الوجه المميز لزيارة خاتمي

ابراهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

الأربعاء، 14 أيـار «مـايو» 2003

     لعل المشهد الثابت بعناد في الذاكرة عن الرئيس الايراني السيد محمد خاتمي، هي الدمعة التي كرجت على خده وخضلت لحيته التي يكاد السواد والبياض يتقاسمها، لحظة اعلن امام الملأ ترشحه ثانية لرئاسة الجمهورية الايرانية قبل نحو ثلاثة اعوام. يومها، بكى هذا الرجل اعتذارا من شعبه لأن ثمة ظروفا موضوعية حالت دون الوفاء بما تعهد له من وعود، وبما مناه من احلام وآمال على المستويين السياسي والاقتصادي وما يندرج تحت هذين العنوانين العريضين من بنود تفصيلية. 

ضيقة هي مساحة السياسة في زيارة الرئيس خاتمي المميزة للبنان، وعريضة هي الجوانب الفكرية والثقافية في هذا الحضور، وتلك هي المعادلة التي يحبها هذا الرجل، او التي يشاء ان تطغى دوما على شخصيته، وعليه فمن ينتظرون حدثا ووقعا سياسيا مميزا وممتدا في الزيارة ستخيب الى حد ما توقعاتهم على نحو او آخر، فالكلام الذي قاله او سينطق به في هذا المجال سيكون مجرد عموميات، رددتها طهران على نحو او آخر منذ بدأت ازمة العراق، وقد تفقد الكثير من هالتها وبريقها ووهجها اذا ترافقت مع الانباء الخارجة لتوها من وراء الكواليس والابواب المغلقة عن مفاوضات في الغرف المعتمة ليست ابنة ساعتها بين ديبلوماسيين ايرانيين واميركيين. 

واذا كان مبكرا كثيرا التكهن بنتائجها او رسم حدود مآلها، فانها ولا ريب تشي بشيء ما يمرر بين ايران وخصمها اللدود الولايات المتحدة. وعليه فمن يشاء الولوج الى عمق الزيارة ومكنونها، من هذا الباب بالذات، لن يعثر الا على شحنة دعم معنوية حملها السيد خاتمي تحت عباءته، تعطي للبنان الرسمي جانبا ايجابيا، وهو يجهد كثيرا لجبه تداعيات الحرب على العراق، وهذا الجانب سيمتد ايضا بتأثيراته ليبلغ بطبيعة الحال "حزب الله" الذاهب في رحلة البحث عن عناصر وعوامل محلية ووافدة تجنب حضوره المقاوم صيرورته في موقع المعضلة والمأزق تحت وطأة الضغوط الاميركية، المنظور منها وغير المرئي. 

ووفق اكثر من مصدر، فان الحزب، لا يقيم على هذه الزيارة غير هذه الحسابات، وخصوصا انه اقر بأن ثمة مرحلة جديدة في المنطقة تحتاج الى اداء مميز وخطاب مختلف، ولغة اخرى، وهي ليست في علم السياسة المحترفة من النواقص او المآخذ. وطبعا لن تكون زيارة خاتمي المكان والزمان المناسبين لكي يوجه الى الحزب ملاحظات من نوع ما، او ارشادات من طراز معين، فالجهة الايرانية التي ينسق معها الحزب في هذا المضمار هي في مكان آخر من طهران، اذ ان بين الصور التي يرفعها الحزب في صدر مكاتبه لا توجد صورة الرئيس خاتمي، وهو امر فسر اسبابه باسهاب قبل اعوام عدة، نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، للكاتب والصحافي المصري المعروف محمد حسنين هيكل، عندما زار مكاتب الامانة العامة للحزب في محلة بئر العبد، محاولا الاحاطة بدواخل هذا التنظيم الذي اقلق اسرائيل وحرك الشارع العربي وشد انتباهه. 

ومع ذلك، فان الحزب مقيم على فرح داخلي من النتائج المعنوية، والآثار الرمزية لزيارة خاتمي، ولحضوره الطاغي في منابر اطلاق الافكار في انحاء بيروت المختلفة. فالزيارة من مبتدأها الى منتهاها، هي مدى مفتوح لاثبات حضوره الشعبي، ولاظهار مكانة ايران الدولة في الشارع اللبناني، وفي المجال الرسمي. 

في كل الاحوال فان الناظر بتمعن، لابعاد الزيارة الخاتمية، يجد الاهمية الاقصى في شخصية هذا الرجل وفي مشروعه الفكري - السياسي الذي عمل منذ زمن بعيد على تأصيله وتسويقه، وافنى اعواما من عمره باحثا في اعماق حجر الفلسفة والمعرفة ومنظومة الفقه والعقيدة عن ركائزه ومداميكه وآياته، لكي يجد له المشروعية والمقبولية، او يعثر له على مطرح ومكانة عله في قابل الايام يكتسب صفة النمو. 

ولاريب ان ثمة معاني كبيرة وخلفيات عميقة، ورمزية اعمق حدت بهذا الرجل الكبير الى ان يختار بيروت باباً يدخل منه. فلهذه العاصمة مكانتها الاثيرة عنده، وهي التي استقبلته عام ،1996 بحفاوة بالغة، ووجد في منابرها اذانا صاغية وعقولا منفتحة على مداها الاقصى، وهو يحاضر مبشرا باطروحته الفكرية المميزة. لذا فقد اختار بيروت لتطبع كتبه الثلاثة الشهيرة "بيم موج - المشهد الثقافي في ايران"، و"مطالعات في الدين والاسلام والعصر" و"مدينة السياسة"، وقد حمل معه في زيارته مخطوطة كتابه الرابع لكي يطبع في بيروت فيكمل هذه السلسلة، ويرسم المعالم الكاملة لهذه الاطروحة "المعقدة والشائكة وذات البعد التاريخي" كما يقول نائبه وساعده الايمن السيد محمد علي ابطحي. 

وغالب الظن، ان هذا الرجل، الذي امضى نحو خمسة اعوام، كما تقول سيرته، في المكتبة الوطنية الكبرى في طهران، باحثا في كتبها ومخطوطاتها، وجمع قبلها بين الدراسة الاكاديمية للفلسفة والدراسات الحوزية، هو في رحلة بحث مضنية، او في حركة تحد وجودي، ليقول الكلمة الفصل التي لم يسبقه اليها احد من مفكري المسلمين على الاقل في القرنين الماضيين. 

ولأنه مشدود بكليته الى هذا الهدف، فان كتبه الثلاثة المطبوعة بالعربية تحمل بين سطورها افكارا ضخمة وعريضة وخارجة عن المألوف في نواح عدة، فله في الحكومة الدينية شروط تفارق الى حد ما ما هو حاضر في ايران نفسها، وتراوح بين تفويض الناس لها، و"القواعد الكلية والضوابط العامة للنظام السياسي" التي فرضها الدين. وعنده ايضا نظرة خاصة للاسلام، فهو في رأيه اسلامات تمتد من ابو ذر الى ابن سينا الى الغزالي من دون ان ينسى الفارابي والمتصوفة، ناهيك بالاسلام السني والاسلام الشيعي. 

والاكثر جرأة هي النظرة الى الغرب نفسه، فهذا الحيز من العالم هو في نظره متطور متقدم بل باهر بحضارته، والاكثر ان ثمة انسجاما بين الغربي وحضارته خلافا للمسلم. 

ويذهب السيد خاتمي بعيدا جدا في نظرته الى المسيحية وضرورة الانفتاح عليها من دون قيود الماضي ومورثاته ورواسبه، فحتى التثليث المسيحي له عنده رؤية تجعله يعتبره اقرب الى النظرة الصوفية للخالق والمخلوق. 

طبعا، معالم هذه الاطروحة التي يوجزها السيد بدعوته الى "حوار الحضارات" هي ارحب من ذلك بكثير، وتحتاج الى من يعقد لها فصولا اطول، ولكن ما اسلف هو على سبيل المثال للقول ان السيد خاتمي انما يريحه كثيرا ان يكون دخوله الى بيروت، من باب الفكر والثقافة اكثر من باب السياسة وتفصيلاتها وتعقيداتها لذا لم يكن غريبا اطلاقا ان يكون لبرنامج زيارته، هذه المساحة الكبيرة للقاءات والندوات الفكرية، وان تتقلص مساحة السياسة فيها، لأنه يكفيه حملات "المتشددين" في عاصمة بلاده، ومعاركه التي لا تنتهي معهم. 

الاكيد ان لمجيء الرجل معاني سياسية هائلة في زيارته لبيروت التي هي محطة في جولة ستقوده الى دمشق فصنعاء فالمنامة، وخصوصا في مرحلة التقدم السريع للعصر الاميركي، ولكن الاكيد ان خاتمي يسعى ضمنا الى ترويج فكرة ان مواجهة هذا العصر، ربما يجب ان تكون بغير الاساليب والوسائط المعهودة. ولعل في هذا التحدي الاكبر له وللاطروحة السياسية الفكرية التي مابرح يسعى الى تأصيلها، عله لا يذرف دمعته مجددا.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic