الشيعة في عين الإعصار الأميركي للمنطقة العربية والإسلامية (1)
مستقبل “حزب الله” وسلاحه في ضوء مطالب إدارة بوش

زهير هواري

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 2 تموز «يوليو» 2003
 حزب الله - المقاومة الإسلامية
المقاومة الإسلامية: سلاح حزب الله؟

     يتلافى كثيرون فتح ملف الشيعة في لبنان والمنطقة العربية والإسلامية، والمقصود بالأخيرة إيران دون سواها. الشيعة الآن في عين الإعصار الاميركي، سواء كانوا في العراق او لبنان أو ايران. وأمام وضع من هذا النوع تتدافع الاسئلة: الشيعة حالة سياسية ام طائفية ام اجتماعية؟ كانت النجف دوما جامعة الشمل، جامعة شمل الشيعة، يقصدونها ليتتلمذوا على كبار فقهائها. يجتمع اللبناني بالسوري والسعودي والعراقي والايراني والافغاني و.. كان هذا يحدث قبل التفريغ الذي طال المدينة وحوزتها العلمية ومراجعها. الآن لم تستعد بعد مكانتها. ما زالت بحاجة الى الكثير من الوقت والجهد لاستعادة الدور والمكانة. شيعة العراق في قلب الخطر، ديارهم محتلة وأفق الاوضاع لم ينجل بعد. إيران على حافة الخطر من مدخل البرنامج النووي، والمقصود ليس سوى الذرائع والتبرير. في لبنان الصورة أشد وضوحا لهذه الجهة، فالخطة الاميركية تستهدف في ما تستهدف سلاح حزب الله والجنوب باعتباره بوابة لبنان. 

لكن الشيعة ليسوا طائفة صمّاء، في داخل هذه الحشود قوى سياسية واجتماعية وتيارات واجتهادات ومرجعيات ومراكز ثقل ونفوذ و.. منذ أن نجح الإمام الخميني في اطاحة نظام الشاه السابق، حدث تحول في الموقع الشيعي العام. الآن الشيعة في العراق تحت نير الاحتلال يتلمسون طريقهم بين حوزة النجف الأشرف وتأطيرات القوى السياسية الخارجة من رحم معاناة القمع الصدّامي ومنوعاته.. إيران على محك الصراع، والعراق في صميمه، ولبنان ايضا. وكأن هذه الطائفة التي تترامى دياراً او دولاً ومجتمعات في “عين الردى” كما قال الشاعر ابو تمام يوما. مصائر قوى ودول مطروحة على بساط البحث. في لبنان هناك حديث طويل عن كل من حزب الله وحركة أمل باعتبارهما خلاصة التجربة السياسية للشيعة. في العراق، الى جانب الحوزة هناك مصير حزب الدعوة الذي ساهم لبنانيون في تأسيسه خلال الخمسينات، والمجلس الأعلى للثورة الاسلامية وتيار الصدر.. وقبلا مصير العراق.. في ايران هناك صراع داخلي خارجي متداخل. 

الكثير من الأسئلة مطروح من لبنان وحتى إيران مرورا بساحات العراق وفلسطين والجزيرة العربية.. هذه الاسئلة المعلّقة تفتح الملف ولا تقفله، باعتبار ان التقاطعات واضحة بين هذه الساحة وتلك.. يبقى القول ان هذه السلسلة من التحقيقات التي تباشرها “السفير” اليوم تلامس الموضوع السياسي الإقليمي، لكنها في لبنان، الذي تبدأ منه، تغوص في التفاصيل، تتناول مصائر حزب الله وأمل وسط المتغيرات، الحوزات العلمية، المسار السياسي المميز للشيعة، التربية والمؤسسة الاجتماعية، وتفرد حديثا خاصاً للمرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله.. هذه بعض العناوين فيما المقاربات بحلقاتها ومسارحها أشد اتساعاً. 

ونبدأ مع سلاح حزب الله وجبهة الجنوب: 

من العراق الى ايران وسوريا ومنطقة الخليج... تصل الى الجنوب اللبناني. والجنوب هو موقع الثقل لدى الطائفة الشيعية في لبنان، الوجود الشيعي في العاصمة مصدره الأساس منه. هناك بالطبع من هم في عداد العاصمة الادارية اصولا وفروعا. وهناك من وفدوا اليها من البقاع او جبيل. لكن الجنوب من دون سواه يظل النبع الاكبر. 

والجنوب هو خط التماس اللبناني مع الاحتلال الاسرائيلي. وما ينطبق على لبنان، يصح على كل من ايران وسوريا. وكل ما عرفناه قبل الاحتلال الاميركي للعراق بات الآن مختلفا. قواعد اللعبة تغيرت على نحو كلي وانقلابي بالقياس الى ما سبق. الرائج حول انعكاسات ذلك جنوبا هو كثير. يدخل في تحليلات لأوضاع كل من ايران وسوريا ويستقر في لبنان. جزءمن الأخير يتمحور حول الصراع العربي الاسرائيلي في حلته الراهنة، وآخر على التوازنات الداخلية ومواقع الشيعة فيها، عبر كل من “حزب الله” و”أمل” ومستقبلها في الكيان. وهذا كله وسواه مرتبط بشكل او بآخر بالمعطى الجديد، ممثلا بالاحتلال الاميركي للعراق. لم يعد شيعة لبنان، عبر قوتهما السياسية والعسكرية مجرد قوتين محليتين، باتتا جزءا من خارطة اوسع، تتجاوز مساحة الكيان. 

حمل باول معه قائمة مطالب الى لبنان. وبعد رحيله راجت القراءات لدلالات ما طرحه لبنانيا وسوريا، وعلى صعيد الطائفة على نحو مخصوص. قيادة الحزب تدرس وتمحص. هناك من يتوقع قطع تدفق الدعم المالي والتسليحي له من ايران عبر سوريا، كمقدمة لتسريح المقاومة وتحويلها بالتالي الى مجرد حزب سياسي مثله مثل سواه من احزاب على الساحة اللبنانية. خصوصا وان وزنه النيابي لا يستهان به، كما استقر عليه في انتخابات العام ألفين. هؤلاء يتحدثون عن تغييرات كلية في “قوام” هذا الحزب كما استقر عليه منذ العام 1983، وبعض هؤلاء يجزم ان تفيد “أمل” من هذه المعطيات انتعاشا اضافيا داخل الطائفة وخارجها. البعض في الحركة يدرس هذا المعطى ويرفض هذه الاوهام، مؤكدا ان لوي الذراع العسكرية للطائفة يلوي الجسم السياسي الرئيسي ممثلا بها. لذا يعلي تضامنه مع الحزب في هذا المفصل. والحقيقة ان “حزب الله” لم ينشئ جهازا عسكريا مقاوما مقاتلا فقط، بل اقام مؤسسات كبرى ايضا، في ميادين التربية والتعليم ورعاية أسر الشهداء والجرحى وتوزيع المساعدات والبناء والزراعة والعمل التعاوني و.. هذه جميعا قد تتأثر اذا ما توقف التمويل. ولا شك ان انتصار الحزب في جنوب لبنان كان اضافة الى كونه انتصارا للبنان انتصارا ايرانيا وسوريا ايضا على اسرائيل. 

لكن المعطى تغير، ومن المتعذر الآن الوقوف في وجه الموجة الاميركية العاتية في ذروة المد. يتطلب الآن الوضع بعض الاشهر لمعرفة وبدقة مجريات وقائع الاحتلال واحتمالات المشروع الاميركي شرق اوسطيا: ثم هناك خارطة الطريق في فلسطين ايضا. كل هذه تدفع الى القول ان هناك وقتا ضائعا، قد يطول او يقصر تبعا للمتغيرات. لكن الأهم ان مقاس لبنان برمته قد اختلف الآن. من ضمنه طبعا الوجود الشيعي والموقع الجنوبي تحديدا، الذي شغل المنطقة وملأ الناس داخليا وعربيا طوال العقود الماضية. 

ما هو المصير، بل ما هي المصائر. السؤال حقيقي. والخارطة الشيعية مركبة على ثنائية، تنجدل جنوبا اكثر مما هي عليه في اي منطقة اخرى من لبنان. لكن يظل لها حضور بقاعا او سواه، ثم هناك قوى كامنة تتجاوز ثنائية “أمل” و”حزب الله” ودوريهما توافقا او تنافسا. المهم ان التطورات لم تمط اللثام كاملا بعد عن وجهها لتتحدد المسارات والأوزان والأدوار بوضوح. مع ذلك ثمة كلام كثير لا بد وأن يقال، يفتح المناهج وان كان لا يحسم بمؤداها ومنتهاها. 
 

لبنان في الملفات 

     ترافق الحديث عن نزع سلاح “حزب الله” مع المطالبة بنشر الجيش اللبناني جنوبا. لم تقدم هذه الورقة لناظر الخارجية كولن باول، عندما التقى “الترويكا” اللبنانية في قصر بعبدا. وثمة في الجنوب نوع من الترقب. “التدجين” لم يبدأ عالي الوتيرة بعد، لكن هناك من يرى، رغم “تقليدية” الخطاب اللبناني حول نشر الجيش، أن هذا الأمر ممكن، لأنه قد يعني للمواطنين الجنوبيين دخولا في مسار استقرار للأوضاع، يختلف عن تلك المراحل التي أقصي فيها الجيش عن تلك المنطقة. أيا تكن الخيارات فالموضوع مفتوح بطبيعة الحال، لا سيما وأن قطعا لا بد وأن يحدث مع الماضي، بعد الانسحاب الاسرائيلي في العام 2000. 

الشيخ نعيم قاسم
الشيخ نعيم قاسم

يحدد نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ما طرحه باول على الرؤساء الثلاثة بالنقاط الثلاث التالية: سحب سلاح الحزب من الجنوب. انتشار الجيش اللبناني وأخيرا خروج القوات السورية من لبنان. يفصل قاسم في رد الرئيس لحود، وهو رد بات معروفا يتركز حول انسجام الحزب مع الدولة وهو مقاومة، وان الجيش هو فعليا في الجنوب مع القوى الأمنية، وليست وظيفته حماية أمن إسرائيل. أما الثالث فبالتأكيد على الحاجة للقوات السورية التي تنظم بوجودها العلاقات المشتركة واتفاق الطائف والاوضاع الداخلية اللبنانية التي تتطلب بقاءها. 

يصف قاسم الضغط الذي قاده باول بأنه يستهدف ثلاثة ملفات: العراق وفلسطين ولبنان. والترتيب الذي يضعه قاسم له دلالاته. فالعراق أولا، وفلسطين ثانيا ولبنان ثالثا. علما أن كل ملف من الثلاثة يساند الآخر او يمهد له. في الأول هناك إجراءات اتخذتها سوريا. وفي الثاني كان رد كل من سوريا وايران ولبنان أن خيارات الشعب الفلسطيني هي الأساس. ما يعنينا الآن هو الثالث. 

يرى قاسم أن الأميركيين بحاجة الى بعض الوقت لاستكشاف نتائج احتلالهم للعراق وترتيب شؤونه، وتبين فعالية خارطة الطريق ونتائجها، فإذا استمروا بالضغط على لبنان بما يتعلق بحزب الله يكونون قد تجاوزوا مرحلتين لم تنضجا بعد. لذا اعتبر أن حدود الضغط السياسي هي التي رأيناها، ولا جديد في الوضع السوري اللبناني الى أشهر، بالحد الأدنى بانتظار ما سيحصل في العراق وفلسطين. لكن هذا لا يمنع من استمرار الحديث السياسي الأميركي عن مطالب لدى سوريا ولبنان. 

يستنتج قاسم أن الوضع معلق الى أشهر بانتظار التطورات انطلاقا من التداخل الكبير في الملفات. ولكن لو كان هناك اطمئنان أميركي إسرائيلي بأن ضربة خاطفة لحزب الله تنهك قواه لقاموا بها كعملية استباقية، توفر عليهم خطوات مستقبلية. لكن لاعتقادهم أن مثل هذه المغامرة غير مضمونة، وقد تقود الى ردود وتهديد الساحة الاسرائيلية بما يربك خطواتهم.. يحاولون أن يحققوا بالسياسة في الملفين مما يوفر عليهم خطوات تتعلق بلبنان وسوريا. أما أن يكون الهدف سوريا فهذا يعني قلب الطاولة على عملية التسوية في الشرق الاوسط. ومثل هذا القرار أصعب من القرار الاول لتداعياته السياسية التي قد تجد نتائج تجعل المنطقة مفتوحة على أعمال لا يمكن ضبطها وترتد بالتالي على ما تعتبره أميركا وإسرائيل إنجازا في الموضوع الاسرائيلي. هذا هو تحليل الشيخ قاسم حرفيا. 
 

موقع حزب الله 

     الاوضح في ما ذكره قاسم هو هذه الفترة الانتظارية نظرا لتداخل الحلقات. مما يعني ان ملف حزب الله كجزء من الملف اللبناني السوري مستأخر لأشهر ريثما تظهر نتائج الملفين المستعجلين: العراقي والفلسطيني. 

السيد هاني فحص
السيد هاني فحص

السيد هاني فحص، يقرأ موقع “حزب الله” بالعلاقة مع الوضعين الإيراني والسوري، وهذان الوضعان هما مصدر حياة وضبط وانضباط الحزب، الذي هو مشروع إيراني بقدر ما هو مشروع سوري، يقول فحص: ان “حزب الله” المقاوم المناضل هو مشروع سوري أيضا بالنظر الى التزامات سوريا الوطنية والقومية وثمرة لموقعها الذي لا يستطيع أحد تغييره. اما مشروع “حزب الله”، المشروع الفكري الاسلاموي الأممي فلا يمكن أن يكون مشروعا سوريا. وسوريا تسهم في حفظ علاقتها به وحفظه في الساحة اللبنانية، إذا استطاعت أن تؤثر في عقله في هذا الاتجاه. والملاحظ أن سوريا تقترب الآن أكثر فأكثر من طريقة إيران في التعاطي مع الأحداث الكبرى، بدءا من أفغانستان وحتى العراق، أي إعطاء سلامة سوريا الأولوية الأولى ومحاذرة الدخول في مغامرة غير محسوبة كما فعل النظام العراقي. يعني ذلك الاستعداد لتقديم تنازلات محدودة حفظا لكيانها وموقعها ومستقبلها ومنعا لمغامرة أميركية اسرائيلية. إذن سوريا الى مزيد من الاعتدال. ومن الطبيعي ان يمتد هذا الاعتدال الى المتفاهمين معها والذين لهم علاقة تضامنية حقيقية بها وفي الطليعة “حزب الله”. 

يصف فحص “سلاح حزب الله” بأنه تفصيل، إذا كان البحث في العمق. إذ أن هذا الحزب لن يستطيع الاستمرار في حمل السلاح الى آخر العمر. هناك تحديات أكبر من السلاح. ينطلق فحص نحو شرح احتمالات الوضع في فلسطين ومصير خارطة الطريق... فإذا كان شارون مقتنعا أنه لا يستطيع إنجاز تسوية في أي حدود وكان يفكر بالهجوم لإلزام العالم بمترتبات ممانعته للتسوية، فان حزب الله في المواجهة يصبح تفصيلا لأنه إذا انفرد لا يحقق شيئا. إذن لا بد من مشروع عربي اسلامي متكامل يأخذ حزب الله دوره فيه. وهذا المشروع رافعته الجسر السوري الايراني. 

يعتبر فحص ان لا مصلحة أميركية في كسر سوريا أما ابتزازها فممكن. الوضع في سوريا هو أهم ضمانة للاستقرار لأنه من دون هذا الوضع من هي القوى المرشحة للامساك به؟ الاسلام السياسي التاريخي في سوريا غير مرشح وأضعف من ذلك، فالقوى الاسلامية المعتدلة ليس لديها مشروع سياسي. إذن يواجهنا في سوريا احتمال إسلام مثل إسلام الجزائر: عنف عشوائي لا ضابط له وعفوي، وخطورته أنه على حدود فلسطين، مما يزعج الغرب وأميركا دون أن يقود الى تحقيق إنجازات كبرى على طريق التحرير. لذلك فسلامة سوريا هي سلامة المنطقة، وهي ضمانة المطالب الاميركية، التي لا يمكن أن نسميها مشروعة، ولكنها على سوئها يمكن أن تكون أقل من فتح صراع لا يبقي ولا يذر. 
 

الجيش جنوبا 

     الواضح من كلام فحص أن سلاح حزب الله تفصيل. ودوماً يترابط الحديث عن هذا السلاح مع نشر الجيش اللبناني على الحدود الجنوبية. عندها يفقد هذا السلاح مستنده “الشرعي” الرئيسي الذي قام عليه، ويتحول الى سلاح مواز لأسلحة الميليشيات التي تسلمتها الدولة، وتأخر حزب الله لأسباب تتعلق بالاحتلال والجنوب عنها أكثر من عقد من السنوات.. أما وقد “أنجز” التحرير فلا بد من أن يتم ذلك، باعتبار أن وجهه الآخر نشر الجيش. 

رئيس معهد الصدر للدراسات الاسلامية المفتي السيد علي الأمين يعتبر أن ليس من حق باول أن يتقدم بأي مطلب يتعلق بسيادة لبنان واستقلاله، لأن هذه الأمور تعتبر شأنا لبنانيا. والدولة اللبنانية بلغت سن الرشد منذ عهد الاستقلال وأميركا ليست وصية عليها. لذا نعتبر تجريد حزب الله من سلاحه مسألة لبنانية لا علاقة لأميركا بها، وحزب الله هو جزء لا يتجزأ من النسيج اللبناني وموجود في الحياة السياسية والاجتماعية. ثم أن لبنان ما زال في دائرة الخطر، وحزب الله هو معين اساس في مواجهة الخطر الذي يستهدف كل لبنان بما فيه جبل عامل. 

ايضا يقرأ المفتي الأمين ارسال الجيش الى الجنوب باعتباره شأنا لبنانيا تقرره السلطة السياسية وقيادة الجيش. وهذا ينبع من حق الجيش ان يكون موجوداً في كل بقعة ومنطقة من المناطق اللبنانية، والجيش اللبناني هو ضمانة لكل لبنان وليس شرطياً للحدود الاسرائيلية كما يريده باول. 

الناطق بلسان المكتب السياسي لحركة “امل” يعتبر ان المقاومة هي الجامع المشترك الذي اتفق اللبنانيون على ان لا خلاص لهم من الاحتلال الاسرائيلي دونها. وعليه فإن من الاهمية بمكان الحفاظ عليها، خصوصاً وانها لا تزال حاجة ملحة، لان لبنان يقع على خط تماس الجغرافيا والتاريخ مع قضية المنطقة، ولان التحولات والوقائع في الشرق الاوسط، تعكس نفسها على لبنان. فإننا نؤكد على هدف مؤسس الحركة الإمام موسى الصدر بضرورة مجتمع مقاوم مع المقاومة، اللذان يشكلان ضرورة ملحة امام صعود اليمين الاسرائيلي وامام المستوى السياسي والعسكري اليميني الاصولي والقومي الذي يحكم اسرائيل وعلى رأسه شارون. 

يختم قائلا: اننا في حركة “امل” وفي كل الحالات لن نقبل بالتفريط بالمقاومة او اسقاط سلاحها حتى استكمال تحرير ارضنا وفي طليعتها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وحتى يلمس لبنان ضمانات دولية قاطعة بأن اسرائيل تخلت عن اطماعها في المياه اللبنانية وانها سلكت طريق السلام العادل والشامل ارتكازاً على المقررات الدولية ذات الصلة بأزمة الشرق الاوسط. 

يقدم الناطق لقراءته هذه بعرض تفصيلي للتطورات التي شهدها لبنان منذ التوصل الى اتفاق الطائف، وخصوصاً المحطات البارزة، ويتوقف عند العلاقة مع سوريا وحرص الرئيس نبيه بري وقيادة الحركة على الوفاء بها وعلى “وحدة المصير والمسار وتعزيز علاقات الاخوة والتعاون والتنسيق... وتقوية الروابط والارتقاء بالعلاقة الى التكامل الذي يخدم الشعب الواحد داخل الدولتين الشقيقتين...”. 

ينطلق ابراهيم شمس الدين من اعتبار ما طلبه باول يمثل الرؤية الاميركية ليس للبنان بل للصراع العربي الاسرائيلي اذ ان الاميركيين يعتبرون اي جهة ذات تكوين حزبي مسلح ارهابية. المقاومة كما هو معروف ردة فعل على احتلال. لا دولة في التاريخ تنشئ ناساً وظيفتهم المقاومة. الناس تنشأ وتنمو وتتكامل ضمن نظام قيم. هذا الموضوع ليس موضوعا “روبوتيا”. الدولة العسكرية ذات المهمة القتالية انتهت مع نهاية اسبارطة تاريخياً. لا دولة على هذا النحو، فضلا عن شعب. اصلا حزب الله نشأ ضمن هذه الصيغة ومن قبله ايضا. الامر البديهي والتلقائي انه اذا لم يكن هناك احتلال فلا تكون هناك مقاومة، ليزول الاحتلال ولن تعود عندها المقاومة موجودة، هذه من الثنائيات المتلازمة التي لا تحتاج الى اثبات... اسرائيل هي من يعادي السلام وأنا بحاجة الى اثباتات كي اصدق الاميركي ومقولاته للسلام. 
 

الحزب ومزارع شبعا 

     بالطبع ترتبط قضية سلاح المقاومة مع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلتين. عندما فتح هذا الموضوع في اعقاب تحديد الخط الازرق صدرت مواقف ودراسات عديدة، لا سيما وانها نقطة تقاطع سورية لبنانية فلسطينية، ليس بالجغرافيا فحسب بل وبالسياسة ايضا. مع ذلك، فإن عمليات المقاومة باتت اكثر تباعداً من ذي قبل... كان المعدل انه في كل ثلاثة اشهر عملية... الآن باتت المدة غير محددة. الكلام السياسي الذي قيل يفتح ايضا على علاقة سوريا بجبهة الجنوب وبالتحريك المطلوب لقضية الاحتلال الاسرائيلي لمنطقة الجولان ايضا. كما يظل على دور حزب الله سوريا، اي اقليميا. باعتبار ان الدور في دعم الانتفاضة يدخل في باب التعبئة. 

يعتبر الشيخ نعيم قاسم ان نمط عمليات حزب الله في المزارع متباعد منذ التحرير مع استثناء احداث جنين، ويرى انه يحقق اهدافه المرجوة في تأكيد الاصرار على استعادة المزارع وابقاء السيف مسلطاً فوق رقبة اسرائيل وايجاد الضغط الكافي للحث على الخروج من لبنان واعطاء الاشارات الملائمة لدعم القضية الفلسطينية وتحرير الجولان ورفض تبعات الاحتلال في التوطين. يقول قاسم مضيفا: نحن لا نريد ان نحول مزارع شبعا الى تراشق ناري تقليدي. ونعتبر ان ما تؤديه المقاومة يحقق الاهداف المذكورة، ودليلنا على ذلك، انه رغم حجم عمليات المقاومة فإن اسرائيل لا تتوقف عن التهديد والوعيد، وابراز مأزق وجود حزب الله. وهذا دليل على فعالية ما نقوم به. 

هذه القراءة التي يقدمها قاسم يناقضها على نحو كلي وشامل الامين العام الاسبق لحزب الله الشيخ صبحي الطفيلي: “عندما يقال ان حزب الله سيبعد عن الحدود اعتبر ذلك بشارة. اذ انني ادرك الالم الذي يعتصر قلوب جماهيرنا الذين ربيناهم وهي ترى الآليات والجنود الاسرائيليين على ارض فلسطين وبينهما مسافة امتار وممنوع عليها ان تقاتل هذا العدو. او اذا كلف ببعض التكاليف المخالفة لقناعاته، اعرف بالتأكيد حجم معاناة المجاهد”. 

الامر الآخر، يتابع الطفيلي، هناك من اشاد بحكمة حزب الله خلال السنوات الثلاث الماضية التي مرت على التحرير. خلال هذه السنوات السوداء يا حبذا لو ان المقاومة كانت بعيدة عن الشريط لأنها بذلك تبعد على نفسها تهمة حماية الاحتلال الاسرائيلي. عار ان احمل السلاح وامامي اسرائيلي يقوم بدورية وأنا مقابله افعل الامر نفسه. أنا حزين من هذا المشهد، ان تبتعد هذه الصورة عن الشاشة ولا يبقى هذا المنظر ماثلا امامي هو حدث جميل. اضف ان ابتعاد المقاومين عن الشريط سيضعف اجراءات الأمن لحماية الكيان الصهيوني. لنفترض ان الجيش اللبناني امسك الحدود، ستكون هناك سهولة للوصول الى العدو الاسرائيلي. وستكون مضاعفات الوصول اليه اقل مما هي عليها الآن. اذ ان النظام يمكن ان يمسك هؤلاء او يقتلهم حتى. بينما اليوم عبر تفاعلات شعبية تنتج عن التخبط من وجود المقاومة على الشريط. كان يرى الطفيلي اذن الا يصل حزب الله الى الشريط الحدودي اساساً، لان المشهد بحماية الحدود من هذه الجهة والاسرائيلي من تلك الجهة مؤلم. ما كان ينبغي له ان يكون. كان على الحزب ان يظل بعيداً مئات الامتار على الاقل، ويقول أنا لا التقي الا بالقتال مع العدو. ولاني لا استطيع ان اقاتله الآن، حتى لا يدخلني ذلك في قتال مع الجيش اللبناني او سواه فأنا لا استطيع ان اتابع الحرب، لاني لا اريد ان ادخل في حروب اخرى. وابقى بعيداً وجاهزاً لاي فرصة تسنح لمتابعة القتال. الحديث عن الدولة والشعب المقاوم هو كلام. لو ان في لبنان نظاماً سياسياً لما استطعنا ان نؤسس المقاومة. الشعب المصري لم يستطع ان يؤسس المقاومة رغم شجاعته. كلما قويت الدولة تراجعت المقاومة، ممكن للمقاومة ان تستغل اي ظرف وتكمل، ربما تستغل ظروفا كبرى، والمهم ان نتابع النشاط المقاوم. 
 

الحزب والدولة 

     يبدو من حديث الطفيلي وكأن معارضته تنسحب من الحزب الى وجود الدولة. وهذا ما يرفضه مستعيداً بعض حديث البدايات، وما رسخته الأنظمة عن قدرة إسرائيل “المطلقة”، مما دفعنا الى انتهاز الفرصة وقلنا للحكام اننا سنثبت ان هذه المقولة مزيفة ونتفوق عليها ونحول أرض لبنان الى مدرسة نسعى الى نشرها على كل الحدود العربية. والأمر الثاني هو طرد العدو من أكبر مساحة ممكنة من الأرض. وهذا ما حدث من خلال المقاومة. الجناح الموازي لكلا الأمرين هو العمل السياسي الاجتماعي لبناء مؤسسات خاضعة للقانون. ومع بداية الحديث عن قيام دولة في لبنان، كان لدينا مشروع أن نشكل المراقب الذي يرصد بدقة بناء الكيان والضغط لتوجيهه اسلم المناهج.. هذا الحديث يدخلنا في متاهة مصالح الدول ومساحات التأثير والضغط. هذه لعبت ادوارها واستطاعت ان تجهض تيار المقاومة وتحوله الى تيار مشلول سياسياً، ثم تدخله شيئاً فشيئاً الى داعم لجوقة الفساد في البلد. وقد حاولت جهدي مع اصدقائي والخيرين أن نقلل من هذا التوجه، لكن أمام الامكانات الضخمة التي يتحلى بها أصحاب الرؤى الأخرى وهم دول كانت النتيجة واضحة. 

مقابل رؤية الطفيلي لدور الحزب في بناء الدولة، تنهض رؤية أخرى عبر عنها الحزب تصاعدياً حتى باتت له كتلته النيابية جنوباً وبقاعاً. 

النائب الحاج محمد رعد
النائب محمد رعد

رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد يصف مشاركة الحزب النيابية منذ العام 1992 بأنها هدفت الى التأكيد انه حزب سياسي له دوره في تطوير الحياة السياسية ويتوسل الحوار والتحالفات وصولاً الى ذلك. وكذلك الافادة من الحضور البرلماني الذي يعكس إرادة شعبية لتوضيح رؤية المقاومة والحزب في المنتديات الرسمية والسياسية المحلية والإقليمية والدولية. خصوصاً وان هذه الرؤية تتعرض للتشويه والتحريف من قبل سياسيين غير مطلعين أو أجهزة معادية. وثالثاً ضبط انفعالات الشارع المقاوم والسير به في طريق منهجية بما يؤدي الى تحقيق مطالبه وأهدافه المشروعة بالسياسة. 

يضيف رعد: هذه الأمور يندرج تحت كل واحد منها جملة من المستلزمات التفصيلية والآليات، استطيع أن أقول بأن تجربة حزب الله النيابية قد نجحت بشكل مقبول حتى الآن في الاستجابة لها أو في تخفيفها رغم المضي في العمل السياسي بطريقة محاذرة توازن بين متطلبات الاستنهاض الوطني لدفع المخاطر المصيرية ومن دعائمها الاجماع الوطني اللبناني وبين متطلبات الجمهور التي تحتاج تلبيتها الى ممارسة سياسة الزواريب في التحالفات. 

تبدو كل القنوات مفتوحة على بعضها بعضاً. بوابة فاطمة مفتوحة على بوابة لبنان، وبوابة لبنان على بوابات سوريا وإيران وفلسطين والعراق و... الى درجة تصبح معها الخرائط الكبرى مجرد خرائط متداخلة. لكن الجنوب ليس فقط أرضاً للصراع ونقطة على السطر. أيضاً ليس الجنوب مجرد مواقع مقتسمة بين حزب الله وحركة “أمل”. وهو بالتأكيد أكبر من مجرد منطقة محاذية للكيان الصهيوني، وان كان لبنان وسوريا والاردن ومصر كانت يوماً تعتبر “دول الطوق”، عندما كان هناك طوق.. الجنوب أيضاً قوى وفاعليات وقرى وبلدات ومدن. مثقفون، أطباء، مهندسون، رجال أعمال، عمال وفلاحون وحرفيون... والثابت ان هؤلاء جميعاً لا ينطلقون من حسابات مفردة بجداول الطائفة الشيعية، ثم انهم ليسوا جميعاً منها، ففي الجنوب تعددية وارجحية في الوقت ذاته.. 

وهذه المعطيات تفتح على هذه اللحظة في عمر الكيان اللبناني وتراتبيات القوى. وفي المقدمة منها بالتأكيد الطائفة الشيعية، التي تقف الآن أمام المنعطفات تعيد التدقيق بحساباتها ورؤيتها السياسية. ضمن هذا المناخ من التفاعل بين الداخل والخارج، لا بد وأن مصائر القوى واوازنها على محك الواقع بطبيعة الحال.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic