"حزب الله" بعد سقوط بغداد

ابراهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

السبت، 10 أيـار «مـايو» 2003

     كيف يتعاطى "حزب الله" مع التطورات بعد سقوط بغداد ؟
يبحث عن توازن شعبي مفقود وسلاحه ثوابت وعدم ادارة الظهر للتطورات

رغم ان انوار مراكز دوائر القرار في "حزب الله" بقيت مضاءة طوال الايام التي سبقت زيارة وزير الخارجية الاميركي كولن باول لدمشق فبيروت، ولم تنطفئ طوال الايام التي تلت هذه الزيارة القصيرة زمنيا وما تمخض عنها من كلام، وشروط واملاءات، وما تناسل عن هذا كله من تكهنات وافتراضات تكاد تخرج عن نطاق العد، فإن عنصرين اساسيين بقيا على ثباتهما في مشهد حركة قيادة الحزب الاستثنائية، الاول: نيران مضادات "المقاومة الاسلامية" وهي تنطلق يوميا في سماء الجنوب في اتجاه الطيران الحربي الاسرائيلي، وكالعادة كانت شظايا هذه المضادات تبلغ احيانا سماء المستوطنات الاسرائيلية في الجليل الاعلى. والثاني ان قادة الحزب لم يتخلوا عن ترداد مصطلح: "لسنا قلقين"، لكل من يطرق ابوابهم مستفسرا وسائلا بلهفة من صحافيين وحزبيين وزائرين من جهات مختلفة. 

الامر بالنسبة الى الحزب، لم يكن من باب ممارسة نهج التقية حيال تداعيات حدث كبير بحجم الحدث العراقي ونتائجه الممتدة في الزمان والمكان لدرجة ان احدا في المنطقة لن يبقى بمنأى عن تأثيراته وفي المقام الاول الحزب نفسه والامتدادات التي يتكئ عليها، بل كان ناجما عن قراءة عميقة لمعادلات سياسية دقيقة، ولمعطيات مستجدة وقديمة. 

ما من عامل رئيسي او ثانوي استحضره الحزب بما فيها العامل الغيبي والديني، الذي شاع كثيرا في الشارع العربي والاسلامي، فيما كانت القبضة الاميركية تطبق على بغداد بأهون السبل مبددة كل القراءات العسكرية والاستراتيجية التي تحدثت بثقة زائدة عن امكان صمودها لاسابيع بل لاشهر، وهي احاديث كان في طياتها من الآمال والعواطف اكثر مما فيها من الحقائق الموضوعية. 

وفي عملية القراءة هذه، التي يصر البعض على تسميتها ورشة عمل استثنائية، وضعت قيادة الحزب على طاولة الدرس كل الاحتمالات والتوقعات، الاحسن منها والاسوأ، عناصر التشاؤم فيها ونقيضها. واللوحة الموضوعة امام الاعين الفاحصة تتعدى حدود لبنان، لتمتد الى فلسطين فسوريا فالعراق وصولا الى ايران بطبيعة الحال. 

ووسط كل تلك القراءات كانت تبرز طبعا، مسألة ما هو مقبل بسرعة وما هو في حكم المرجأ والمؤجل. 

في اول الاستنتاجات، كان لدى الدارسين من الجرأة الادبية ما يجعلهم يقرون ضمنا بتهافت الرهان المسبق على امكانات صمود نظام صدام حسين على الاقل على النحو الذي يجعل الولايات المتحدة لا تربح حربها على العراق بالخسائر التي تكاد لا تذكر والتي منيت بها والتي ستكون حتما من المعالم السوداء في التاريخ الذي سيكتب عن المنطقة ورياح التطورات الدراماتيكية التي عصفت بها خلال ايام قليلة نسبيا. 

طبعا تشعب السجال والحديث، وامتد الى الاسباب والدواعي السياسية والعسكرية التي افضت الى هذا السقوط المريع والمدوي لبغداد والذي حال دون تحقيق الاماني التي تملكت لبعض الوقت كل الشارع العربي والعديد من الانظمة، ان تخرج واشنطن بخسائر عسكرية وسياسية تجعلها تحسب الف حساب قبل ان تمعن في غطرستها، وتكرار التجربة، انطلاقا على الاقل من معادلة ان العراق ليس افغانستان. ولكن ما لبث القارئون ان اجمعوا على رأي يقول بضرورة ابعاد هذا الموضوع من دائرة النقاش والجدل، لتكون الغاية القصوى والعاجلة، هي البحث في عمق التداعيات والنتائج المتأتية من الحدث، وخصوصا ان هذه التداعيات والنتائج كانت قد بدأت تطل سريعا برأسها الحالك تهديدات متتالية وقاسية لسوريا وايران، وتوعدت الحزب بتصفية "دفتر الحسابات" الضخم معه. 

وثمة استنتاج اول وسريع فرض نفسه على دائرة النقاش وبقي حبله موصولا حتى الساعة، وامتدادا الى اجل غير مسمى، جوهره ان ثمة عاملا جديدا ظهر بقوة في المنطقة لا يمكن ادارة الظهر له، او حذفه من اي حساب. وهو الوجود الاميركي في العراق، وما يعنيه ذلك من صيرورة الآلة العسكرية الاميركية، في قلب المنطقة العربية، وما يحمله اصحاب هذه الآلة من استهدافات ومخططات افصحوا سابقا عن بعضها وابقوا بعضها الآخر طي الكتمان، أو رهن التطورات. 

وكانت الخلاصة ان ثمة مرحلة مستجدة تتطلب اداء مستجدا يقطع بعض الشيء مع الاداء الماضي، وعليه بنيت كل الحسابات، وأدرجت جميع الاحتمالات، فصار هذا الوجود مبتدأ كل الامور التي ستظهر لاحقا، علما ان الحزب كان يدرك منذ البداية وبصرف النظر عن مآل الحرب على العراق، انه سيكون بعدها في الصدارة والمواجهة. للحظة واحدة، وفق ما يقول بعض المشاركين في جولات النقاش هذه، لم يخطر ابدا في البال امكان ان تسحب دمشق، التي صارت وجها لوجه مع الاميركيين، عباءة رعايتها للحزب، او تفصم عرى التحالف القائم بينها وبينه منذ اكثر من عقدين. ومن البديهي ان لهذا الاطمئنان الخالي من أي ذرة من الريبة لدى الحزب، حساباته العميقة والدقيقة المبنية على تجارب وامتحانات عدة، وقراءة سياسية يأتي في صدارتها ان ما من عاقل يلقي بأوراقه ويجرد نفسه من اسلحته عند أول منعطف صعب وخطير، وخصوصا عندما يكون البديل المعروض يكاد يعادل الصفر، او أطياف وعود ضبابية وسرابية. 

اذا، برز الى الواجهة أمر أساسي او مهمة عاجلة فرضت شعار العمل على استيعاب المرحلة قبل كل شيء، والبحث عن السبل الآيلة الى هذه الغاية، وعندها عملت المعابر وقنوات التواصل المعتادة بين الحزب ودمشق بطاقتها القصوى من دون ان يتخلل ذلك زيارة رسمية للأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله للعاصمة السورية كما اشيع في بعض وسائل الاعلام. 


صورة أولية

وخلال وقت قصير كان أمام دوائر القرار في الحزب صورة أولية لمآل الامور تتكون من عناصر عدة ابرزها: 

- ان التهديدات الاميركية بتوجيه ضربة عسكرية لسوريا، وبناء على حسابات دقيقة ستبقى في اطار التهديدات والضغوط التي لها ملاحقها بطبيعة الحال، ولها ايضا غايتها العاجلة والآجلة. 

- ان المطلوب سريعا عدم التسبب بأي ازعاج للأميركيين في العراق. والحؤول دون اي تسخين لجبهة الجنوب اللبناني. 

- في عناصر هذه الصورة ايضا ان اسرائيل ستبقى يدها مغلولة، وفقا للحسابات السابقة التي أملت هذا الامر قبيل الحرب على العراق وخلالها. 

- وفي آخر هذه الصورة ان المطلوب عدم عرقل تنفيذ خطة "خريطة الطريق" في فلسطين، والتي كانت عدة ترويجها على الاقل قد بدأت قبل الحرب وفي أثنائها عبر تسمية "ابو مازن" رئيسا للوزراء في السلطة الفلسطينية واحداث هذا المنصب بغاية اقصاء ياسر عرفات عن اللعبة. 

ولكن رغم كل هذه العوامل التي تحمل في طياتها بعض الاطمئنان وتسكيناً لكثير من الهواجس، كان التفتيش والبحث جاريين بدأب عن مدى العجلة الاميركية في الضغط على لبنان و"حزب الله" لتلبية جملة مطالب سريعة، تتصل بأسماء الذين أدرجتهم واشنطن سابقا على لوائح المطلوبين بتهمة "الارهاب" والذين تدعي انهم يلوذون بالحزب، او ينتسبون اليه. 

ومرت أيام بعد زيارة باول لبيروت ودمشق حتى أعلن الحزب صراحة انه لن يسلم سلاحه ولن يسرح مقاومته في الجنوب. فهو لم يطلق هذا الكلام، الا بعدما أدرك حد اليقين أمورا أساسية، أولها ان الاميركيين وان أبلغوا الى دمشق وبيروت المطالب التسعة التي صارت خطوطها العامة معروفة، فانه لا يزال في الامكان العمل لاستيعاب الهجمات الاميركية او التلاعب بين خطوطها العريضة. 


معطيات وحسابات

ويذهب الحزب بعيدا في درسه لأوجه الاتفاق والاختلاف بين هذه المرحلة التي يقر بصعوبتها، ومراحل شبيهة مر بها من حيث حدة الهجمة الاميركية، واطلاق اليد الاسرائيلية على غاربها، وتحديدا اعوام 1982 و1993 و،1996 فيعترف بأن الظروف والمعطيات مختلفة بين الآن والسابق، ومجالات المقارنة محدودة. ولكن ثمة امكانات وفرص للمعاندة والصمود، لكي لا يلقي العصر الاميركي والاسرائيلي بظله الكامل على المنطقة. وهذه الفرص تنطلق من جملة معطيات وحسابات راهنة ومستقبلية أبرزها: 

- ان حسابات الكومبيوتر الاميركي في العراق لم تتحقق حتى الآن، وفي هذا المجال لدى الحزب قراءة طويلة عريضة تجانب المغالاة والافراط في الرهان على مقاومة عراقية قد تفرض نفسها خلال وقت معين، وتقلب الحسابات رأسا على عقب، ولكنه ينطلق من مقولة ان الاخطاء الاميركية نفسها وسياسة واشنطن الملتبسة والغارقة في غموضها حيال مستقبل الشعب العراقي، وبازاء النظام الذي ستساهم واشنطن في اقامة اعمدته ليحكم هذا البلد، ستكون أحد العوامل المفضية الى مقاومة عراقية مختلفة الاشكال، ستكون حائلا دون استقرار تام في هذا البلد، المعتاد على الحركة والرفض، والساعي الى اهداف وطنية وقومية، واستطرادا ستكون حائلاً دون ان تكون واشنطن سيدة الموقف واللاعبة الوحيدة على هذه الساحة الحبلى بالمفاجآت، والتي "تزخر بالرعود والبروق" وفق قول الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب. 

وطبعا، فإن الحزب يدرك ان من جملة المطالب الأميركية الاساسية منه هو النأي بنفسه نأياً تاماً عن الموضوع العراقي، ويرفض الدخول عميقا في تفاصيل دوره في هذا المجال، ويؤثر ان يرد الأمر الى الشعب العراقي الذي لن يحل احد محله. 

- إن تطبيق "خريطة الطريق" في فلسطين المحتلة، دونها عقبات وعراقيل لا تحصى ولا تعد، في مقدمها التعنت الاسرائيلي الذي لن يرضى بسهولة بفكرة انشاء دولة فلسطينية مهما كان شكلها وحدود سيادتها. وان الشعب الفلسطيني الذي هو في حراك دائم منذ ستين عاما لن ينصاع الآن لما يرسم. 

- مهما بلغت درجة الهجمة الاميركية على المنطقة فإن ما من احد يمكنه ان يغفل العامل الايراني ودوره الذي لا يمكن الاستغناء عنه او تجاهله في العمق العراقي. ولئن كان الى الآن في طور "المناورة" السياسية وانتظار النتائج، فإنه سيكون مستقبلا لاعبا اساسيا في العراق، وكان كلام مرشد الثورة الاسلامية السيد علي خامنئي واضحا في هذا المجال. 

هل يراهن "حزب الله" على عوامل اخرى كمثل دور الشارع العربي، وقوى هذا الشارع التي ما زالت على ممانعتها ومبادئها؟ 

لا يخفي بعض من في الحزب ان احلاما كبرى راودتهم في وقت من الاوقات وتحديدا عام 2000 وبعده، بإمكان ان يكون الحزب رافعة لحركة نهوض عربية واسلامية كبرى. وقد وجدوا فرصة كبرى لذلك، عبر قطاعات شعبية لا يستهان بها، مدت جسور علاقة معهم، ودخلت في نقاش عميق. ولكنهم كانوا يحاذرون امرين اساسيين هما: عدم الدخول في صراع حاد مع الانظمة العربية، وعدم الحلول محل احد في الشارع السياسي العربي، لانهم يعون الحواجز والجدران والسدود المفروضة، وخصوصا انهم دخلوا في اختبارات بسيطة ولاسيما مع الاردن اظهرت لهم العقبات الكبيرة، والاثمان الكبرى، والحساسيات الاكبر المعروفة. 

ولا ينكر هؤلاء انهم كانوا يتمنون من صميم قلوبهم وجود حركة عربية او اسلامية تساندهم ويساندونها. والحزب في هذا الاطار يدرك مدى الآمال العربية التي تعلق على دوره وخصوصا في هذه المرحلة. 

ومع كل هذه الخيبة التي تساور الحزب، فثمة يقين يتملكه ان التطورات التي عاشتها المنطقة منذ 1982 اثبتت بالملموس استحالة الفصل بين قضايا المنطقة وتحديدا الموضوع الفلسطيني. ومن هذا المنطلق فإن الحزب مقيم على اقتناع مفاده ان كل المحاولات الرامية الى اقصائه عن الموضوع الفلسطيني وفك ارتباطه الوثيق به لن يكون لها النصيب المطلوب من الخارج، رغم كل الضغوط الأميركية في هذا النطاق. 


سياسة عقلانية 

والذي يحذر الحزب صراحة منه في هذا المجال ان تشتد، في ظل اجواء الاحباط العربية، الضغوط عليه، بحيث يصير وجوده وسلاحه معضلة في نظر الكثيرين، فيصير في دائرة الضوء وحيدا، وتنصرف الانظار عن كل المعطيات والعوامل الاخرى، وفي مقدمها الاحتلال الاسرائيلي المزمن لفلسطين والاحتلال الاميركي المستجد للعراق. ولهذا كله، يحاذر الدخول في سجالات حادة واطلاق آراء ورؤى نارية، ويسوّغ في الوقت عينه لنفسه عدم اللجوء الى الخطابات السياسية المعهودة، ويلوذ الى سياسة عقلانية تلفت الى الثوابت التي لن يتخلى عنها وفي مقدمها سلاحه، لأنه يدرك انه التنازل الاول، ولكن ما من احد يعرف التنازل الاخير. 

وفي طيات حديث الحزب، ان المطلوب مزيد من الوقت، قد لا يتعدى شهرين، لكي تستجد عوامل ومعطيات آتية بلا ريب لتعيد الى الوضع العربي الشعبي بعض التوازن المفقود، وعليه، لا بأس من بعض العقلانية. 

واذا كان الحزب على ثقة بما يقوله الكثيرون ان قوته وقواعده وحضوره الداخلي، قد تغنيه عن امتشاق السلاح، فالقضية بالنسبة اليه ليست بندقية وسلاحا بقدر ما هي نهج يستحيل التخلي عنه قبل الحل الشامل والعادل في المنطقة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic