وبعدُ، الانتفاضة إلى أين؟

سليم الحص *

جريدة السفير (لبنان)

الثلاثاء، 1 تموز «يوليو» 2003
الرئيس سليم الحص

     بعد أن أعلنت ثلاثة من فصائل المقاومة، حماس والجهاد الإسلامي وفتح، الهدنة لثلاثة أشهر، يقتضي طرح السؤال: الانتفاضة الفلسطينية الى أين؟ ما هو مصيرها؟ 

ينبغي أولاً التذكير بأن الانتفاضة الفلسطينية لم تنطلق أساساً حركة مقاومة مسلحة، وكانت تُعرف بانتفاضة الحجارة، إذ كانت حركة الاعتراض على الاحتلال الإسرائيلي تقتصر على التظاهر ورشق الحجارة على قوات الاحتلال، وكان الأطفال في واجهة المجابهة. وكان الطفل محمد درة أبرز شهداء تلك المرحلة. 

كانت صرخة أطفال فلسطين آنذاك مدوّية ومعبّرة، فاستقطبت الانتفاضة عطف الرأي العام العربي والدولي ودعمه ومساندته. كان التعبير عن رفض الشعب الفلسطيني الاحتلالَ الإسرائيلي بليغاً، وكانت إسرائيل خلال تلك الحقبة هدفاً للانتقاد والاستنكار، وإلى حد ما في موقع العزلة. وكان لاستشهاد الطفل محمد الدرة من الوقع على الرأي العام العربي والعالمي أكثر من أي عملية من عمليات المقاومة المسلحة. 

إن وقف العمليات المسلحة لا يعني انتهاء المقاومة للاحتلال. فالمقاومة لا بد من أن تستمر ولو في شكلها السلمي، ومن تجلياتها الإضرابات والمظاهرات والاعتصامات وإطلاق المواقف والبيانات والرسائل والعرائض. هذا النمط من أعمال المقاومة لن تتمكّن إسرائيل من تشويه صورته كما استطاعت تشويه صورة المقاومة المسلحة أمام الرأي العام الخارجي، إذ وصمتها زوراً بالإرهاب. فتبنت الدولة العظمى، الولايات المتحدة الأميركية، هذا النهج وروّجت له في العالم أجمع فكان له أثر ملموس على مواقف الدول حتى تلك التي يفترض أن تكون من الدول الصديقة للعرب. وشرعت أميركا بالضغط حتى على بعض الدول العربية القادرة كي تمتنع عن إمداد الشعب الفلسطيني بالمساعدات المادية التي تعينه على الصمود، وذلك تحت ذريعة مكافحة تمويل الإرهاب.ومن المعروف أن التخلي عن المقاومة المسلحة ولو إلى حين، تحت يافطة الهدنة لثلاثة أشهر، قضت به اعتبارات لعل أهمها صون الوحدة الوطنية الفلسطينية في وجه خطر نشوب حرب أهلية تضع السلطة الفلسطينية في جانب وفصائل المقاومة كافة في الجانب الآخر، بفعل الضغط المتزايد الذي تتعرض له السلطة الفلسطينية من جانب الدولة العظمى خصوصاً، والمجتمع الدولي عموماً. هذا مع العلم بأن إسرائيل، ومعها أميركا، لم تسلّم بعدُ بمبدأ الهدنة الموقوتة، بل هي تصر على الإجهاز على فصائل المقاومة بهدف تفكيكها وتجريدها من السلاح وتوقيف المسؤولين فيها. يُرجى أن تكون مبادرة فصائل المقاومة إلى إعلان الهدنة حافزاً للسلطة الفلسطينية كي تقاوم هذه الضغوط فتقف الى جانب فصائل الانتفاضة في خندق سياسي واحد. 

ثم إن إسرائيل، ومعها أميركا، نجحت بفضل حملتها الدعائية الفاعلة، وكذلك بفضل قوة جماعات الضغط اليهودية في أميركا وعواصم القرار في العالم، في إظهار القضية في فلسطين وكأنما هي مشكلة عنف لا أكثر ولا أقل، وكان ذلك على حساب صرف الأنظار عن جوهر قضية فلسطين كونها قضية أرض محتلة وقضية استيطان يهودي على الأرض العربية وقضية لاجئين اقتُلعوا من ديارهم ليس في الأرض المحتلة في حرب العام 1967 فحسب، بل كذلك في الأرض المحتلة في حرب العام 1948. كاد العالم ينسى أن حيفا ويافا من المدن العربية التي شُرّد أهلها في شتى أرجاء المعمورة. 

لعل وقف أعمال العنف يشكّل فرصة يجب أن تُستغل لتسليط الأضواء مجدداً على حقائق قضية فلسطين أملاً بكسب الرأي العام العالمي مجدداً لصالح هذه القضية. فما سُمي هدنة يجب ألا يكون مقدمة للاستسلام، وبالتالي التنكر لقضية فلسطين، بل منطلقاً لإحياء هذه القضية بكل أبعادها القومية والإنسانية وبالتالي وضع حد لتيار الانهزامية المعيبة الذي طغى على سلوك الأنظمة العربية دولياً. فليكن وقف العنف منطلقا لإعادة توحيد العرب حول قضيتهم المركزية في فلسطين التي كادت هموم العرب وشجونهم الأخرى تطمسها، خصوصاً بعد الحرب على العراق. إذا تمّ ذلك فسيكون بمثابة الفتح المبين للقضية العربية. وفي تلك الحال لن تكون دماء الشهداء الذين قضوا إبان حقبة المقاومة المسلحة قد ذهبت سدى. إن إهدار دماء الشهداء لا يكون إلا بالانهزامية والاستسلام وبالتالي التخلي عن ثوابت القضية الفلسطينية. أما إذا كان وقف العنف، في ما سمي هدنة، سيكون منطلقا لإحياء قضية فلسطين في ثوابتها وتوحيد الصف العربي حولها، فإن ذلك سيكون خير جزاء من الله عن أرواح الشهداء ودمائهم الزكية. لا بل سيكون الفضل في أي إيجابية يمكن أن تتأتى لتضحيات فدائيي الانتفاضة في مرحلة المقاومة المسلحة. فلا غرو في القول: عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم. 

أمام هذا التحدي الجديد سيكون الحكّام العرب أمام محك دقيق ولا نقول عسير. كيف ستقاوم مصر والأردن الإغراءات المادية التي تغدقها عليهما أميركا والضغوط السياسية التي تمارسها عليهما، وكيف ستقاوم الكويت، ومعها سائر بلدان الخليج، رواسب الحرب على العراق وتداعياتها، وكيف ستقاوم سوريا ضغوط أميركا التي تمارَس تحت التهديد باستصدار قانون لمحاسبة سوريا، علماً بأن سوريا تحاسَب في ذلك المشروع على مواقف وطنية وقومية، وكيف ستعاود دول المغرب العربي اهتمامها المباشر بقضية فلسطين، وهل سيصمد لبنان في انتصاره لقضية فلسطين سياسياً وإعلامياً وقومياً أمام الضغوط التي يتعرض لها الشعب اللبناني جراء الأزمة الاقتصادية المعيشية التي يرزح تحت وطأتها، كما جراء الانقسامات السياسية الحادة التي تعطل الحكم، وجراء تفكك أوصال الدولة واستشراء الفساد فيها. 

السؤال هو: هل يستطيع الحكّام العرب أن يؤدوا قسطهم في خدمة قضية العرب المركزية في فلسطين عند هذا المفترق الخطير في مسار القضية وهم ما هم عليه من انشغال في قضاياهم القطرية الذاتية؟ هل يستطيعون أن يلتقوا في قمة استثنائية تخصَّص لمراجعة الموقف وإعادة تقويم معطيات المرحلة كي يُبنى على الشيء مقتضاه؟ وإذا اجتمعوا، فهل هم قادرون على اتخاذ المواقف الحرة بمعزل عن ظل أميركا الثقيل على كثير منهم؟ 

قضية فلسطين على مفترق دقيق. والشعب العربي أمام امتحان جديد. والحكّام العرب على محك خطير. فهل العرب على مستوى التحدي؟

 

* الدكتور سليم الحص، رئيس الوزراء اللبناني السابق

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic