لماذا يقسو “حزب الله” على حلفائه؟

عماد مرمل

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 2 تموز «يوليو» 2003

     لدى خروجه من اجتماع مع رئيس التنظيم الشعبي الناصري النائب أسامة سعد في صيدا، قبل أيام، أدلى رئيس المجلس السياسي في “حزب الله” السيد إبراهيم أمين السيد بتصريح لافت للانتباه، فاجأ مقرّبين منه وأزعج بعض “الحلفاء”، لما تضمنه من انتقادات قاسية لسلوك الأحزاب المشاركة في السلطة، من حيث إهمالها لمطالب الناس وخضوعها ل”التدجين”، وذهب السيد الى أبعد من ذلك حين دعا الى إنتاج أحزاب جديدة تكون على قدر المسؤولية، في حال استمرت المراوحة الراهنة. 

وقبل أن تتلاشى أصداء التصريح، كان عدد آخر من قيادات الحزب يشكو من النهج الداخلي للسلطة، لا سيما في الجانب الإنمائي منه، الأمر الذي أوحى بوجود “قرار سياسي” لدى الحزب بتحريك الملف الاجتماعي وتسليط الضوء عليه في هذه المرحلة، ولو أن هذا الضوء فضح قصور أو تقصير “قوى صديقة”. 

ولقد بات “حزب الله” يشعر بأن “اسفنجة” مشروع المقاومة لم تعد قادرة، وحدها، على امتصاص الاحتجاج المتنامي لقواعده الشعبية على الواقع الاقتصادي والخدماتي السيء، وهذا ما بدأ يلمسه قياديوه خلال لقاءاتهم مع الناس، ويروي أحدهم أنه وبعدما انتهى ذات مرة من شرح الوضع الدقيق في المنطقة وتداعياته الداخلية المحتملة انبرى أحد الحاضرين ليقول له: ما لنا وخريطة الطريق.. المهم كيف ستتدبرون أمورنا واحتياجاتنا. 

ولكن الحزب الذي “يلتقط” هذا النبض الشعبي يدرك أيضاً أن حساباته الاستراتيجية المرتبطة بمشروع المقاومة إياه، لا تتيح له قلب الطاولة على الجميع، كما يرغب العديد من مناصريه، ذلك أنه يجد ذاته باستمرار محكوماً ب”مسؤولية” أن يحفظ الحد الأدنى الممكن من الالتفاف الوطني حول خيار المقاومة، مع ما يتطلبه هذا الأمر من تنازلات، في مسائل محلية تتصل بالمصالح المباشرة لجمهوره. 

ولقد استطاع “حزب الله” أن “يتعايش” مع هذه المعادلة، برغم أثمانها الباهظة، طيلة السنوات الماضية التي كان خلالها يربض الاحتلال الإسرائيلي فوق مساحة واسعة من الجنوب والبقاع الغربي، أما اليوم وبعدما انكفأ الاحتلال عن معظم تلك الأراضي، فقد بات يجد صعوبة في إقناع “ناسه” الذين يشكّلون خزان المقاومة بوجوب الاستمرار في الصبر على واقعهم المهترئ وتخدير أوجاعهم بالتي هي أحسن. 

وما زاد الطين بلة، أن الخلاف المزمن بين الحزب ورئيس الحكومة رفيق الحريري، والتنافس الحاد مع حركة “أمل” التي تشاركه الساحة الشيعية، ساهما بدورهما في “تجفيف” منابع الخدمات والتنمية التي تصب في “مناطق” الحزب. 

ازاء هذه المعطيات الضاغطة، قرر “حزب الله” أن يوجه رسالتين واضحتين، واحدة الى الأحزاب التي تشارك في الحكم “من دون فعالية”، وأخرى الى أقطاب السلطة. والأهم ان الحزب يعمل الآن على استكمال الترتيبات لتعديل قواعد اللعبة، من طرف واحد، إذا لم تتغير طريقة التعامل معه، وهو يسعى حالياً الى إيجاد “مركّب” دوائي جديد، يجمع أولوية المقاومة الى أنماط متطورة من المواجهة للاستحقاقات المحلية، تلحظ جرعات أكبر من الضغط المدروس على قاعدة “لا تحرجونا فتخرجونا”، كما يقول عضو المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي. 

ويشرح قماطي الذي يتابع “ملف الأحزاب” خلفيات الموقف القاسي لرئيس المجلس السياسي موضحاً أنه نابع من قناعة بأن الأحزاب المشاركة في الحكومة أصبحت بعيدة عن آلام الناس ومستقبله من دورها الاجتماعي ما يشكل تنكراً لمصالح القواعد الشعبية التي تمثلها هذه الأحزاب، في حين كان بإمكانها الاحتذاء بنموذج وليد جنبلاط.. 

وحتى لا يبقى كلامه نظرياً، يشير قماطي الى مثالين يعكسان تقصير أحزاب السلطة، أحدهما يتعلق بموقفها من قضية المازوت “والذي خضع لما يشبه الصفقات” والثاني يتصل بتقاعسها في العمل من أجل إقرار مجلس إنماء بعلبك الهرمل. 

ومن المؤشرات الأخرى، ذات الدلالة، أنه كان قد تقرر بعد اللقاء الأخير للأمناء العامين ورؤساء الأحزاب في قصر المختارة، عقد اجتماع موسع لوزرائها ونوابها بغية اتخاذ موقف موحد من مشروع الموازنة الذي كان مطروحاً آنذاك، إلا أن تلكؤ حزبين عن المشاركة أفشل المحاولة، وفقاً لما يرويه قماطي. 

وشكوى “حزب الله” تشمل أيضاً الأحزاب غير الممثلة في الحكم والتي تعاني من “قصور” في مقاربة القضايا المطلبية، حسب قماطي، الذي يؤكد أن “ما نطالب به الآخرين ينطبق علينا أيضاً”، لافتاً الانتباه الى أنه وبعدما استنفدنا كل الأساليب الإيجابية لتحقيق مطالب الناس وتحصيل حقوقها، ربما نكون اليوم مضطرين الى استخدام أساليب جديدة، لأن التمادي في إهمال المطالب المحقة لم يعد مقبولاً. 

ويتوقع قماطي أن يساهم كلام السيد النقدي في تسريع الجهود التي تبذل لصياغة ورقة اقتصادية وأخرى سياسية، تمثلان رؤية مشتركة للأحزاب، مرجحاً إنجاز الورقتين خلال أسبوعين إذا سارت الأمور حسب المرسوم لها.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic