لماذا خاتمي إلى بيروت في هذا الظرف وبأي خطاب؟

جورج علم

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 8 أيـار «مـايو» 2003

     قد يكون وزير الثقافة غازي العريضي أكثر المسؤولين إلماما بعناوين الخطاب السياسي الإيراني قبل وصول الرئيس محمد خاتمي الى بيروت، نظرا لوفرة اللقاءات وسعة المناقشات التي أجراها قبل أيام مع كبار المسؤولين في طهران. 

الرئيس محمد خاتمي محاضراً في "الحركة الثقافية" في إنطلياس عام 1996

والخطاب السياسي الذي يحمله الرئيس خاتمي هو أشبه ما يكون ب”كتاب مفتوح”، صفحاته واضحة مقروءة، لا أسرار فيه. والصفحة الأولى منه خاصة، بمعنى أنها تتعلق بالرئيس الإيراني شخصيا الذي يحب لبنان بقدر ما يعرفه، والذي يعرفه بقدر ما يعرف اللبنانيون أنفسهم في صحوة التلاقي والصفاء من أن أرضهم هي أرض الحوار، ودورهم يكتمل بالتفاعل المستمر كمختبر لتكامل الحضارات، وهذا ما عبر عنه شخصيا في مركز “الحركة الثقافية” في انطلياس قبل أشهر قليلة من انتخابه رئيسا للجمهورية الإسلامية الإيرانية خلَفا للرئيس هاشمي رفسنجاني. 

ومن هذه الخلفية بالذات يأتي الرئيس خاتمي الى بيروت وفي ملفه سؤال واحد: “أيها اللبنانيون ماذا تريدون؟ ماذا تطلبون من طهران؟ نحن بتصرفكم”. 

من هنا، فإن الرئيس الإيراني يأتي وفي صلب اهتماماته تطوير العلاقات في كافة المجالات والاستعداد العملي للمساهمة في النهوض الاقتصادي، وفي ورشة البناء والإعمار، والإصغاء باهتمام كبير الى جميع المطالب اللبنانية، ومحاولة وضع روزنامة تنفيذية لها في أقرب فرصة ممكنة. 
 

“حزب الله” 

     وما قيل بأن الزيارة، في هذا الوقت بالذات، فعل إحراج للبنان، في زمن المطالب الأميركية، هو قول غير صحيح وإن كان العديد من المراقبين يربط بينها وبين “حزب الله” ومصيره ومستقبله. 
والصفحة هذه من كتاب خاتمي واضحة، وصريحة: “نحن جاهزون لأن نستمع، ونناقش، ونساعد في كل ما هو مطلوب منا”. 

إلا أن الرد اللبناني، في هذا الموضوع تحديدا، استبق زيارة خاتمي، وجاء على لسان رئيس الجمهورية العماد اميل لحود خلال محادثاته مع وزير الخارجية الأميركية كولن باول. لذلك لا مزيد على المستزيد في هذا الموضوع... ف”حزب الله” حزب لبناني وحزب مقاوم، ومتفهم جيدا للخصوصية اللبنانية، ولحراجة الظرف وخطورة المرحلة، وأداؤه في كل المراحل السابقة خير شاهد على ذلك. 
 

عراق ما بعد الحرب 

     أما في ما يتعلق بالشأن الإقليمي فإن الرئيس خاتمي سيكرر في بيروت ما سبق أن عبر عنه للرئيس السوري الدكتور بشار الأسد عندما استقبله في طهران قبل أسابيع قليلة. هناك حلف استراتيجي إيراني سوري بتشعباته اللبنانية، وبالتالي فإن مرحلة “عراق ما بعد الحرب” هي بمنتهى البساطة والشفافية، مرحلة تفعيل هذا التحالف بحكمة وروية وبُعد نظر لاستشفاف “خارطة طريق” واضحة من التعاون والتآزر بين البلدان الثلاثة في زمن تكثر فيه “خرائط الطرق” الأميركية الإسرائيلية المفخخة والتي تحاول أن ترسم مستقبل المنطقة على وقع منطق القوة والتفرد وصراع الحضارات... 

ولعل الكلام الذي يتوق اللبنانيون الى سماعه من الرئيس خاتمي على هذا الصعيد، هو في غاية الوضوح والسلاسة، ولا أسرار فيه ولا “قطب مخفية”، ومستمَد من السياسة التي انتهجتها القيادة الإيرانية قبل الحرب الأميركية على العراق، وخلالها، وبعدها، والتي حيرت كبار الملمين بالشأن الإقليمي، والمتابعين لمجريات الأمور. 

باختصار، يمكن إيجاز الصفحات الخاصة من كتاب أو خطاب الرئيس خاتمي السياسي على هذا الصعيد، بالآتي: 

تعرف إيران أن الولايات المتحدة الأميركية قد أصبحت على أبوابها. ولأنها تعرف فقد رسمت لنفسها ب”تصميم ووضوح” الخطوط الحمراء، والسيناريوهات وخطط التعاطي، والبدائل... كل ذلك بهدوء وأعصاب باردة، معتمدة في كل ذلك على بعد حيوي استراتيجي تتميز به من خلال اكتفائها الذاتي. 

تعرف إيران أن وحدة العراق مسألة أساسية وحيوية، وهي بمقدار ما تتمتع به من رصيد ودور ونفوذ في المسألة العراقية بمقدار ما تعرف كيف تجيد لعبة الحسابات ورعاية المصالح. 

تعرف إيران أنها الهدف الأميركي الأول بعد العراق، ولأنها تعرف، فهي لن تتخلى عن ثوابتها حيال القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، والسلام العادل والشامل في الشرق الأوسط. والمشكلة حتما ليست عندها بل عند من يحاولون اعتماد سياسة المعايير المزدوجة. 

وتعرف أخيرا، وليس آخرا، أن النموذج الأميركي الذي طُبق ويُطبَّق في العراق محكوم بعقدتين، الأولى: ان نتائجه غير مضمونة بعدُ ولا يصح القول بأنه نجح فعلا، أو هو على مشارف النجاح. 

والثانية، أن ما قد يصلح للعراق لن يصلح لغيره من دول المنطقة، وإذا كانت المواجهة قد بدأت حامية انطلاقا من العراق، إلا أنها تتطلب حكمة وحنكة ونفَسا طويلا... والتجارب التي يختزنها تاريخ المنطقة خير دليل على ذلك.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic