كيف يفعلون ذلك؟

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 14 أيار «مايو» 2003

     هو ليس اللقاء الأول بين لبنان وإيران في المدينة الرياضية. في العام 2000، كان خمسون ألفا يهتفون لإيران نكاية بالفريق اللبناني الذي خذل جماهيره في كأس آسيا يومها وتلقت شباكه أربعة أهداف نظيفة ومهينة في آن للبلد المضيف للدورة الرياضية في كرة القدم. 

يوم أمس لم يكن رياضيا طبعا. لكن الزحف البشري الى الملعب بدا شبيها تمام الشبه بالحماسة التي تصل بها الجماهير لترى فريقها، وليكن المثل هو فريق النجمة.. لماذا النجمة؟ لأن هتافا مثل “الله، نصر الله، والضاحية كلها” الذي تردد أمس في استاد المدينة سمعته مدرجات المدينة مرارا قبل ذلك بحناجر جمهور النجمة. ولكن.. ما هي الفروقات “البسيطة” بين فعلي تنظيم؟ فعل تنظيم مهرجان رياضي وتنظيم مهرجان استقبال شعبي لرئيس إيران؟ هناك فارق وحيد اسمه حزب الله. 

“حزب الله لا ينسى”. هو شعار ولد مع انطلاق الحزب ورايته الصفراء. لكن حزب الله فعلا لا ينسى. في استاد المدينة الرياضية أمس لم يكن هناك من أعلام للحزب. ليس الامر مستغربا، فالحزب كان رب المنزل البيضوي الهائل الحجم، وكان يقوم بواجب التكريم على أكمل وجه لضيف رنين اسمه لا يجد الاثر نفسه في الاذن الشيعية الجماهيرية الذي يحدثه رنين اسم السيدين الآخرين: السيد حسن أو “السيد القائد” الخامنئي. ويبدو أن الحزب، بغض النظر عن اقتراب أو ابتعاد في تفاصيل السياسة بينه وبين انفتاح خاتمي وإصلاحه، لا يقبل بأقل من تكريم كامل لموقع الرجل وبلده الغالي. أكثر من ذلك، فحزب الله قادر في كل مرة ينظم فيها نشاطا، على أن يبرهن انه لا ينسى شيئا.. حتى في التفاصيل الصغيرة. والغريب هو كل هذه الامكانات التي بين يديه. هناك دائماً جهاز بشري بأعداد هائلة ينتشر في كل مكان. اللباس الموحد والبطاقة على الصدر التي تميز بين وظيفة وأخرى. جهاز تتراوح أعمار أعضائه بين مراهقين ورجال في الستين. الحزب يوزع المياه، الحزب يفتش الداخلين الى الملعب يساعده الجيش اللبناني. الحزب لا ينسى أن لجرحاه وعوائل شهدائه حق الجلوس في الدرجة الاولى المسقوفة بناءً على بطاقة دعوة مسبقة. الحزب لديه حتى “مارسيل خليفة” خاص به هو “فرقة الاسراء” ذات الشعبية الاولى بين مناصريه. وللحزب أولا وأخيرا القدرة على رفد تكريم خاتمي بالنبض الاهم للتكريم: الناس. 

حزب الله لديه “اكتفاء ذاتي” مهيب. شوارع الضاحية الجنوبية تشهد على هذا.. مطاعمها ومتاجرها ومدارسها وكل يومياتها وحتى الملصقات الاعلانية لنسوة محجبات. والمدينة الرياضية شهدت البارحة مثلا بسيطا عن اكتفاء الحزب “برمزه” حين انفجرت المدرجات صراخا هستيريا لسماع اسم قائدها على لسان محافظ بيروت. “اكتفاء ذاتي” يؤكد في كل مرة ينزل فيها الحزب الى الارض مقولة باتت عادية: حزب الله دولة داخل الدولة. 

لا ينسى. ما نراه في العادة هو قمة جبل الجليد، وما لا نراه هو متى بدأ التحضير وكيف تتم أمور التنظيم وما هي أشكال هذه الاجهزة وتراتبيتها وما الى هنالك. وما لا نراه هو كيف يأتي “السيد” وكيف تنشق الارض لتبتلع “السيد”.. ما نراه هو النتيجة. ما لا نراه هو كل ما تبقى. 

قام “حزب الله” بواجبه البارحة على أكمل وجه. على هذا، شعر مناصرو “حركة أمل” بأنهم وقعوا في فخ وجودهم كضيوف. وانسحب معظمهم قبل أن يسمعوا خاتمي يقول كلاما كان ليؤثر فيهم بشدة عن إمامهم المغيب موسى الصدر.. بيد أن “الحركيين” لم يكونوا وحدهم من راح يخلي المكان مع بدء كلمة خاتمي. الاشتراكيون لفوا أعلامهم وخرجوا أيضا وراح الملعب يفرغ شيئا فشيئا من مناصري حزب الله. وبينما الرجل يلقي كلمته، كانت الطريق خارج الاستاد مليئة بالمغادرين.. حتى لم يبق مع نهاية الكلمة إلا طرفا المنصة، النسائية من جهة والذكورية من جهة أخرى. هو أمر مثير للدهشة. لماذا جاؤوا في المقام الاول؟ سؤال قد يكون صعبا توجيهه الى خمسين ألفا. ولا يمكن اختصاره بإجابة أحد مناصري “حزب الله”.. لكن في إجابته بعض الدلالات. خاتمي ليس مرجعا يقول، لو ان “السيد القائد” هو الضيف.. “أووف”. ثم يتذكر: “كان السيد ابو القاسم الخوئي سينزل في مطار بيروت لربع ساعة فقط سنة 1972... ويزحف الناس الى المطار”. ناس المدينة الرياضية يختلفون إذاً. لم يزحفوا للقاء “المرجع” رئيس الجمهورية الايرانية. “حزب الله”، مرجعهم، هو الذي طلب منهم أن يكرموا ضيفه الكبير، وكالعادة فهم لا يرفضون لمرجعهم طلباً.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic