب الله - العراق"، الذي كشف عن تأسيسه عام 1992 السيد عقيل محمد الغالبي، واعلن يومذاك انه الناطق الرسمي باسمه واكد "ان القيادات الميدانية للفصائل الجهادية في جنوب العراق قد توحدت والتقت حول محور واحد تحت اسم "حزب الله العراق" كما اعلن الاستعداد لاستيعاب كل فصائل المقاومة. ولكن ليس ثمة ما يشير الى ان لهذا الحزب حضورا لافتا في العراق، وليس من دليل على انه على علاقة بحزب الله اللبناني. وبالطبع لا تنتهي قائمة القوى المعارضة العراقية عند هذا الحد، فهناك شخصيات مستقلة ذات حضور معنوي، منها العلامة السيد محمد بحر العلوم، ارتبط لبعض الوقت بالمؤتمر الوطني بزعامة احمد الجلبي العلامة السيد محمد حسين الصدر (مقيم في لبنان) والسيد حسين الشامي (اسلامي مستقل) والشيخ محمد باقر الناصري (مقرب من السيد محمد حسين فضل الله) ويشغل الامين العام لـ"جماعة العلماء". وهناك الشيخ محمد مهدي الخالصي الذي يتزعم الجبهة الاسلامية الموحدة والشيخ جمال الوكيل الذي يتزعم "حركة الوفاق الاسلامي" التي تدعو الى حكم الاسلام، وهناك ايضا الدكتور ليث كبة (عضو سابق في حزب الدعوة وعلى صلة بالادارة الاميركية) والى "المؤتمر الوطني العراقي" الذي يتزعمه احمد الجلبي وهو الشيعي، سليل الاسرة المعروفة التي شاركت في وزارات عدة ابان العهد الملكي، هناك ايضا "حركة الوفاق الوطني العراقي التي تأسست عام 1990 بزعامة اياد علاوي - البعثي السابق، وحركة الائتلاف الوطني العراقي التي تأسست عام 2000 بزعامة العميد السابق في الجيش العراقي، توفيق الياسري وهناك ايضا نحو 10 فصائل وقوى للاقلية التركمانية (سنية وشيعية)، والتنظيم العراقي المستقل، برئاسة ابو احمد الربعي، الى شخصيات عراقية عدة كعبد الحسين شعبان، وابرهيم العاني والعقيد ابو حمد الزيادي والمنظر كنعان مكية صاحب العلاقات الوثيقة بالادارة الاميركية، واحمد الحبوبي الوزير السابق. 

وعلى ضفة القوى السنية المعارضة، فانه لا يمكن القول ان هناك اطارا سياسيا ذا فاعلية شعبية قوية، فالمعارضون السنّة هم في اغلبهم ضباط سابقون، او ممن ضمن عملوا مع النظام البعثي ثم غادروه تباعا، لسبب او لآخر، كمثل الوزير السابق عدنان الباجة جي، والعميد وفيق السامرائي والفريق نزار الخزرجي، وفارس طاهر الجادر وعزت الشاهندر، واديب الجادر (الوزير السابق) وصلاح الشيخلي، اضافة الى وجهاء عشائر سنية في محافظتي الانبار والموصل. ومن الاسلاميين السنة المعارضين الداعية الشيخ احمد الكبيسي المقيم في دولة الامارات العربية، الى بقايا جماعة "الاخوان المسلمين" وحزب التحرير الاسلامي. 

ومما يجدر ذكره ان جماعة الاخوان موجودة في العراق منذ الثلاثينات وابرز رموزها مرشدها الاول الشيخ محمد محمود الصواف، وكان له دور في مواجهة الاحتلال البريطاني وفي معارضة النظام الملكي، وقد وجه نظام البعث لها ضربات عدة واجبرها اخيرا على حل نفسها في اواسط عقد السبعينات من العام الماضي. 

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic