بنت جبيل الناس والتاريخ وذكريات الاحتلال

حسن نعيم

مجلة الإنتقاد (لبنان)

الجمعة، 23 أيـار «مـايو» 2003

  

     عندما وصلنا الى "بنت جبيل" كانت أشعة الشمس قد استبدت بأحيائها العتيقة وبشوارعها المثلومة بفعل حفريات ورشة الأشغال التي يتذمر الناس عادة في بلادنا من الإطالة غير المبررة لأمدها.. نحن في ساحة بنت جبيل عاصمة التحرير، ولا شيء يوحي بما هو خارج المألوف.

لكأن هذه البلدة التائهة بين ملامح القرية ومعالم المدينة التي لم تبرأ من وجع الاحتلال، أتقنت إخفاء آلامها وتغطية الندوب العميقة التي تجرِّح وجهها بنقاب من الصبر والشكيمة ورباطة الجأش.

حركتها العادية وهدوء ساحاتها وخلوّها من الزحام يذكرك بحقيقة هذه البلدة المهاجرة بأحلام أبنائها الى أقاصي الأرض، وركون بيوتها الناعسة في تلك الوهدة يحيلك الى ما ورد في تقرير بعثة "إرفد" في أوائل الستينيات عن بنت جبيل، بأنها بلدة نائمة تستيقظ في الأسبوع يوماً واحداً هو يوم الخميس، أي يوم انعقاد السوق التي يجتمع فيها التجار من لبنان وسورية وفلسطين.. ولكن أي سوق وأي خميس؟ يتساءل بمرارة أحد أصحاب المحلات التجارية ويتابع قائلاً: "ما في شيء، الحركة واقفة، والناس ما معها مصاري، بعد التحرير الدولة لا تهتم فينا". وتساءل عن الفرق بين اليوم والأمس مستدركاً: "هو، هو وما في نسبة، هلق انفرجنا، انفرجنا بالمعبر، صرنا نروح ونجي، لا هات هويتك ولا لوين رايح ولوين جاي".. ويضيف الرجل الستيني: أنا اعتقلوني ست مرات، آخر مرة أخذوني الى "الـ17"، هلق الوضع ممتاز، ولكن ما في أشغال..".


تمشي في أزقة بنت جبيل، تشعر بأنك تسير داخل حلم لطالما راود أبناءها.. جدران البيوت الصخرية البيضاء تعيدك الى القرن التاسع عشر، وشوارعها العتيقة تخفي أحداثاً وذكريات عن أيام مضت، لكنها تترك الباب مشرعاً لتيار متدفق من الصور والأحاسيس والأفكار التي تتركك نهباً لمونولوغ طويل مع الذات كي لا تضيع الذاكرة.. ذاكرة بنت جبيل الحية التي صادقت التاريخ وسافرت معه واحتفظت لنفسها منه بكيسٍ وافر من الآثار اليونانية، الرومانية والبزنطية، والتي ما زالت حتى الآن شاخصة للعيان.
 

بزي

     "بنت جبيل" كانت التاريخ، بنت العلماء، بنت المهاجر، بنت المعاناة، بنت التحرير لا فرق.. ما دام الجوهر واحداً فلا بأس في أن تتعدد الأسماء. نمشي في أزقتها نتلمس مخارمها بين المنازل التي تكاد تختفي وراء أشجار التين واللوز والزيتون وعرائش العنب، يسلم علينا شبانها من دون سابق معرفة، ويتطوع بعضهم لهدايتنا الى منزل مؤرخ البلدة الباحث الدكتور مصطفى بزي، الذي يستقبلنا بابتسامته الوادعة في منزله التراثي الذي تطغى على أثاثه المقتنيات الأثرية والمشغولات التراثية الحرفية المحلية. نرتاح في الصالون، يطلب لنا قهوة ويبدأ الحديث:

"ليس لدينا وثائق لمعرفة التاريخ الحقيقي لبنت جبيل. أقدم ذكر لها يعود الى عام 1478م، حينها كانت عاصمة لآل علي الصغير ومركزاً رئيسياً لأسرتي "آل سودون" و"آل مشطاح". كان "آل سودون" سنة 1478 على خلاف مع والي نابلس الذي جهّز جيشاً وقصد جبل عامل، ولما وصل الى بنت جبيل طوّق منازلها بخيوله ورجاله، فقتل رجالهم وهزم جندهم وشتت أنصارهم من آل شامي وآل مشطاح، واستسلمت البلاد.. قبل هذه الفترة لا يوجد أي ذكر لبنت جبيل في التواريخ".

لكن الآثار الموجودة في البلدة تؤكد أن البلدة كانت موجودة منذ أقدم العصور.. نسأل فيجيب مضيفنا: "نعم الآثار الموجودة والماثلة للعيان حتى اليوم، تثبت أن شعوباً عديدة مرت على هذه البلدة وتركت آثاراً، خاصة الآثار اليونانية والرومانية والبيزنطية. وبعد الفتح العربي دخلت ضمن الدولة الإسلامية، وتشيّعها كان ضمن تشيع معظم مناطق جبل عامل على يد الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري.

ثمة آثار في ساحة البلدة عليها كتابات رومانية، وهناك مدافن وثنية ومسيحية وأعمدة على طراز أعمدة بعلبك، وآبار كانت تدعى "آبار كفرية"، أي أنها تعود الى الكفّار. تعتبر "بنت جبيل" من أكثر القصبات محافظة على التراث العمراني القديم، وهناك بيوت ما زالت موجودة ومحافظة على نمطها المعماري القديم منذ مئة عام، شارك في بنائها بناؤون من خارج البلدة، وخاصة من مدينة صفد في فلسطين ومن صور ومن بعض قرى الجوار. وليس من قبيل الصدفة أن الصهاينة ركزوا عند اجتياحهم عام 1978 قصفهم على معظم البيوت الأثرية في السوق والأحياء القديمة المحيطة به، كما يفعلون اليوم في أحياء نابلس القديمة من جرف للأحياء التراثية ومعامل الصابون التي تعود الى مئات السنين، وكما فعل الاحتلال الأميركي بمتحف بغداد وبآثاره ومكتبته الوطنية التي تحتوي على مخطوطات تعود الى مئات السنين".

نعيد تصويب الحديث مع مضيفنا الى مزايا "بنت جبيل"، فيقسمها الى ميزتين أساسيتين:

أولاً: طرقاتها التي كانت الى عهد قريب مرصوفة بالحجر بالأصفر، وتنظيمها الهندسي لجهة أقنية المياه التي كانت تصب في مكان واحد هو بركة بنت جبيل.

ثانياً: انها أول بلدة أُنيرت في المنطقة قبل وصول التيار الكهربائي في الستينيات، حيث ان بلدية "بنت جبيل" منذ الثلاثينيات أنارت كل طرقات بنت جبيل وساحاتها بقناديل الكاز و"اللوكس". فبلدية بنت جبيل كانت تلزم إضاءة القناديل و"اللوكس" الى ملتزمين، وهناك حي ما زال حتى الآن يُدعى "تحت اللوكس".
 

محطات أساسية في تاريخ بنت جبيل

     ـ موقف بنت جبيل من جمعية الاتحاد والترقي العثمانية: انسحب زعماء البلدة في أوائل القرن الماضي من هذه الجمعية بعد أن كشفت عن أهوائها الحقيقية في تتريك العرب واستبدال الهوية العربية بالهوية التركية وإحلال اللغة التركية محل اللغة العربية.

ـ الاحتلال الفرنسي: كانت بنت جبيل سبّاقة في مقاومة الاحتلال الفرنسي بعد فرض الانتداب الفرنسي عام 1920، من خلال رجالها الثوار الذين قاوموا الاحتلال وعملاءه في أكثر من موقعة. فجرد الجنرال نيجر حملة عليها قوامها 4.000 جندي نهبوا البلدة ثم أحرقوا بيوتها.

ـ المحطة الثالثة كانت عام 1934 عندما وقفت ضد المستشار الفرنسي باتشكوف خلال الانتخابات، وفي عام 1936 عندما قادت بنت جبيل أبرز انتفاضة ضد الانتداب وضد شركة الريجي الاحتكارية وتأييداً لشعار الوحدة السورية وتأييداً لانتفاضة الشعب الفلسطيني الذي ثار بقيادة الشهيد الشيخ عز الدين القسام.

ـ المحطة الرابعة عام 1948 عندما أصبحت بنت جبيل مقراً لجيش الإنقاذ وبعض الجيوش العربية التي حاولت استرجاع ما احتل من فلسطين. يومها قدمت بنت جبيل شهداء، وكان فيها مستشفى لمعالجة الجرحى الفلسطينيين والعرب، وكان بإدارة الدكتور محمد جميل بزي وطبيب آخر من فلسطين من آل طوماز.

ظلت بنت جبيل تقوم بواجبها الشرعي والوطني في مقاومة الاحتلال الصهيوني الغاشم، حيث عانت من قبله من الإذلال والقهر، وكانت تدفع ثمن رفضها ومقاومتها عدداً كبيراً من الشهداء الوطنيين والإسلاميين، خاصة شهداء المقاومة الإسلامية.
 

تحت الاحتلال

     عن فترة الاحتلال يحدثنا بزي الذي بقي في بلدته لا يبارحها إلا للتعليم في الجامعة: لقد كانت فترة الاحتلال من أصعب الفترات التي مرّت فيها بنت جبيل، فعلى الصعيد الاجتماعي هاجر معظم أهاليها عائلات وأفراداً الى الغرب بوتائر سريعة، حتى بلغ عدد سكانها في أوائل عام 1996 (3748 نسمة). من الناحية الاقتصادية مُني القطاع الزراعي بخسائر فادحة نتيجة التوقف نهائياً عن زراعة التبغ والمزروعات الأخرى، كذلك أصيبت الحِرف بتراجع كبير، وخاصة مهنة صناعة الأحذية، فبعد أن كان في البلدة 200 معمل أحذية عام 1976، تراجع الى ما يقل عن 10 معامل. على الصعيد السياسي كان هناك حالة من الضغط والقمع والإرهاب، فقد أُجبر عدد كبير من أبناء البلدة على مغادرتها، وأودع عدد آخر في معتقل الخيام واستشهد ثلاثة شباب من البلدة في المعتقل هم: هيثم دباجة، أسعد بزي وإبراهيم أبو العز.
 

يوم التحرير

     كان يوم 23 أيار/ مايو مشهوداً في تاريخ بنت جبيل، ففي ليل الثلاثاء هربت فلول الاحتلال تحت جنح الظلام، وانتهى بهروبها ليل من الظلم والخوف والإرهاب خيّم طويلاً على بنت جبيل ومعظم قرى الجنوب والبقاع الغربي، وعادت بنت جبيل الى الوطن..

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic