"برنامج المقاومة مستمر من دون تغيير"

إبراهيم الأمين

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 5 أيـار «مـايو» 2003

     لم تنتظر قيادة “حزب الله” وصول كولن باول الى دمشق وبيروت، لتعقد اجتماعا عاجلا قررت على اثره اعفاء السيد حسن نصرالله من مهامه، وتكليفه إلقاء دروس دينية في مسجد برج البراجنة. كما قرّرت اقالة كل المسؤولين عن الجهاز العسكري، فيما كُلف الشيخ نبيل قاووق قيادة مقاتلين من المقاومة الاسلامية لنصب حواجز على الطرق العامة وبيع كل ثلاثة صواريخ كاتيوشا بألف ليرة. وبينما كان أئمة المساجد يحضون المواطنين على شراء المنتوجات الاميركية، كانت التظاهرات الغاضبة تحرق اعلام فلسطين وتطلب ازالة الشريط الحدودي المانع لتواصلها مع الشعب الاسرائيلي الشقيق. وفي قطر، فوجئ حراس مقر القيادة الاميركية في السيلية بعماد مغنية يسلم نفسه وافراد عائلته وكل رفاقه منذ الصغر. فيما كانت المحكمة العليا في اسرائيل تنظر في طلب قدمه الشيخ عبد الكريم عبيد باسم رفاقه الاسرى للحصول على اللجوء السياسي الى الدولة العبرية. وكل ذلك لارضاء عيني السيدة غونداليزا رايس التي طالبت بحل الحزب وتفكيك اجهزته قبل صياح الديك!. 

يمكن لمخيلة كاتبي سيناريوهات هوليوود تصور هذا الامر. لكن واقع الحال لا يبدو كذلك، لان الصراخ الاميركي المرتفع لا يعبر بالضرورة عن امكانية تحقيق المطالب الاميركية التي تحولت مع الوقت الى رزمة متماسكة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. الامر الذي يعني بان أي تنازل امام هذه الضغوط سيودي بكل شيء دفعة واحدة. واذا كان الجميع يتصرف على ان الاوضاع ما بعد احتلال العراق تختلف عما كانت عليه قبله، فان “حزب الله” ليس خارج هذا العالم. لكن لديه قراءته التي تحتمل التصرف بطريقة مختلفة. 

ويقول مرجع كبير في الحزب ان ما نشهده الان يعكس “استعجال الادارة الاميركية لاستثمار نتائج ما حصل في العراق. وما نسمعه ونقرأه لا يعدو حتى الان كونه تهديدا سياسيا ليس عنده القابلية للتحول الى تطبيق عملي في هذه المرحلة على الاقل، وان واشنطن تعول كثيرا على تمرير مشروع “خارطة الطريق” في الاراضي الفلسطينية. وهي تحاول احاطة هذا الامر بحماية تتطلب ازالة كل العراقيل المفترضة وكل احتمالات الخطر. ومع ذلك فهم يتوسعون في نشاطهم بطريقة نعتقد انها خاطئة، كما اننا نعرف ان الاجواء في لبنان وسوريا غير قابلة لهكذا تنازلات، وليس لدى الحزب أي نوع من المعلومات حول تعهدات سورية او لبنانية بتنفيذ المطالب الاميركية”. 

ويلفت المرجع الى ما يعتبره المؤشر الجيد في مواقف القيادتين اللبنانية والسورية ويقول: “لقد سئل وزير خارجية سوريا فاروق الشرع عن سلاح “حزب الله” فقال انه حزب لبناني وهذا شأن يخص اللبنانيين. اما الرئيس اميل لحود فقد نقل عنه قوله للوزير الاميركي انه يقدر اعلى تقدير ل”حزب الله”، وانه حزب بارز وله مكانته العالية بين اللبنانيين. وهذا يعني بالنسبة لنا ان اللغة لم تتغير لا في سوريا ولا في لبنان”. 

ويلفت المرجع الى ان “اداء الحزب بقي محافظا على طابعه المقاوم، وهو لم ينشط نهائيا خارج هذا الاطار، الامر الذي بدل الحملة الاميركية من ضربه تحت عنوان انه حزب ارهابي، الى المطالبة بإلغاء قوته كونها تمثل تهديدا لاسرائيل. وفي هذا تطور في الموقف الاميركي ما يناسب التحرك اللبناني والسوري، وهي برأينا خطوة تراجعية في السياسة الاميركية وهي في مصلحتنا، وهي تحول يجب اخذه بالاعتبار لان ملاحقة الحزب تحت عنوان المقاومة غير ملاحقته تحت عنوان الارهاب”. 

ويعتقد المرجع ان المرحلة الحالية “هي مرحلة الضغط السياسي وهي مرحلة استثمار الملف العراقي لمصلحة الملف الفلسطيني الاسرائيلي. واذا جرى النظر الى ما تريده الولايات المتحدة من سوريا بشأن العراق يمكن فهم تغيرات منطقية. اذ ان واشنطن كانت تخشى سياسة سورية ربطا بوجود النظام العراقي السابق. ومع سقوط هذا النظام لم يعد هناك أي مبرر لما تفترضه الولايات المتحدة من خطوات سورية غير مرغوبة، عدا عن ان دمشق اقفلت هذا الملف من جانبها، الامر الذي يجعل الملف الخاص باسرائيل هو الملف العملي الذي تريد الولايات المتحدة العمل عليه الان. وفي هذا المجال تريد واشنطن تهيئة المناخات والاجراءات التي توفر لها فرصة تحقيق خطوات عملية بين اسرائيل والفلسطينيين. لذلك فان المنطق يقول بانتظار التطورات في الداخل الفلسطيني حتى تتبين ملامح الخطوات الاميركية اللاحقة”. 

ويتساءل المرجع عمّا يفعله رئيس الحكومة الجديد في السلطة الفلسطينية، وهل سيلبي الشروط الاميركية بقمع الانتفاضة وهل يملك اصلا ما يتيح له مقايضة هذه الخطوة، ام انه سيفرّط بالاوراق التي بيد الفلسطينيين، وهل سيكرر التجربة السابقة التي انتهت الى عودة المواجهات. وقبل حسم الصورة في فلسطين فنحن لا نرى اجواء خطوات اميركية او اسرائيلية غير سياسية في ما يخص لبنان وسوريا، ولا نرى ان الاجواء ملائمة لعدوان من هذا النوع. ولو اننا نتصرف على اساس اسوأ الاحتمالات، لكنا اعتبرنا اننا نعيش مرحلة الضغط السياسي وليس الضغط العسكري”. 

وهل من امكانية لتنازلات تخفف الضغط القائم وتمنع تطوره باتجاهات اخرى؟ يجيب المرجع القيادي في “حزب الله” ان “ما يطلبه الاميركيون هو عمليا كل ما تبقى بيد لبنان وسوريا والفلسطينيين من اوراق قوة. وهم يريدون كل شيء وليس بيدهم لائحة تتضمن مطالب متفرقة يمكن الاستغناء عن بعضها لصالح امور اخرى. وبالتالي فان المطلب الرئيسي هو إلقاء سلاح المقاومة، واذا حصل ذلك فان لبنان لن يستطيع لاحقا التفاوض على شيء، لا على استعادة مزارع شبعا ولا استعادة الاسرى، ولا حتى مناقشة ملف التوطين. كذلك فان سوريا تعتبر ان المقاومة ذراع قوية واساسية لها في لبنان وهي جزء مكمل لقدرتها على المواجهة، وبالتالي فانه من الغريب مطالبة لبنان وسوريا بهذا المطلب، ومن ثم مطالبتهم بالتفاوض لتحصيل حقوقهم، بالتالي فانه ضرب من الخيال الحديث عن تخلي لبنان وسوريا عن سلاح المقاومة، كما ان المقاومة لا تتصرف على هذا الاساس ابدا”. 

وعن امكانية قيام هدنة في الجنوب يقول المرجع القيادي في الحزب: “نحن غير معنيين باي حديث عن هدنة وعن هدوء، وهناك برنامج عمل للمقاومة في المناطق المحتلة وهو يخضع لاعتبارات سياسية وميدانية، وهذا البرنامج مستمر من دون أي تعديل، وبالامس حلقت طائرات معادية في سماء قرانا وردت المقاومة الاسلامية بالطريقة نفسها وليس هناك من تغيير على الاطلاق. ثم اننا نقوم كل شهرين او ثلاثة شهور بعملية في مزارع شبعا، فيما تتحدث اسرائيل كل يوم عن انها سوف تضرب لبنان والحزب وتتحدث من دون توقف عن تهديد نشكله نحن لها. وهي تتصرف، ليس على قاعدة ما يحصل في شبعا بل هي لا تريد اصلا وجود المقاومة على الحدود، لا كقوة رادعة لاي عدوان اسرائيلي ولا كقوة احتياط في حال حصلت تطورات في غير مصلحة لبنان وسوريا. وبالتالي فان مشكلتها ليست بالعمليات العسكرية، وهذا ما يشرح حقيقة مطلب ارسال الجيش اللبناني الى الجنوب، والكل يعرف ان المنطقة الحدودية تقع عمليا تحت نفوذ الاجهزة الرسمية وان وجود المقاومة غير ظاهر، ولا دخل لها بما يعيشه الناس هناك، وان ارسال قوات اضافية او خلاف ذلك يرتبط بهذا الامر وليس العكس. لكن الاميركيين يريدون من ارسال الجيش التمهيد لنزع سلاح المقاومة وهذا امر لن يحصل”. 

ويوضح المرجع القيادي في الحزب ان اسرائيل تريد من لبنان وسوريا القيام بهذا الامر لانها لا تستطيع هي القيام به، ولو انها واثقة من ان عملا عسكريا من جانبها يكفي لازالة المقاومة وسلاحها لفعلت ذلك من دون انتظار أي مبرر. لكنها تعرف ان الامر اصعب من ذلك، وبالتالي فان الحزب معني بتثبيت مواقعه وان موضوع الهدوء او الهدنة ليس مطروحا على النقاش ابدا”. 

ويختم المرجع بالتأكيد على ان مهمة وزير الخارجية الاميركية كولن باول تتصل بتوفير عناصر داعمة لمشروعه الخاص بالملف الفلسطيني الاسرائيلي، وليس باي شيء اخر، ومن غير المنطقي اعتبار التهويل بمثابة انذار يجب التراجع امامه، ويعتبر ان هناك فرصا كبيرة لتعزيز الموقف اللبناني السوري من هذه الضغوط التي لن تتوقف.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic