 |
الكلمة اللافتة التي ألقاها الرئيس الايراني محمد خاتمي خلال منحه شهادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة اللبنانية، الثلثاء الفائت، بدت كأنها صرخة يتيمة في ارض منزوعة العصب وعالم مجرّد من المعنى. لم تحدث السنوات الست التي أمضاها الرجل في السلطة أي تغير جوهري في شخصيته وأفكاره واقتناعاته ولم يكسبه الجلوس على سدة الحكم سوى المزيد من التواضع والبساطة والتشبث بالحقيقة والانسانية. وهذا أمر لم يكن ليستقيم لو لم تتوافر لخاتمي ثقافة عميقة ومتعددة المصادر وبعيدة عن الانغلاق من جهة، ولو لم تتوافر لهذه الثقافة من جهة اخرى ما يلزمها من النزاهة والأخلاق وقوة الموقف.
لم يكن أمراً بلا دلالة ان يركّز خاتمي على تلك الضلع المتصلة بالأخلاق من بين اضلاع المثلث الذي يشكل العقل والسياسة طرفيه الآخرين. كأنه بذلك لا يرد على ميكيافيللي وحده بل على كل الميكيافيليين الذين تعاقبوا على السلطة والذين برروا الوسائل بالغايات واتخذوا من شعاره الشهير ذريعة للنهب والقمع والسطو المسلح على كل ما تقع عليه انيابهم وقبضاتهم من غنائم. يستوي في ذلك بالطبع الطاغية الجلاد والطاغية الضحية، الناسخ كما المنسوخ، جورج بوش وصدام حسين، ومن خلفهما عشرات النسخ والنظائر في مشارق الأرض ومغاربها.
لقد استطاع خاتمي بدقائق قليلة ان يضرب بحجر واحد اكثر من عصفور.
فالفكر عنده ليس تلك العمليات العقلية المجرّدة التي تسبح في فضائها الهلامي منفصلةً عن جسد الارض وروح السماء، بل هو الفكر الذي تغذيه الممارسة ويرفده الواقع المعيش بقدر ما يرفد الواقع ويستدعيه الى اسئلته وهواجسه. والسياسة عنده ليست رديفة الجشع والغريزة واهواء المصالح الضيقة بقدر ما هي رؤيا واستكشاف وفعل ثقافي وربط للحاضر بحركتي الماضي والمستقبل بما يعصم الأول من الجمود ويعصم الثاني من الوهم وفقدان الهوية. ولم تظهر السلطة لدى خاتمي في وصفها نقيض الثقافة وعدوها اللدود بقدر ما بدت ظهيرها الحقيقي ووجهها الآخر، مما اعاد الى الذاكرة صورة ذلك الطراز النادر من السياسيين المتنوّرين والخلاّقين من أمثال ليوبولد سنغور وفاتسلاف هافل واندره مالرو ودو فيلبان وغيرهم.
لا أعرف ما الذي كان يدور في خلد السياسيين اللبنانيين الذين احتشدوا في قاعة الاونيسكو بقضهم وقضيضهم للاستماع الى محاضرة الرئيس الايراني. لقد عكست وجوههم الحائرة ونظرات عيونهم الهاربة مدى الحرج الذي أصابهم وهم ينصتون الى طراز من الكلام السياسي لا يفهمونه ولا قبل لهم به. فقد كان الزائر الضيف يتحدث بلغة غير لغتهم المألوفة وبكلام لا مكان له في مجالسهم وانديتهم وحواراتهم السياسية. لم يكن ذلك القادم من الشرق يشبههم في شيء بقدر ما كان يشبه ما ينقصهم في الادراك والتخاطب ونفاذ البصيرة. فمثلث العقل، السياسة، الأخلاق الذي تحدث عنه خاتمي ليس له بالنسبة الى معظمهم سوى ضلع واحدة هي السياسة في معناها الأضيق. أي المعنى المرتبط بالحيلة والتشاطر وانتهاز الفرص، لا بمعنى التبتل والتضحية والتعلق بالقيم والفضائل.
بدا الرئيس الايراني من غير زاوية كأنه يقوم بزيارة الرمز الذي تجسده صورة لبنان في عقله وقلبه لا بزيارة الحقيقة المرة التي يجسدها مستقبلوه الرسميون. فلبنان الاشعاع ولبنان التنوع ولبنان المختبر الحضاري ولبنان الحوار مع الآخر يكاد الآن يخلي الساحة بالكامل لاولئك الذين اختزلوا معناه في ذواتهم المتضخمة واختزلوا ثقافته في خطبهم الجوفاء واختزلوا تنوعه في تسلطهم الفرعوني واختزلوا ثراءه المعرفي في ثرواتهم المطّردة وحوّلوا الكثير من مثقفيه الى جوارٍ ومهرجي بلاطات.
ربما كان الضيف المثقف تبعاً لذلك ضجراً أشد الضجر من غالبية مضيفيه. ولو كان له ان يتحلل من موقعه ومناصبه الرسمية لآثر، أغلب الظن، ان يخرج على النص كما فعل على طريق المطار ليتواصل مع لبنان الآخر المتمثل بأهله الطيبين المتعطشين الى صورة السلطة ومثالها الغائبين، او لذهب مباشرة الى انطلياس ليرى صورة لبنان الذي يحب ويستكمل الحوار الذي بدأه قبل سنوات سبع. ولم يكن غريباً على من ضيّق المسافة بين السياسة والشعر ان ينهي كلمته في الاونيسكو بقصيدة السيّاب التي اعتبرها صلاة استسقاء حقيقية من أجل عودة المطر الى ربوع العراق. واذا كان خاتمي لم يسمِّ السياب بالاسم وهو يردد أبياتاً جميلة من قصيدته الشهيرة "أنشودة المطر" فقد عمد المترجم من تلقاء نفسه الى ذكر اسم الشاعر لأنه اراد ان يوفر على معظم السياسيين اللبنانيين عناء البحث عن المؤلف في كتب القراءة او الاستظهار!