“السيد” الأكثر حضوراً في صباح خاتمي اللبناني

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الثلاثاء، 13 أيار «مايو» 2003


في استقبال الرئيس خاتمي قرب مطار بيروت

     يستدير الوجه حين يلفه الحجاب. والبارحة علت الحمرة وجه سارة المدور تحت وطأتي شمس مطار بيروت الدولي والاحساس بالعطش وقد أصاب الطفلة التي احتفلت بعيد ميلادها التاسع منذ بضعة أيام. كانت وصديقاتها ينتظرن “السيد خاتمي”. وكن، بأعدادهن الكبيرة، الصورة الاكثر فرادة في الجمع الشيعي الذي احتل أرجاء المطار ليستقبل رئيس الجمهورية الايرانية السيد محمد خاتمي. ومع أن الفئات العمرية كانت ممثلة بمعظمها في الجمع، الا ان طلاب المدارس والثانويات كانوا الشريحة الاكثر انتشارا في أرجاء المطار الخارجية، محولين المكان الى ملعب مدرسة عملاق أمضوا فيه فرصة طويلة امتدت أكثر من ساعتين يترقبون الضيف وقد ازداد بريقه في أعينهم بعدما زحفت مدارسهم عن بكرة أبيها للقائه. ومن بين هؤلاء، كانت سارة ورفيقاتها المتحلقات حول معلمات محجبات بدورهن، المشهد الاشد تعبيرا عن مجتمع يتسع باطّراد. وها هم مواليد تسعينيات القرن الماضي ينضمون الى ركبه ويلتزمون أزياءه ومفرداته.. ويقدسون نجومه. 

ورغم حياء ينسحب على معظمهن، فقد وجدت المراهقات منهن الجرأة الكافية للهتاف بانفعال صادق لأمين عام “حزب الله” السيد حسن نصر الله و”نحن جنودك حزب الله”. أما الاصغر سنا فيهن فتعلمن في المدرسة وعلى عجل هتافا غنائيا يقول: “بروحي وبدمي، جئت أحيي خاتمي”. وفي مكان آخر كانت مجموعة منهن تصرخ: “خوشاماتي خوشاماتي خاتمي خاتمي”. وعلى ذمتهن، “خوشاماتي” تعني “أهلا وسهلا” .. بالفارسية طبعا. 

مدارس مؤسسات “حزب الله” كانت كلها في المطار. وكذلك حضرت مؤسسات “حركة أمل” ومناصروها بكثافة تنفي عن الحركة فرضية انها حضرت للقيام بالواجب فحسب. فقد بدا ان أعداد رايات الطرفين كانت متساوية في أيدي الآلاف المنتظرين. وأقل منها بفارق كبير كانت الأعلام اللبنانية والايرانية. غير أن صور “السادة”، إيرانيين ولبنانيين، بالعمائم السوداء، تفوقت عددا على كل ما عداها. 

لم يعكر صفو النزهة الصباحية الجماعية شيء. هتافات من وحي المناسبة وأولاد يركضون في غير اتجاه. وحين راحت طلقات مدفع الترحيب تدوي عند العاشرة، اقترب الناس بسرعة من الحاجز الحديدي الذي يفصلهم عن الطريق. مشوارهم بدأ يصل الى هدفه وسيرون “السيد خاتمي”. هكذا، صار هتاف الترحيب به يلاحقه من الخلف ويلاقيه من الأمام حين تقع عيون الناس على الرجل بالعمامة والعباءة يلوح بيده مبتسما. “نزل من السيارة. طلعوه بالسيارة”. كانت آخر أخباره تنقل لحظة بلحظة الى من لم يقدر على رؤيته. والرؤية بالعين المجردة مغرية دوما. لذا لم يكن غريبا أن يسري الانفعال بين الحشد والتلويح بالاكف والرايات الصغيرة. ولم يجد مراهقون، تتدلى سيوف “ذو الفقار” من أعناقهم، بداً من تسلق أي فسحة أعلى من أجل رؤية أوضح. ثم.. “خلص.. شفته”. ينزل أحدهم الهمّ عن كاهله ولا يعود يعنيه أن يجرب مرة أخرى من زاوية ثانية. بيد أن الآخرين لم يحملوا ما يحمله من قناعة. فبينما السيارة تمضي بطيئة بالرئيسين لحود وخاتمي، كان الناس يركضون على الاطراف للاستمتاع أطول مدة ممكنة تحديقا في الضيف.. الى أن هدأت خواطر الصفوف الخلفية فجأة بعدما تبين أن خاتمي ترك المكان، فإذا بمغادري المطار يصنعون مسيرة عفوية ضخمة هدفها الوصول الى باصات المدارس أو سيارات الاجرة. 

لن يمضي نشاط مشترك بين الحركة والحزب من تبادل استفزاز، ولو مهذب. ولن يسمح الشاب “لحركيين وحركيات” بالمرور من أمامه من دون ان يصرخ مبتسما: “الله مع الحزب.. كلنا مع الحزب..”. وفي المقابل سيصر كشفيو الرسالة على الغناء “للقائد نبيه بري”. لكن شائبة لن تشوب الصباح المسلي عند جميع من كانوا في المطار.. هو مجرد نهار لطيف للهروب من المدرسة او للقيام بواجب وطني. 

قد لا تعرف سارة من هو السيد خاتمي لكنها تعرف عن السيد الآخر. ماذا عن زميلتها؟ زينب التي تحمل صورة لثلاثة من السادة. من هؤلاء؟ “السيد الخامنئي، السيد حسن، والامام موسى الصدر”، تقول. أطفال المكان يعرفون “سادتهم” وينادونهم بالالقاب. هم ذهبوا الى المطار للترحيب بالسيد خاتمي، لكن “السيد” الاكثر حضورا في وعيهم ومفرداتهم وهتافهم.. السيد الاكثر حضورا عندهم في صباح المطار على الرغم من غيابه كان بلا شك السيد حسن نصر الله.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic