سلام الراسي: منقذ من الزوال

يوسف حاتم

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 4 أيـار «مـايو» 2003
Salam Al-Rassi - سلام الراسي
الحكـواتي

 
    
قد يظل الأدب ناقصاً وفي حنين الى جزئه الناقص إذا لم يكن في بعضه أدبَ الشعب. هذا النقصان يمكن القارىء اللبناني أن يجد هوّته قد رُدِم أكثرها بعد قراءة سلام الراسي (1911- 29 نيسان 2003). 

قال سلام الراسي في مقابلة صحافية: "أخاف أن أموت فتبقى في ذمتي حكايات الناس" وناشد في مقابلة تلفزيونية هواة "أنتيكا" المأثورات الشعبية أن يوافوه بما عندهم منها، متعهداً أن يهدي كتاباً من كتبه الى كل من يهديه الى مأثورة جديدة، فـ "رحتُ أقبض حكايات كاسدة وخبريات فاسدة وأقوالاً ملفقة وأمثالاً مرقعة، وأدفع كتباً موقعة مع مجاملات واحترامات وتبجيلات تبلغ أحياناً حدود المبالغات حتى أنفقت جميع كتبي" لكني "فطنت أخيراً الى مثل" يقول: "من يجعل تجارته اللياقات لا يقبض غير المجاملات". 

جاء سلام الراسي الى حكايات الأدب الشعبي القروي متأخراً بعدما بدأ شاعراً في شبابه. وها هو يغادر الآن تاركاً وراءه خزانة تغص بهذه المرويات حتى ليصح تسمية كتاباته "أدب الشعب" وحتى ليليق به مبايعته شيخاً من شيوخ هذا الأدب. حكايات وأقوال مأثورة وحكم وأساطير وأزجال وأسجاع واصطلاحات وأفكار وتعابير يندمج فيها النطق بالمدلول وقد استساغ حصدها بقلمه من الذاكرة ومن الألسن فباتت ملكاً للجميع محفوظةً من الاندثار والزوال شأن الكثير من الحكايات والتواريخ الشفهية. فما هو مكتوب يؤرخ للانسانية ويكون عبرة للأجيال المقبلة. 

ليس سلام الراسي جامعاً فحسب. فهو كتب الحكاية بأسلوب خاص لا يترك أمام القارىء أي ثغرة يتسلل منها الملل والضجر. إذ هي تقوم على العفوية التشويقية والخرافة. هو نفسه كان يردد أن الحكاية أبلغ وسائل التعبير. فإذا طُرح عليه سؤال أجاب بحكاية، متعوداً أن يعبّر عن آرائه بقصة تكون تطبيقاً للمثل: لكل مقام مقال. ولهذا أطلق عليه بعضهم لقب الحكواتي. وفي تعليقه على هذا الشأن قال إن النقاد لعلهم أرادوا أن يُنقصوا "من قيمة كلامي لأن الحكاية في نظرهم من سقط المتاع، ولأنها ــ بالمقارنة مع القصة ــ لا حسب لها ولا نسب، في حين يكون حسب القصة ونسبها معروفين لاقترانها باسم مؤلفها، ولكونها محفوظة في بطون الكتب لا على ألسنة عجائز القرية وشيوخها". 

شكلت طفولة سلام الراسي منبعاً عميقاً لحكاياته وأمثاله، فهو نشأ في مجتمع قروي في قرية إبل السقي الجنوبية، حيث لـ"الحكي" قيمة كبيرة. وكان شيوخ القرية يسردون في بيته الحكايات لأنها كانت حاسمة في تعزيز آرائهم وتثبيت دورها في النقاشات الدائرة. والمهم في ذلك أن تكون مقفاة بمثل لأن المثل سيد الموقف بلا منازع. 

بدأ الراسي مولعاً بهذه الهواية حتى أصبحت "مهنته". سيرته الأدبية استهلها عام 1971 بكتاب "لئلا تضيع" وأعقبه بـ"الزوايا خبايا" (1974) و"حكي قرايا وحكي سرايا" (1976)، ثم سارت القافلة. قبل ذلك عمل في سلك التعليم ثم توصل الى نتيجة مفادها أن عامة الناس هم وطنه، على قوله. عندما تقاعد تاركاً عمله موظفاً في الحكومة، اعتبر أن حياته يجب أن تبدأ بعرض ما كان في صدد جمعه، فبدأ حياة جديدة ستجعله في ما بعد شيخاً من شيوخ الأدب الشفوي والشعبي اللبناني، وإن كان ذلك لا يندرج في الخانة التي جعلت أنيس فريحة صاحب أدب رفيع وخلاّق ومثقف، ولا يندرج أيضاً في الخانة الأخرى حيث يقيم سعيداً أدب مارون عبود. وهذان بلا منازع، كل في ميدانه. 

لم يكن سلام الراسي يخفي أن الأدب الشعبي في لبنان هو أدب شعوب وحضارات، أو "هجنة" من الحكايات والأمثال تمازجت في ما بينها، لأن شعوباً متعددة عبرت في لبنان، من الغرب والشرق، وتركت ملامح من مأثورها. فمن الأمثلة الشعبية التي يصح فيها هذا الاعتبار: "لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم" الذي يعود الى أسطورة إغريقية، ومنها أيضاً عن الإنسان القريب أنه "من عظام الرقبة"، أو عن المرء الذي "لعب الفار بعبّه" انه مستل من خرافة اسبانية، أو أن "عين الحب عمياء" وهذا مثل ملموم من حكاية المانية، أو "طب الجرة على تمّها بتطلع البنت لأمها" وهو من سفر حزقيال في العهد القديم. 

ورغم اهتمام الراسي الملحوظ بهذا النوع من الأدب، لم يتمكن من الإحاطة بكل مقومات التراث القروي ــ الريفي، وهو يقرّ بذلك إذ قال مرة: "آسف لأني لم أعد أستطيع الانتقال من مكان الى اخر لجمع الحكايات، ولأن أعوام الحرب ساهمت أيضاً في أن "تروح الحكايات عليّ". كنتُ أنوي إجراء مسح عام في لبنان، وأن أجمع من كل مناطقه قصصاً وأمثالاً وخرافات لكني صرت كبيراً بالعمر (...) حكايات حرت في أمرها لأنها تسيء وتسبب حساسيات مذهبية ومع ذلك ضيعانها". 

هكذا رأى الراسي نفسه مجبراً بأسباب الحرب والشيخوخة على البقاء في منزله في رأس بيروت منتظراً من يأتيه بالخبريات محمولةً بإضافاتها ونقصاناتها وتشويهاتها، فيستعيد صوراً وملامح من حياة قروية وريفية ابتعد عنها أو خرج من مسرحها وانفصل عن دائرتها، فتبدو المباعدة عن القرية والسكن في رأس بيروت والعمل المتأخر في الكتابة كأنها تشكل عناصر ذات بصمات تكوينية في إخراج تلك الصور والحكايات والملامح ووضعها في مشهد الانبهار. فقد تشبه كتاباته مشهدية حنينية الى زمن حياة القرية وصور الطفولة المنقضية. لكنه عوض أن يوظف ذاكرته في الحنين، يجعل ما تستسيغه ذاكرته أدباً فيعكس عناصر الاجتماع القروي وشخصياته وأدواره ولا يوظف أناه بقدر ما يترك الكلام للآخرين. هو يركّب مروياته بعد أن يجمّع عناصرها من شتات اجتماعي متباين ومتفاوت ومتعدد. 

اختار "أبطاله" من أبناء قريته ابل السقي ومن بعض قرى جبل عامل والشوف وصولاً الى أبناء رأس بيروت الأصليين والوافدين: العامل والفلاح والمعاز والعتقجي والإسكافي والنادبة والناطور والمختار والجن والجنيات ورجال الدين والسياسة والطوائف والأقارب والجيران. فمن طينة هؤلاء وأمثالهم من رموز الريف اللبناني، أسس سلام الراسي خشبة مسرحه وأدبه الشعبي. على أن الرموز والشخصيات والعناصر لا تحضر إلا بعد أن يمسرح الحدث الخارجي كلامها وردود فعلها. 

يقول في بعض أحاديثه إن إبراز القيم والمفاهيم القروية قد يكون جامعاً لأبناء الوطن، لأن شخصية لبنان الحقيقية هي في زعم البعض موروثه الثقافي القروي الشفهي الذي كان، على سبيل المثال، المصدر الأول والأساسي في ثقافة الرحابنة. بل أن الأعمال المسرحية الرحبانية ــ الفيروزية أحيت مشاهدها طقوس الحنين الى القرية اللبنانية في عاداتها ومواسمها وحياتها اليومية وفي أوقاتها وأشخاصها. ولا شك في أن الرحابنة استنبطوا من التراث القروي أغاني الدبكة والدلعونا والحكايات وأدخلوها في دائرة الحداثة، والمدينية، شأن زكي ناصيف ورسامين وفنانين وأدباء صاروا في ما بعد من أهل الحداثة ولم يقطعوا مع القرى والتقاليد بل جسدوا القرية في قلب الحداثة، والريف في عمق المدينة. وهذا من علامات الثقافة اللبنانية وربما من أزماتها. 

لم يذهب الراسي في توظيف الأدب الشفهي في ما هو حداثي بل أبقاه في دائرته الشعبية. إنه "أدب الناس للناس"، على قوله. والحق أن هذا الأدب يشكل مادة خاماً لأعمال روائية شأن ما فعل ماركيز في تحويل التراث الخرافي في أميركا اللاتينية أدباً رفيعاً يُحسب له ألف حساب. 

كشف الراسي النقاب عن ألوف الأمثال التي يتم تداولها في الاجتماع اللبناني، حتى أن بعضها تعدى الحدود اللبنانية ليدخل بعض الثقافات العربية المجاورة. يقول إنه عندما نشر كتابه "حكي قريا وحكي سرايا" معتبراً "أن هذه الحكايات من تراثنا" رد عليه عبد الرحمن الكيالي من حلب موضحاً أن هذا التراث ليس تراثاً محض لبناني، وأن الأمثال والحكايات كافة تستعمل في حلب، وأن أهل المدينة وغيرها من المدن السورية يرفضون أن يقال إن هذا التراث هو لبناني فقط. 

لكن الراسي كان يدرك ما تعنيه تلك الأمثال في حكاياته. فالمثل هو الموقف، وغالباً ما يكون أصل المثل حكاية، ويكون سبب إيراده وقوع حادثة. وإذا صحّ قول فرنسيس بيكون فإن أخلاق الشعوب تٌكتشف في أمثالها إذ تُظهر مواقف أهل المجتمع وذوقهم في الأمور كافة. 

أما القيمة النوعية لفن الأمثال فقد تجسد في ما سعى الراسي الى جمعه وتحقيقه وشرحه واستعراض مناسباته التي تتوافق مع استخدام تلك الأمثال ثم تصنيفها بحسب أنواعها، بين ما جاء منها في أدب الفصحى مكتوباً بلغة يستقيم إنشاؤها، وما جاء منها على ألسنة العوام الذي حافظ على لهجته ونبرته ولكنته. 

لقد كرر الراسي القول إن المثل الشعبي يعيش في الذاكرة الشعبية لا في بطون الكتب، فبات ما فعله يستحق التقدير حين صان هذه الذاكرة من الضياع والتشتت، وجعلها جنساً أدبياً له شروطه. عندما سئل إبرهيم اليازجي رأيه عن أبلغ الأقوال أجاب: "ما وافق مقتضى الحال وبقي في البال". 

يمكن القول إن أدب الراسي هو "ثقافة البال" من العادات والتقاليد المسجلة بلغة عفوية نجد فيها ما يدعو الى التسلية والترفيه. لكننا نجد فيها ما يدعو الى التأكيد أن الأدب الشعبي هو "أدب الرجال" بسبب ما تنطوي عليه من سخرية تصبّ زيتها على المرأة التي تبدو غشيمة وقهارة في هذا النوع من الادب. 

وقد تكون حكايات الراسي مرجعاً أولياً لعلماء الاجتماع ودارسيه يعكفون عليها لاستكناه أحوال المجتمع الريفي اللبناني وتعقيداته وخرافاته. فكتبه مستودع لانتروبولجيا الريف اللبناني. وهي انتروبولوجيا في طريق الزوال.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic