العنف والإرهاب والمسؤولية

رضوان السيد

جريدة المستقبل (لبنان)

الثلاثاء، 20 أيـار «مـايو» 2003
رضوان السيد 

 

     شهد الأسبوع الماضي حدثين مهمّين: الذكرى الخامسة والخمسين للنكبة في فلسطين، والهجمات الانتحارية في الرياض والدار البيضاء. ووجه العلاقة بين الحدثين أو بين الفاجعة الأولى، والكارثة الأخيرة، أن الأولى كانت عدواناً خارجياً صادف ضعفاً عربياً فتمكَّنَ وتعملق ـ وأنَّ الكارثة الأخيرة كانت اعتداءً داخلياً قامت به في الغالب فئاتٌ من شبابنا، يؤدي ـ شاء أصحابه أم أَبَوا ـ إلى البلوغ بالنكبة الأولى ذروةً تطاولُ كلَّ عربيٍّ في عمله وبيته وأمنه، بحيث تحضُرُ إسرائيل، وتحضر أميركا، في حياتنا، ليلاً ونهاراً فقط!

ردّةُ الفعل الأولى كانت شماتة الإسرائيليين الذين رفعوا الصوت: ألم نقل لكم إنه لا عيش مع الإرهاب وقتل المدنيين؟ ثم جاء إنذار الأميركيين: لا بدَّ من الخلاص من التطرّف الإسلامي فهو كارثةٌ عليكم وعلى العالم، ونحن مستعدّون للمساعدة كما فعلنا في حربنا على الإرهاب، وفي تحريرنا للعراق! لا بدَّ من تغيير النُّظُم التربوية والتعليمية، ولا بُدَّ من إجراء إصلاحاتٍ ديموقراطية، وإن لم تكونوا مستطيعين فعلَ ذلك لحماية أنفسِكم وحماية علاقاتِكم بالعالم؛ فنحن مستعدُّون لهذا الأمر بدلاً منكم أو بالنيابة عنكم!

لا حُجَّةَ لهذا الإرهاب والتدمير الذاتي بالقول إنه ردٌّ على إسرائيل وأميركا، فالمصابون كلهم أو أكثرهم عربٌ ومسلمون، ثم إنَّ قتل المدنيين أياً كانت إثنياتهم وأُصولهم لن يضعف الولايات المتحدة، ولا إسرائيل، كما لن يردَعهما عن العدوان.

ولا حُجَّة لهذا الإرهاب بالقول إنه احتجاجٌ على الحكومات العربية والإسلامية لتصرّفاتها في الداخل أو الخارج، فقتْلُ المدنيين أو حتّى المسؤولين، لن يُضعف تلك السُلُطات، بل سيجدّد شرعيتَها بالتفاف الناس حولها من أجل أمنهم واستقرارهم.

ولا حُجَّة لهذا الإرهاب في وجود مشروعٍ سياسيٍ يتوسلُ العنف للوصول إلى السلطة. فالهجماتُ الانتحاريةُ يموتُ القائمون بها جميعاً، ولا يشكّل قادتُهم في الخارج ـ إن كان لهم قادة ـ بديلاً من أيّ نوعٍ للنظام القائم. ثم إنهم ما أعلنوا شيئاً عن أهدافهم، ولا قالوا شيئاً عن برنامجهم إن كان لهم برنامج. وهكذا فالعنف هنا عنفٌ عبثيٌّ وإجراميٌّ، ولا هدف معقولاً له يمكن التفكير فيه.

لقد مضت علينا قرابة الثلاثة عقود ونحن نعلّل العنف بالظلم الواقع علينا، وبتكلُّس أنظمتنا، ونعِظُ القائمين بالعنف في الوقت نفسه بأن الإسلام منهم براء، وأنهم بذلك يسيئون إلى الإسلام وإلى المسلمين. والواقع أنّ الهجمات الانتحارية وأعمال العنف المشابهة ليست غير حلٍ سهلٍ ومأساوي للمعاناة والعجز. وهي لن تُسقط نظاماً، ولن تردع عدواً، وستجعل الموت على شبابنا أسهل من الحياة! وأكاد أقول إنّ هذا التآكُلَ إن استمرّ، فسيوصِلُ هذا المنطقَ نفسُهُ إلى أنه في مواجهة جنون الفلتان، وعجز السلطان لا يبقى غيرك يا ملك الزمان!

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic