ديمقراطية الصواريخ

بول شاوول

جريدة المستقبل (لبنان)

السبت، 21 حزيران «يونيو» 2003
Paul Shaoul - بول شاوول 

     كدنا ننسى ان حروباً همجية اندلعت عندنا على امتداد خمسة عشر عاماً، واستُخدمت فيها كلُ أنواع السلاح والقتل والإبادة والتهجير وقصف المناطق السكنية والملاجئ والمستشفيات والجامعات والمدارس والأفراد والجماعات بالصواريخ والمدافع. كأن كل هذه الجرائم التي ارتكبتها الميليشيات "المعسكرة"، والعسكر "الممليَش"، صارت في ذمة زمن آخر، وشعب آخر، ومجرمي حرب آخرين.

كدنا ننسى ان الحروب التي ساهم عددٌ لا بأس به من الأنظمة والتنظيمات العربية وغير العربية، وأميركا وإسرائيل، وأحياناً بالتكاتف والتضامن والتكافل، لتدمير تجربة هذا البلد المميّزة (قبل الحرب)، أنبتت وأفرخت حالات عنف هستيرية، وطائفية مجنونة، وتقسيمية مخيفة، ما كان يمكن ان تُحقق (بالنسبة الى الميليشيات المعسكرة) سوى بترويع المجتمع المدني، واستبدال هويته السلمية والديمقراطية "بهوية" أخرى مغلقة، إلغائية، قاتلة.

كدنا ننسى، ولا حنين، ولا لهفة الى تلك السّحن المعروقة والممصوصة والممجوجة بالقتل، والبربرية، ومناخات الفوضى والانتحارات الجماعية والفردية والعبثية المروعة. 

كدنا ننسى كل هذه الجرائم التي تدرّب مرتكبوها إمّا على النموذج العربي الرسمي الفاشي (قتل الآخر وإخضاعه) أو على النموذج الصهيوني البربري واللانساني. كدنا ننسى كل هذه التواريخ السود (وقد قبل اللبنانيون عن خوف أو تساهل أو على مضض تبوؤ بعض مرتكبي المجازر والعملاء أمكنتهم في السلطة وفي الحكم وفي الحكومة وفي المؤسسات المدنية)، حتى "فوجئنا" منذ أيام بقصف الاخبار في مبنى تلفزيون "المستقبل" وإذاعة الشرق بصاروخين تحت جنحي الظلام والجبن.

واللبنانيون الذي هالهم هذا الاجرام والقصف، شعروا في الوقت نفسه ان الحرب يمكن ان يجددها من كان يجددها في الماضي، وبالأسلحة ذاتها، والأساليب الوحشية ذاتها، وبالذهنية الفاشية ذاتها، وربما الطائفية ذاتها.

كنا قد شعرنا أنّ ثقافة القتل والعنف والإلغاء والفرض والدكتاتورية، قد تراجعت ولو مادياً، وإن غَزَتْ، بفضل كثير من صُنّاعها، عقول شبابنا والأجيال التي نمت أو ولدت في تلك الحروب المشؤومة أو بعدها. وكنّا نقول "لا بأس. الحياة أقوى من الموت، والأحياء أقوى من الموتى. ومنطق الصفقة التي تميّز الفولكلور السياسي اللبناني قد تكون قادرة، ولو مرحلياً، على امتصاص تلك الحالات المرضية، وبناء مواطنية جديدة".

لكن جاءت تلك الرسائل المتعددة "الشيفرة" (من عالم الموتى والماضي) لتفهمنا اننا نكون ساذجين وبلهاء وتافهين وجهلاء، إذا تفاءلنا، ورأينا، عبر بعض المظاهر والظواهر التي تراكمت على مدى عشر سنوات، ضد منطق القوة، ان ثقافة القتل هذه قد زالت أو ضعفت، أو هزُلت أو شحبت. بل كأن من شيفرات الرسالة الصاروخية (التي خطط لها ونفذها أناس من ذوي ذهنيات مجرمي الحرب) انه إذا جُدّد العمران والبناء، فثقافة القتل التي ما زالت موجودة في قاع النفوس وفي ذاكرتهم يمكن ان يستنهضوها وان لا خطوط حمراً ولا صفراً ولا خضراً إزاء إرادة قلب كل شيء على الرؤوس والناس والإنجازات.

رسالة حربية تتضمن من الترويع والترهيب ما تتضمن من الإصرار على استرجاع منطق الاستباحة والتقسيم، واللامعقول، والفوضى، وتهديد الوطن الصغير، بِبَشَره وحَجَره. وكأن من الشيفرات ما يقول، ان منطق الحريات (حتى النسبية)، والديموقراطيات (حتى المحدودة)، والمجتمع المدني (حتى المبتسر)، والتعددية (حتى المموهة بأحادية)، لا تكون سوى أوهام يوتوبية قاتلة، إذا لم تجمع بقبضة حديد قوية تستوعبها، لا لخدمتها، وتطويرها، وإنما لتحويلها أداة في يد واحدة، وصَدَى في صوت واحد، وها نحن نعود الى زمن الصوت الواحد (وكأن لا أحد من هؤلاء "الصوتيين" استوعب درس صدام حسين)، وبالقوة والحديد والنار والملفات والسجون والتهديد. هكذا نفهم من شيفرات الرسالة الصاروخية "الديمقراطية". وإذا شئنا البحث أيضاً عبر فك رموز تلك الرسالة، لاكتشفنا (عبر طريق توجيهها وتفسيرها من بعض المسؤولين ذوي الخط السياسي الواحد)، أنها مجرد رسالة أولى، أو مجرد تحذير، أو إنذار لمن يهمهم الأمر، ولن تكون الأخيرة. وهذا مرتبط بمدى تجاوب من وُجّهت اليهم الرسالة بآراء موجهيها وسلطتهم؛ رسالة إخضاع وإسكات وكمّ أفواه وبصم.

لكن المسألة لا تتوقف بالنسبة الى مرتكبي جريمة الحرب هذه التي كادت تودي بحياة زملاء موظفين في تلفزيون "المستقبل" وإذاعة "الشرق"، عند هؤلاء، ولا عند ما ترمز اليه، ولا عند المستهدف السياسي المباشر، بل تنسحب أيضاً على كل من "تسوّل" له نفسه (الأمّارة بالسوء والنضّاحة بحقائق أخرى) ان ينطق سواء باسم حرية التعبير أو الديمقراطية أو التعددية، ما يمس قدسية القرار المفروض والرؤية المفروضة، والحضور المفروض.

يعني انها رسالة مفتوحة الى كل المجتمع المدني. رسالة مدججة بالصواريخ والمدافع وإشارات القتل والتهديد والترهيب. ولهذا لم يستنكر الناس فقط جريمة الحرب الجبانة هذه لأنها استهدفت مؤسسة إعلامية وشخصية سياسية معيّنة فحسب، وإنما أدركوا أنهم أيضاً من ضمن المستهدفين المقبلين الموضوعين على اللائحة، إذا تجرأوا أو نطقوا، بما يخالف أو ينتقد، أو "يسيء" الى من لا يجوز انتقادهم و"الإساءة" إليهم.

وعندها يجب على مكوّنات المجتمع المدني (أو ما تبقى منها) من نقابات وأحزاب وصحف ومجلات وتلفزيونات ومثقفين وقيادات وشيب وشبان وطلاب وعمال وفلاحين وموظفين، إمّا ان يلتزموا قواعد الخضوع الذهبية، والسير في ركب "القوة"، وإمّا الصواريخ. والصواريخ يبدو أنها كثيرة عندهم (وإن لم توجه الى حيث يجب ان توجه: الى العدو الصهيوني الذي ما زال يحتل جزءاً من أرضنا في الجنوب). إذاً، من يحمل في جعبته كلاماً أو فلسفة أو مشروعاً ما، لا ينسجم مع أهل الصواريخ من مجرمي الحرب، فليرمها كلها، ويقبع في منزله أو في مكتبه أو في حقله... ينتظر الأوامر لينفذها وإلاّ...

ولا بدّ من ان نسأل: مَنْ هم رُوّاد ترويع المجتمع المدني الذين نقصدهم؟. قد نقول إنهم ظاهرة تسربت من فلول الأنظمة التوتاليتارية أو بقايا الميليشيات التي انخرطت بذهنياتها في نسيج الحياة السياسية، لكن ليسوا هم الذين قصدهم وزير الداخلية، أي الاسلاميين الذين صاروا فعلاً "شمّاعة" أو مشجباً قد يُعلّق عليها كثيرٌ من المجرمين جرائمهم، لكي تكون العملية مفتوحة، ولا سيما ان وزير الداخلية (وسواه) أراد قطع الطريق على الوصول الى هؤلاء... باستباق التحقيق أي بختامه قبل ان يبدأ... فمبروك!

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic