الانتصار وإعادة الروح الى الوحدة الوطنية

ابراهيم بيرم

مجلة الإنتقاد (لبنان)

الجمعة، 23 أيـار «مـايو» 2003

     بعد أيام قليلة على سقوط بغداد في يد الأميركيين، وفيما كان وزير الخارجية الأميركية كولن باول، يجول في عواصم المنطقة حاملاً في جعبته سلسلة إملاءات ومطالب وشروط، يسبقه سيل من التهديدات والإنذارات الصادرة على لسان كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، وفيما كان حبل التكهنات والتأويلات يمتد ويطول عن قرب تداعي آخر مواقع الممانعة والقوة العربية، صدرت الصحف اللبنانية وهي تحمل في صدر صفحاتها الأولى كلاماً منسوباً لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود، مفاده وجوهره، "أنه إذا كان باول سيأتي الى بيروت ليهدد ويتوعد، فالأفضل أن لا يأتي".

هذا الكلام، عده البعض في حينه، أمراً لافتاً يحمل في طياته وثناياه نوعاً من المغامرة والمكابرة غير المحسوبة العواقب، والتداعيات.

غير أن الذين كانوا على تماس مباشر مع الحدث ومع الحسابات المبنية على الوقائع والمعطيات الملموسة والثابتة، كانوا يدركون، أن هذه المواقف الصلبة، في هذه المرحلة الصعبة باعتراف الجميع، إنما هي لا تنطلق من قاعدة "قل كلمتك وامشِ" بل هي في جوهرها وعمقها تتكئ بشكل أساسي على ساعد المقاومة في الجنوب وعلى رصيدها الكبير في عمق الإجماع اللبناني، وقبل هذا وذاك على الإجماع اللبناني الذي يفتح يديه ليحتضن هذه المقاومة، ويضفي عليها غطاءَ شرعيةٍِ محكم النسج.

ولأن لهذه المقاومة هذا الثبات، ويتوافر لها هذا البحر الشعبي الذي تسبح في غمراته، والى هذا الارتباط الوثيق العرى بينها وبين كل المواقع الرسمية، كان للرئيس لحود من الشجاعة والحكمة، في أن يبادر الى قطع اتصال هاتفي كانت تجريه معه ذات ليلة من ليالي عام 2000 وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت، وتنقل إليه وكالعادة تهديدات إدارتها وإنذاراتها تحت عنوان "ضرورة تهدئة الأوضاع في الجنوب" قائلاً لها: "اعذريني حان وقت نومي وتصبحين على خير".
 

الحجر الأساس

     ولعل الرئيس الدكتور سليم الحص، كان خير من فسر، عن عمق هذين المشهدين، وألقى الأضواء على أسبابهما ودواعيهما، وأماط اللثام عن سر هذه المواقف المميزة واللافتة واستطراداً التاريخية.

ففي الذكرى الأولى لتحرير الجنوب، كتب هذا الرجل مقالاً قال فيه ما مضمونه، انه قبل المقاومة ودورها في المواجهة والجهاد، لم يكن هناك وطن بالمعنى الحقيقي، كان الوطن أوطاناً، وكان أهله أقواماً وأشياعاً شتى، وهذه الصورة السوداء كانت تتوارى شيئاً فشيئاً بعد كل ضربة موجعة تنزلها المقاومة بالمحتل الإسرائيلي، وتحطم جبروته، وتنهي أسطورة تفوقه، وتبدد بالمقابل مقولة ضعفنا وعجزنا، ليحل محلها معادلة أخرى ديدنها عودة الدولة من غيابها، وعودة الروح والثقة الى شعبها بنفسه وبإمكانية المواجهة.

ومن المرجح أن الرئيس الحص كان يريد أن يخلص من كلامه هذا الى فكرة مفادها، أن المقاومة ورحلة جهادها الطويلة والشاقة، كانت الحجر الأساس، الذي عليه أعيد بناء الدولة الوطن، واستطرداً، توافر للبنانيين فرصة أن يستردوا وحدتهم الوطنية وعصبها الاساسي، وناظمها الرئيسي.

لذا لم يكن غريباً، أنه في اللحظة التي أرخى فيها الحدث العراقي وتداعياته المعروفة، وطأته وثقله على الوضع العربي عموماً واللبناني خصوصاً، وبلغ الصلف الأميركي ذروته القصوى، بتهديدات الإدارة الأميركية، الداعية جهاراً الجميع بلا استثناء أن يسارعوا قبل فوات الأوان الى تهيئة أنفسهم، وإعادة ترتيب كل شؤون حياتهم، من ثقافة وتربية وسياسة وأمن واقتصاد واجتماع وفق مدونة سلوك أميركية الصنع نشرت عناوينها وأبلغت الى من يعنيهم الأمر، لم يكن مفاجئاً، أن لا يرتفع صوت واحد، له قيمة وحضور وتأثير في لبنان، ان يشكك بالمقاومة، أو يقبل بالمنطوق الأميركي بأنها جزء من تسمية "الإرهاب" المطلوب استئصاله، على الرغم من كل التسانيات والتجاذبات السياسية الحامية التي شهدتها الساحة اللبنانية طوال أشهر خلت، وطاولت في حينها الكثير من مقومات العملية السياسية.
 

احترام وتقدير

     ولعل الكلام الصريح والواضح الذي سمعه وفد قيادة حزب الله من كل القيادات الروحية والسياسية، التي التقاها وقابلها أثناء جولته، خلال الأيام الأخيرة من حرب السيطرة على العراق والأيام التي تلتها مباشرة، كان خير معبر عن هذا التوجه، الذي يمكن التأسيس عليه بقوة للاستنتاج بأن الانتصار الذي صنعته سواعد المقاومين في الجنوب إنما ساهم في تمتين الوحدة الوطنية، وجعلها الى حد بعيد حقيقية لا تقبل الجدال والسجال، وصيرها بالتالي قاسماً مشتركاً لجميع اللبنانيين، على تنوع طيفهم السياسي والديني، يسمو على كل الخلافات الداخلية، ويرقى الى مرتبة أعلى من كل حساباتهم الضيقة.

فوفق مصادر هذا الوفد، فإن البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، أكد ما مفاده أننا نعي أن جميع اللبنانيين باتوا في مركب واحد، وأن عليهم الحفاظ على حسن سير إبحار هذا المركب، وبالتالي صونه من الغرق، من خلال الحفاظ على وحدتهم الوطنية، وجعلها بمنأى عن أي رياح خارجية مهما كانت درجة هبوبها.

ومن الواضح أن هذا الموقف لسيد بكركي، ليس جديداً، فالجميع ما زال يذكر له مواقفه، إبان المرحلة التي تلت أحداث 11 أيلول/سبتمبر وما تخللها وأعقبها من هجمة أميركية عاتية، كان من أبرز ظواهرها تصنيف كل من لا يقبل بالنهج الأميركي بأنه في خانة "الإرهاب"، وقد وضع وقتها المقاومة الإسلامية في هذه الدائرة، ومارس كل جبروته على لبنان لكي يتبنى هذا الشعار الزائف، حينذاك أعلن البطريرك صفير أنه لا يوافق إطلاقاً على هذا التوصيف، ويعتبر المقاومة شرعية وأدت دورها الشرعي في تحرير الأرض اللبنانية المحتلة.

وهذا الموقف عينه نقله البطريرك صفير الى رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد محمد خاتمي خلال لقائه به، إبان زيارته للبنان، في 12 الشهر الجاري، إذ أعرب أثناء هذا اللقاء عن تفهمه لدور المقاومة التي يقودها "حزب الله"، وأبدى إعجابه وتقديره لسلوك الحزب، وأنه "يأمل التعاون معه للبقاء في صف واحد".

وهذا التقدير الكبير لدور الحزب والمقاومة سمعه الرئيس خاتمي أيضاً خلال لقائه بكل المسؤولين اللبنانيين السياسيين والروحيين، ما جعله يقول لوفد الحزب خلال لقائه به: "إنكم محل احترام في لبنان والمنطقة، وسمعت عن دوركم والأداء الذي تسلكون، لكن من خلال هذه الزيارة لمست بشكل مباشر الإشادة غير العادية بدوركم وحكمتكم وأسلوب عملكم، ولم أسمع من أي طرف أو شخصية التقيت بها إلا الكلام الحسن عنكم، وأن التعاون معكم قائم، وهذا أمر يسرنا، ونحن نرتاح كثيراً لأن هذا الحزب المقاوم محل احترام وتقدير من غالبية هذا الشعب، وهذا هو الرصيد الأساسي الذي يبقى لأي قوة تعمل في هذا الاتجاه".

ولئن كان الرئيس خاتمي قد أكد بجلاء أن هذه الدرجة السامية من الاحترام الذي تلقاه المقاومة وحزبها، من المجتمع اللبناني بكل تلاوينه، هي مصدر اعتزاز للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن ما من أحد بإمكانه التغاضي عن حقيقة صارت راسخة في المسرح السياسي اللبناني، مفادها، أن الانتصار المدوي للمقاومة في 25 أيار/ مايو عام 2000، قد ساهم بشكل كبير في تحرير الإرادة اللبنانية من "الاحتلال السياسي" الذي مارسه العدو الصهيوني، إبان احتلاله للأراضي اللبنانية، وقبلها بعقود زمنية، ليكون هذا التحرير المزدوج للأرض والإرادة، رافعة أساسية لتمكين الوحدة الوطنية وإرسائها على قواعد وأسس ثابتة يصعب زعزعتها أو حتى التأثير عليها.
 

النهوض الوطني

     ولم يكن ذلك غائباً أبداً عن وعي قيادة المقاومة الإسلامية، في يوم من الأيام، ان الانتصار على المحتل هو منطلق أي نهوض وطني أو قيامة حقيقية للبلاد واستطراداً للدولة وعودتها من حال التشرذم الذي كانت تعيشه منذ أعوام بعيدة، تماماً كما ان الالتفاف الشعبي حول المقاومة لتمكينها من تحقيق الانتصار، هو رافد أساسي، يسرع في عودة الروح الى الوطن.

سماحة السيد حسن نصرالله في بنت جبيل
السيد نصرالله يلقي "خطاب النصر والتحرير" في بنت جبيل

ومن هذا المنطلق، ولأجل هذه الغاية النبيلة، وقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بعد أيام قليلة على تحقيق الانتصار الكبير، في بنت جبيل، ليطلق وقتها تصريحه الذي ما برح مدوياً في أرجاء البلاد والذي اهدى خلاله هذا الانتصار الى جميع اللبنانيين والعرب والمسلمين والأحرار في العالم، وليؤكد أن هذا الانتصار ليس لجهة أو لفئة أو لطائفة، إنما هو لجميع اللبنانيين من دون أي استثناء.

والمؤكد أن السيد نصر الله كان يضع وقتها نصب عينيه، فكرة أن هذا الانتصار مهدد بالضياع، ما لم ينعكس صراحة على الداخل اللبناني، وحدة وطنية متينة، تكون نقطة الانطلاق لتعزيز فكرة الوطن الواحد المحصن بالثبات والديمومة، وليس الاهتزاز والترنح أمام أول عاصفة تهب من أي جهة.

وبالإجمال فإن السيد نصر الله كان يرسي بكلامه هذا، أسس "بنيان سياسي" جديد على عالم السياسة ليس في لبنان فحسب، بل في كل التجارب المماثلة في العالم، إذ كان يعطي إشارة الرفض لمقولة ان السلطة والحكم من حق أي جهة أو قوة تحرر الأرض من مغتصب أو محتل، كان يعكس الآية الى حد بعيد، ليقول ان الأولوية والأحقية هي لبناء دولة ووطن يبسط ظله على جميع أبناء هذا الوطن.
 

فرادة الخطاب

     من عمق هذه الفرادة في الخطاب السياسي شاء "حزب الله" ومقاومته، أن يساهم الانتصار الكبير، الذي كلف ما كلف من جهد وتضحيات ودماء، في تعزيز عملي للوحدة الوطنية، لتكون الأساس المتين، لترسيخ الدولة وتمتين الوطن، وليس لجعل هذا الانتصار جسر عبور الى غير ذلك، وهو في عرف العالم والتجارب السياسية أمر مباح ومشرّع. 

والأكيد أن هذه التجربة التي لا مغالاة في القول بفرادتها، كانت تنطلق من بعد نظر وقراءة عميقة ومسؤولة للحاضر والماضي، وحرص على هذا النصر المبين، يقابله حرص على الوطن وديمومته، أثبتت الأيام صدقه.

فالتاريخ اللبناني المعاصر، شاهد حي بكل تفاصيله، أن الوطن اللبناني لم يفقد مناعته أمام رياح الخارج، إلا لأن الوحدة الوطنية كانت غائبة ومغيبة، ومما لا شك فيه أنه من هذه الخاصرة الرخوة، انفتح الداخل اللبناني على مصراعيه أمام رياح الأطماع الصهيونية التي لا ترحم، فوجد أول رئيس للوزراء في الكيان الصهيوني موسى شاريت، الفرصة مؤاتية لاستغلال هذا الضعف والوهن، ليضع مخططه الشهير، ويعمل من خلفه في سدة هذا المنصب بوحي منه، وهو المخطط الذي يقوم على فكرة الاستفادة من غياب الوحدة الوطنية اللبنانية، لشراء ضابط مسيحي (ماروني بالتحديد) ليكون حصان طروادة الى العمق اللبناني، وهذا ما كان. ولأن قيادة المقاومة، حريصة كل الحرص على أن لا يبدد هذا العدو، هذا النصر المبين، بالسياسة، كانت حريصة أشد الحرص أن ينعكس انتصار الخامس والعشرين من أيار/ مايو على الداخل اللبناني، وحدة وطنية متينة، ومفارقة للوحدة الواهية التي قامت بعد نيل الاستقلال في عام 1943، بسبب فقدان الدولة العادلة، المنيعة بوحدة أبنائها الوطنية والتي تكون بكل تأكيد عصب أي دولة، وناظم أي وطن، يعصمه من مخاطر التداعي.

ولقد بات من نافل القول ان ثمة علاقة جدلية، بين التحرير والمقاومة وبناء الدولة في لبنان.
 

الوحدة والدولة

     فقبل أن تثبت المقاومة وتؤكد حضورها الميداني الفاعل، كانت الإرادة اللبنانية الواحدة غائبة تماماً، وكانت الثقة بقيام الدولة مفقودة كلياً، وكان المجال مفتوحاً أمام شتى انواع المشاريع الطائفية التي جربت حظها في البلاد، امتلكت في بعض المراحل جمهوراً وحضوراً ظن البعض أنه خالد أبدي. ومما لا شك فيه أن مداميك أبنية هذه المشاريع كانت تتداعى حجراً حجراً مع كل ضربة يلحقها المقاومون بالآلة العسكرية الصهيونية، ومع كل صرخة ألم ووجع يطلقها أصحاب هذه الآلة ومسيروها، وفي المقابل فإن الروح كانت تعود تدريجاً الى الوحدة الوطنية الغائبة، والى أن ثبت بالمطلق أن عصر المقاومة قادم، و"العصر الإسرائيلي" زائل لا محالة، فقامت على أساس هذه المعادلة التي كانت تعبر عن نفسها الدولة من جديد في عام 1990، وكان عصبها يشتد بعد ذلك، حتى كان النصر والفتح المبين بانبلاج فجر 25 أيار عام 2000، فصار الوطن وطناً بعد أن كان ممزقاً وأشلاءً ومشاريع، وصارت الوحدة الوطنية أمراً محققاً، وإن كان البعض يرفض حتى هذه اللحظة تصديق ما حصل واعتباره كأنه شيئاً عابراً، أو يضع نفسه في خانة المعارضة، مفتعلاً معركة غايتها ليس الإصلاح، بل إرساء معادلة جوهرها طائفي ولا شيء غير ذلك... وتلك دونها صعوبات كبرى، ورهانات يثبت توالي الأحداث عقمها.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic