ضحايا يشهدون في ساحتهم.. وسميرة تبحث عن حسين

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 1 أيار «مايو» 2003

     مهلا.. لم ينته الخبر بعد.

البارحة ارتدين الاسود وأتين إلى ساحة الشهداء يحيين ذكرى من رحلوا في العراق وفلسطين. لم يكن كثيرات. حوالى مئة سيدة ومعهن بضعة رجال. جلسن إلى كراس صفت في شكل هلال. هن ناشطات في جمعيات أهلية ونواد ثقافية لبنانية وفلسطينية. “حوالى” مئة سيدة. أيحق لنا أن نسبق العدد بكلمة “حوالى”؟.. من كانت تطلع الحضور على برنامج الذكرى قالت إن الاخبار تقدر أعداد القتلى بكلمة “ حوالى”. قالت إن القتلى، الضحايا، لا يختصرون بكلمة “حوالى”. “لسنا مجرد أرقام” هو العنوان المناسب لذكرى ترفض اختصار الضحايا بأرقام. 

كتبن كلمتي “العراق وفلسطين” بأكياس ضمت شموعا ستشعل عندما تغيب الشمس. تقرأ الشهادة الاولى من أم عراقية.. تقول إقبال فرطوس (معلمة ابتدائية): حين وقع الصاروخ كان أولادي يلعبون في الشارع. رأيت مصطفى، كانت عيناه مليئتين بالدم. عانقته. ثم وجدت حيدر وكان جسمه مغطى بقطع الخشب والحديد.. حاولت أن أحمل ولدي معي، لكنني لم أستطع. ناديت حيدر لكنه لم يجب. علمت حينها أنه ميت.. كان اصبعان من يده قد قطعا واستقرت شظية في ظهره وتضرر قسم من كبده... 

تتلى رسالة أهل راشيل كوري التي دفنتها الجرافة في اسرائيل حية. وجهتها العائلة إلى أهل غزة: نشكر كل من اعتنى منكم براشيل حين ماتت وبعدما ماتت. وسنذكر دوما الاحترام والحب اللذين عاملها بهما أهل غزة في حياتها ومماتها (...) نحن نعلم أن راشيل ستبقى مرتبطة بالشعب الفلسطيني إلى الابد. وهي قد حملت قصتكم إلينا كي تبقوا دائما في قلوبنا.. 

كانت المدينة تمضي في طريقها حول الساحة الباردة وسحر طه العراقية تغني لبغداد وتتلو من قصائد شعرائها.. على بغداد ما بقيت سلاما للبياتي ويللي اسيتونا متى تذكرونا.. من التراث العراقي. غنت بينما البرد يداهم الذكرى وأرسلت إلى أهلها في العراق: “يا طير يللي رايح لبلادي.. خذ عيوني تشوف بلادي.. سلم لما توصل يا طير..”. 

غنين وعزفن وتحدثن وعرضن على شاشة انتصبت في المكان مشاهد من الغزو ومن الاحتلال. وعند الثامنة كانت الشموع في الايدي تعلن أن الاحتفاء بالذكرى قد شارف على النهاية.. ولكن مهلا.. لم ينته الخبر بعد.. 

هناك سيدة تدفع ببطء عربة فيها طفل. شابة محجبة تتلفت حولها كمن يبحث عن شخص ما. تسأل عن اسم لصحافية. أنا زوجة حسين عثمان. حسين عثمان؟ لنتذكر. في الثالث والعشرين من آذار الفائت كتبت الصحف عن فقدان الاتصال باللبناني حسين عثمان وهو من الفريق الصحافي التابع لوكالة “آي تي أن” الانكليزية واثنين من رفاقه على الجبهة الكويتية.. في الثامن والعشرين من الشهر نفسه كتبت الصحف أن عائلة حسين عثمان تناشد وزارة الخارجية الاهتمام بقضية ابنها.. لإعادته سالما إلى زوجته وطفليه. زوجته سميرة، و”عبودي”، طفله الصغير في العربة، كانا بالامس يبحثان عما قد يدلهما اليه في ساحة الشهداء. 

الوكالة تطمئن سميرة بأنها تبحث عن حسين. لكن “زوجي بعد ما بين”. انتهت الحرب. انتهى كل شيء وحسين لم يعد سالما إلى ابنيه بعد. ما الذي عليها أن تفعله. هي أتت إلى ساحة الشهداء لا للاحتفاء بالذكرى مع البقية. هي ليست في حزن. هي تنتظر. وحين اتصلوا بها ليعلموها بأن ثمة تحركا يقام ليلا في الساحة التبس عليها الكلام وظنت أنها ستعرف جديدا عن زوجها. لم تجد ما أتت لأجله ويبدو عليها أنها لم تعد تطيق الانتظار. السفارة الكويتية قالت لها إنها لا تستطيع الذهاب إلى الكويت للبحث عنه بنفسها لأن قوانين التأشيرة تحتم أن يكون زوجها في الكويت. لكنها ذاهبة للبحث عنه. عندما يطرق الباب تقفز فاطمة اليه، تعتقد ابنة الثالثة أن أباها يقف عنده. سميرة خائفة على الولدين. خائفة على حياة برمتها. “تناشد” بصدق صارخ وزارة الخارجية اللبنانية أن تهتم لمصير اللبناني الذي ما زال مصيره مجهولا. وزارة الخارجية هذه المرة هي غيرها التي كانت حين اختفى حسين. هل تتكل سميرة على الله وعليها؟ سميرة تريد الذهاب إلى الكويت بنفسها. ولن تترك طفليها. 

تاتيها تطمينات ضبابية عن زوج في المستشفى في العراق. لا تصدق. كمن يحاول التخفيف من حرارة قلبها الذي يشتعل. لكنها إلى الآن مطمئنة لسلامته. رأته مرتين. في المرة الاولى كان سليما معافى. في المرة الثانية كان أصفر الوجه يشعر بالتعب لكنه لم يكن مصابا بخدش. حلمان أتيا في نومها ليخففا من وجع انتظار موجع. 

مهلا.. لم ينته الخبر بعد. أحلى نهاياته أن ترى سميرة زوجها بعينيها تماما كما رأته في الحلم الاول.. سليما معافى ولا يشوب وجهه أي شحوب.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic