غربة طوني الجاثمة في مستودع الشحن بلا مستقبلين

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الثلاثاء، 20 أيار «مايو» 2003

     البارحة عاد طوني كيروز ولم يكن بانتظاره لا ورد ولا حبيبة ولا أم تقبله وتفرح بملامحه. البارحة عاد طوني الى بيروت عبر مطارها الدولي وكان بانتظاره بعض رجال من بشري، قريته الشمالية النائية. وكان بانتظاره خوري بلباس أسود وانجيل في اليد. ولم ينزل من طائرته كما كان يحلم أن يفعل. ولم ير صالة الوصول. البارحة نزل طوني في مستودعات الشحن البعيدة عن مبنى المطار في صندوق مستطيل أبيض كتب عليه بالانكليزية: "عامله بعناية فائقة". عامل التابوت الرمادي الذي في الصندوق الابيض بعناية فائقة، ففيه شاب لم تنزل أمه من بشري لتستقبله لأنها لن تقدر على مثل هذا الاستقبال. وعامله بعناية فائقة لأنه الليلة لن ينام في البيت، بل في براد مستشفى.

قبل ثلاثة أشهر غادر الى الولايات المتحدة. ويوم الاربعاء الماضي دخل لص الى متجر أخيه حيث يعمل و أرداه. على هذه البساطة تسرق الارواح. على مثل هذه البساطة تقول غربتنا كلمتها ولا تنتبه الى حزن أحد. غربتنا التي تمشي كإبرة ونلحقها كخيط وتحوكنا في كل بلاد العالم.. هي التي تنزل كصاعقة في عائلة فتمزق أوصالها من غير شفقة. ولا تمنع وجهها من أن يكون عابسا وقاسيا الى هذا الحد. مقتل طوني هو وجهها الاقسى والاشد ندرة. بيد أن لغربتنا وجوه أخرى ليست تقل قسوة عن التي رآها طوني. يكفي أن نرى أنفسنا هناك كي نعرف كم هي غريبة غربتنا. 

حين نصل الى مطار بيروت كي نغادر، يفترض بنا أن نكون رجالا. رجال ضاق بهم بلدهم الصغير و"يجب" أن يجدوا غدهم في آخر العالم. لكن الحكاية لا تتشابه عند جميع الناس. هناك من له حظ أن يسافر بإرادته. أن يذهب الى أميركا كي يتعلم ويفيد من التجربة. هناك من لا يخاف على مستقبله حين يسافر، لأنه يعلم ان مستقبله سيكون آمنا أنى ذهب. وهناك من يسافر كي يبحث عن مستقبله. وهذا هوعادة من يخاف. وهذا هو عادة من يصير غريبا. لكنه سيصر أنه رجل. سيحاول ألا يشتاق الى أحد. سيحاول أن يكون قويا وألا يبكي. لكنه سيبكي. سيكون عليه أن يفكر في الخيارات المفتوحة أمامه للجامعة وكيف سيستفيد منها. لن ينسى أن عليه إيجاد عمل، لا ليعيل نفسه فحسب بل ليكون وجوده هناك نافعا. وسيشتاق الى كل تفاصيل حياته الماضية. وفي غمرة ضجر مخيف تبذخ الولايات المتحدة في تأمينه للناس على عكس ما تشيعه "هوليودها" عنها، سيفكر في الهرب ولن يجد الى ذلك سبيلا. 

"يفترض" بنا أن نكون رجالا في الغربة. هكذا علمتنا دروس الهجرة اللبنانية. لكن يبدو أننا لسنا رجالا كفاية. يفضحنا ضعفنا هناك. يعرينا من آخر "رجولتنا" ونصاب بكل ضعف العالم. نصير كما الناس في السجن. لا نحكي عن يومنا الا لماما وكل ما نحكي عنه يكون في الماضي المتروك خلفنا.. في حياتنا السابقة التي تصير، في لحظة، بعيدة عنا بعد المسافة بين أميركا ولبنان. طوني أشد وجوه الغربة إيلاما، لكن للغربة وجوه أخرى. حكايات نجاح ومستقبل باهر. هي فترة تمر. هكذا نقول بعضنا لبعض وهكذا يقول الهاتف الآتي من لبنان. فترة وتمر. كيف ستمر؟ وكيف سنقدر على كل هذا الشعور بالقهر لأننا اضطررنا الى الغربة؟ ومن قال أن الفترة التي ستمر ليست مهمة وأننا لسنا نخسرها في الخوف من غد وفي تمضية الوقت بإنتظار العودة ولو للزيارة. من قال أن الرجال لا يتألمون؟

البارحة كانت غربتنا جاثمة في "مستودع الشحن". يسمى كذلك لأن "البضائع" التي تحمل في صناديق الطائرات تنزل هناك أو تحمل من هناك الى العالم. كانت غربتنا جاثمة في المستودع حين صف تابوت ثان اتى على الطائرة نفسها بالقرب من تابوت طوني. وكانت هناك مجموعتان من الناس. تابوت طوني في صندوق من الكرتون المقوى. التابوت الثاني في صندوق من خشب. مزق الكرتون وكسر البيت الخشبي للتابوتين. الاول رمادي والثاني ذهبي، واسم طوني مكتوب بخط صغير فوق مغلف ملصق الى غطاء تابوته. لكن المجموعتين اضطرتا الى التأكد. هل من طريقة أخرى للتأكد؟ لا. علينا أن نفتح التابوت لنرى. هكذا تأكدنا من طوني، وهكذا غادر الشاب الاخر ابن الثامنة والثلاثين في تابوته من دون أن نعرف ما هي حكايته. بعد قليل رفع طوني الى سيارته التي غادرت بدورها. سيارة الموتى التي حملته الى براد مستشفى على أن يدفن اليوم عند الخامسة عصرا في قريته.

هناك صندوق ثالث أيضا. صندوق مركون الى زاوية خارج المستودع. توحي استطالته بأنه تابوت، وكان المكان قد صار يوحي بذلك. التابوت الثالث يجلس وحيدا ليس معه احد من الاحياء ولا أحد يعيره انتباها. التابوت ملفوف بقماش خيش. عليه ختمان لبنانيان بالشمع الاحمر. وعلى سقفه ألصقت صورتان للصفحات الاولى من جواز سفر. الاسم المكتوب بالانكليزية ليس واضحا. سن الولادة واضح: 1966. الوجه الاسمر في الصورة واضح أيضا: شابة تبتسم. هذا التابوت لها وهي في داخله. وهي تنتظر من يحملها الى الطائرة ويعود بها الى سيريلانكا حيث ستستقبل بالكآبة نفسها التي استقبل بها لبنان ابنه العائد. يجهل كل الموجودين حكايتها. هي "سيريلانكية". وهي التي ظلت وحيدة بعدما غادر الجميع. لسنا وحدنا من له غربة. هي أيضا لها غربتها.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic