رؤى وتطلعات فكرية وسياسية

السيد محمد خاتمي *

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 12 أيـار «مـايو» 2003

I عراق ما بعد الحرب

Sayed Mohammed Khatami

     إن الحرب الأخيرة ضد العراق، هي من جملة الحروب التي ليس فيها أي منتصر. فالحرب في العراق شهدت طرفين مهزومين، من دون أن تشهد منتصراً في ساحة المعركة، إلا إذا استطاع الشعب العراقي أن يشكل حكومة شعبية في العراق بهمته الذاتية وبدعم من العالم كله. عندئذ يمكن القول ان الشعب العراقي قد انتصر.

إن الاحداث الجارية في العراق تؤلم قلوب الجميع، ذلك لأن الهجوم العسكري الأميركي البريطاني ضد العراق، واحتلال هذا البلد من قبل القوات العدوانية، كانا حرباً واسعة وغير متوازنة. ففي هذه الحرب، قامت أكبر قوة مادية تمتلك الامكانات العسكرية والتقنية والمعلوماتية والعلمية الهائلة، تساندها حكومة قوية أخرى بمهاجمة العراق. إننا نرى أن الحرب أينما كانت ولأي دافع كانت، فهي بغيضة وتتسبب بالخسائر والويلات. في حين أن العالم البشري بحاجة ماسة الى السلام والاستقرار والأمن، والحرب تدمر السلام والأمن.

في الحرب الأخيرة كان نظام صدام المستبد والمعتدي، هو أول المهزومين في ساحة المواجهة. وهو النظام الذي مارس الظلم ضد الشعب العراقي الشريف والمظلوم لمدة ربع قرن. ومارس حكمه الديكتاتوري وضغوطه القاسية ضد هذا الشعب، مما ألحق الأذى والخسائر الفادحة بشعبه وبشعوب المنطقة. فالنظام العراقي المخلوع قام خلال اعتدائه على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والكويت بقتل الكثير من العزل والأبرياء الذين كانوا سيقدمون خدمات جليلة لمصالح الدول الإسلامية والبشرية، وحصدهم ليكونوا ضحايا أطماعه التوسعية. لقد قتل هذا النظام أفضل الشخصيات العلمية والسياسية والدينية، وعلى رأسهم الفقيه والمفكر الفريد في عالم الإسلام والتشيع سماحة آية الله السيد محمد باقر الصدر واخته الفاضلة والعالمة السيدة بنت الهدى. إن نظام صدام المدعوم من القوى الكبرى استخدم أسلحة الدمار الشامل ضد شعبه والشعب الإيراني، فألحق بهما الخسائر الجسيمة. لهذا لم يأسف أحد في العالم لسقوط هذا النظام، ولو جاء سقوطه على يد الشعب وبأسلوب عادل لاحتفلت الكثير من دول المنطقة والعالم بسقوطه. لكن المؤسف هو أن سقوط صدام جاء عبر اعتداء عسكري آخر، واحتلال لبلد مسلم على يد القوى الكبرى.

لهذا فإننا نعتقد أن المهزوم الثاني في هذه الحرب، هو القوى التي هاجمت العراق، فلا يتصورن أحد أن الذين هاجموا هذا البلد الإسلامي باعدادهم وعدتهم تلك قد انتصروا في هذه المواجهة، بل ان أول هزيمة للمهاجمين هزيمتهم لدى الوجدان البشري، فالوجدان والضمير العالمي أدان المهاجمين في محكمته، فقبل أن تنتهي الحرب على العراق كان العالم الإسلامي والعالم الحر، بل وجميع شعوب العالم وكثير من الحكومات والزعماء والرأي العام قد أدانوا هذا الهجوم العسكري، وما زالوا يدينونه. الهزيمة الثانية للمهاجمين هزيمتهم الأخلاقية والمعنوية، ذلك لأن ما جرى ويجري في العراق من تدمير للبنى التحتية والمشاريع الحيوية وثروات هذا البلد، وقتل للنساء والأطفال والرجال يشكل في مجمله هزيمة أخلاقية كبرى للمعتدين.

لقد ذهب نظام صدام الآن، ومن الانصاف أن يمسك الشعب العراقي الشريف بزمام أمور بلده. فاحتلال العراق كان خطأ، رغم ان الشعب العراقي وجميع الشعوب المسلمة والحرة في المنطقة لم تكن تحب نظام صدام. والخطأ الأكبر هو إذا حاولت القوات المهاجمة أن تفرض على هذا الشعب نظاماً لا أخلاقياً وغريباً.

فليعلم الشعب الأميركي وليعرفِ أن السياسات الحالية لزعماء واشنطن ستعود على الشعب الأميركي بالضرر في الدرجة الأولى في المدى البعيد. على الشعب الأميركي أن لا يسمح للغرور وللتعطش للحرب وللوهم في الساحة العالمية. على الشعب الأميركي أن لا يسمح لفئة خاصة تحمل أفكاراً خاطئة وتعمل بأساليب خطرة أن تستخدم القدرات والإمكانات القومية للشعب الأميركي من أجل حفظ مصالحها الخاصة التي تتعارض مع مصالح البشرية والعالم ومصالح الولايات المتحدة نفسها. إننا نأمل أن يعيد الشعب الأميركي الكبير مسؤوليه الى التعقل، وان يجبرهم على التخلي عن هذه الأساليب غير الأخلاقية والواهية. فما زال المجال مفتوحاً أمام أميركا وبريطانيا، ويمكن لحكومتي أميركا وبريطانيا أن تسحبا قواتهما العسكرية من الأراضي العراقية فوراً، واتاحة الفرصة أمام تشكيل حكومة شعبية في العراق، لتساهما بذلك في التخفيف من المشاكل والأخطاء التي ارتكبتاها. فالشعب العراقي الذي عانى الكثير، لن يهدأ إلا بعد تشكيل حكومة شعبية عراقية. وعلى أقطاب المعارضة العراقية الذين تحملوا الخسائر الجسيمة جراء ظلم صدام، عليهم أن يوحدوا قلوبهم ويكونوا صوتاً واحداً متحدين أوفياء يفكرون جدياً في اتاحة الفرصة للشعب العراقي ليقرر مصيره. 

في هذا المجال تعرضت منظمة الأمم المتحدة الى الاهانة والازدراء، لذلك لا بد للحكومات والرأي العام العالمي أن يقدما الدعم لها لتعود الى الساحة فعالة ومؤثرة وأقوى مما كانت عليه. وان تمهد السبيل أمام الشعب العراقي ليقرر مصيره بنفسه. وعلى دول المنطقة أيضاً أن تتعاون فيما بينها وتتكاتف. وان لا تتدخل في مصير العراق وشعبه، وان لا تسمح لأي دولة أخرى بالتدخل في شؤون المنطقة والعراق. وأن تمهد السبيل من أجل تشكيل حكومة شعبية تمثل جميع فئات الشعب وتتعامل مع جيرانها بسلام ووئام وصداقة.
 

II قضية فلسطين

     إن العالم بحاجة الى السلام والاستقرار وبديهي أن السلام ان لم يكن عادلاً ومشرفاً فلن يكون دائماً كما اثبتت أزمة الشرق الأوسط ان السلام لن يتحقق مطلقاً دون احقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومن جملة هذه الحقوق الطبيعية غير القابلة للإنكار مطلقاً حقه في تقرير مصيره وعودة اللاجئين الى أرضهم وتحرير الأراضي المغتصبة وخصوصاً القدس الشريف من نير الاحتلال الغاشم. وفي منطقة الخليج الفارسي الحساسة والمهمة ينبغي لدول المنطقة أن تتولى بنفسها مهمة صيانة الأمن والسلام فيه. 

ويقوم الحل الشامل والعادل للمشكلة وبشكل جذري على إعادة اللاجئين الفلسطينيين الى أرض الآباء والأجداد ومراجعة الرأي العام بالنسبة لكافة القاطنين وأصحاب أرض فلسطين الأصليين شاملاً المسلمين والمسيحيين واليهود من أجل تحديد حكومة وطنية شاملة يكون المواطن فيها سيد القرار.
 

III لبنان

     إن لبنان يمثل اليوم موئل الحضارة والثقافة العربية. وهو عروس جميلة في هذه المنطقة. وان الدم اللبناني يجري في عروق أولادي. 
 

IV حوار الحضارات

     نحن اليوم كما في السابق نستطيع أن نقيم جسراً حضارياً يعتمد على حوار الحضارات وممارسة نقد العقلية المعاصرة ونستطيع أيضاً ان نمتلك النواة المشتركة للأديان الابراهيمية لتصوغ شعار الإنسانية المشترك من داخل التعاليم المختلفة ونجعله نموذجاً تقتدي به البشرية في حركتها نحو مستقبل متفائل. لقد مدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية يد المحبة والاخوة الى دول العالم وبالأخص الأمة الإسلامية من هنا طرحنا مبدأ حوار الحضارات الذي حظي بقبول دولي واعتبرت هيئة الأمم المتحدة عام 2001 عاماً لحوار الحضارات والثقافات.

 

* السيد محمد خاتمي، رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic