حسابات "حزب الله" بعد الهدنة في فلسطين

ابراهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

الخميس، 3 تموز «يوليو» 2003

     قبل فترة قصيرة، أطلق نائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم كلاما عُدَّ في الاوساط السياسية مستجدا ومفاجئا، اذ حذر من احتمال حصول عدوان اسرائيلي ضد لبنان في غضون الاشهر الاربعة المقبلة. 

في هذا الكلام جديدان: الاول انه يخرج الى حد بعيد عن المألوف في حسابات الحزب السالفة وفي تحليلاته حيال تعاطي رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون مع الموضوع اللبناني، اذ كان يستبعد دائما في خطابه السياسي، وفي دائرة تحليله الضيقة، ان يقدم الكيان الصهيوني على مغامرة ضد لبنان والحزب، يوسع عبرها حلقة التوتر في المنطقة، ويدخل في مواجهة، مهما كانت درجتها، يملك قدرة على اطلاق الرصاصة الاولى فيها، ولكنه ربما يكون عاجزا لأسباب عدة عن التحكم في نهاياتها وخواتيمها، واستطرادا نتائجها وتبعاتها. 

والجديد الثاني، ان كلام الشيخ قاسم أتى عشية ظهور مؤشرات جلية تشي بأن الفلسطينيين، على اختلاف انتماءاتهم، قد ساورهم الاقتناع بعد حسابات معقدة، بأن عليهم ولوج باب الهدنة العسكرية، وبالتالي الدخول في مرحلة استراحة المحارب بعد أكثر من ثلاثة اعوام من المجابهات مع الآلة العسكرية الاسرائيلية. وعليه، كان لا بد من توجيه سؤال للحزب فحواه: ما المستجد من المعطيات والوقائع التي تدفعه الى تغيير مضمون خطابه، والخروج عن سياق رؤياه المعهودة بازاء ما يمكن ان تقدم عليه اسرائيل؟ 

الاجابة التي أعطاها أحد المسؤولين الكبار في الحزب ان الكلام الذي قاله نائب الامين "لم يأت من فراغ، بل كان انطلاقا من قراءة معمقة لمسار الأحداث والتطورات في فلسطين المحتلة والمنطقة عموما، وقد خرجنا باستنتاج مفاده ان ثمة غيابا واضحا للمنطق الذي يحكم الامور، وتجاوزا لكثير من الخطوط الحمر والضوابط التي كانت تتحكم بـ"اللعبة" طوال الاعوام الثلاثة الماضية، وتحديدا منذ اندلاع الانتفاضة في فلسطين المحتلة، وبناء عليه رأينا ألا نبقى مشدودين الى تحليلاتنا السابقة، أو على الاقل مطمئنين الى قراءتنا الماضية، فكان لا بد من ان نرفع وتيرة تحذيراتنا، وخرجنا بعض الشيء عن سياق خطابنا العام لاهداف عدة في مقدمها رفع درجة الاستنفار النفسي والمعنوي في صفوف جمهورنا وقواعدنا، توطئة لأي طارئ قد يبرز ولا يكون في الحسبان". 

طبعا، ثمة هدف آخر بعيد يستبطنه كلام الرجل الثاني في الحزب، ولا يمكن الحزب الافصاح عنه، وهو ان طبيعة المرحلة والتطورات الطارئة، باتت تستدعي توجيه رسائل الى من يعنيهم الأمر مؤداها "اننا نعي التحولات في سياستكم وخطواتكم، وبالتالي نضع أنفسنا في أجواء مواجهتها او على الاقل التنبه اليها والبناء عليها". 

هذا العامل التحليلي، على بلاغته، لا يعفي الحزب من عدم الاجابة عن تخوفات وتساؤلات فرضت نفسها على سطح المشهد السياسي، في اعقاب التطورات الدراماتيكية الاخيرة في الميدان الفلسطيني - الاسرائيلي والتي تؤشر الى حصول هدنة، ربما وضعت حدا للانتفاضة التي كانت الحدث الاساسي الذي تتكوكب حوله كل الحسابات او تنطلق من مفاعيلها. وهذه التساؤلات المطروحة بالحاح: هل ستبقى الامور على الجبهة الجنوبية وفق الصورة المرسومة لها منذ نحو ثلاثة اعوام؟ واستطرادا أليس من المتوقع ان يكون الجديد في الساحة الفلسطينية فرصة ذهبية لشارون لتصفية حساباته القديمة - الجديدة مع "حزب الله" تحت لافتة دوره في مكافحة ما يسمى "المشروع الاصولي الارهابي"، ومناسبة سانحة للولايات المتحدة لتجديد ضغطها على لبنان وسوريا، كي لا يبدر منهما ما يعوق خطتها بالنسبة الى تجميد الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني على الاقل؟ 

للحزب قراءته المعمقة لهذا الموضوع، وخصوصا انه يعتبر نفسه المعني الاول به، وهذه القراءة وما تمخض عنها من استنتاجات موجودة لدى دوائر الحزب منذ فترة ليست بالقصيرة، وتحديدا منذ ان توافرت لديه المعطيات التي تؤكد ان الفلسطينيين ذاهبون في اتجاه استجابة الهدنة. 

وعليه يرى الحزب ان ثقل الضغوط العربية والعالمية على الفلسطينيين تجاوز هذه المرة كل المألوف، ووضعهم بالتالي أمام الخيار الصعب الذي يفرض عليهم ان يبطلوا مفاعيل المواجهة العسكرية او يجمدوها على الاقل. ولكن ذلك، في قراءة الحزب، لا يعني بالضرورة ان مآل الامور سائر في اتجاه فتح الطريق امام ولوج دائرة البحث الجدي في تطبيق "خريطة الطريق"، فالامر دونه عقبات، وكلا الطرفين، الفلسطيني والاسرائيلي، لديهما حسابات تعتمد على "أخطاء" سيرتكبها الفريق الآخر، تفضي الى "هزّ" أركان الهدنة الحالية، وتعيد الامور الى عهدها السابق القريب. واذا سلّمنا ان رياح الامور قد تجري في اتجاه تجاوز مرحلة الهدنة والدخول في مرحلة البحث الحقيقي لتنفيذ الخطة المفروضة أميركيا، فان معطيات التجارب السابقة تدل على أن الامور تحتاج الى وقت ليس بالقصير لتذليل كميات لا تحصى من العراقيل والصعوبات. واللافت ان الحزب، لم يبادر، كعادته الى مهاجمة "اتفاق الهدنة" وانتقاده، رغم عدم ايمانه به، وهذا عائد الى أمرين اساسيين: الاول ان حلفاءه من الفصائل الذين تربطه بهم علاقة تحالف وثيقة، قد اعلنوا موافقتهم عليه. والثاني ان المرحلة لم تعد تسمح بالوقوف مكان الشعب الفلسطيني واملاء دروس وعِبَر عليه. 

وفي كل الاحوال، فان الحزب يخرج من قراءته العريضة المتشعبة للموضوع الفلسطيني باستنتاج يتصل بالوضع اللبناني مباشرة، مفاده انه لن يكون بمقدور شارون ان يركن كليا الى معادلة ان زمن الانتفاضة والفعل الفلسطيني قد ولّى الى غير رجعة، وبات متاحا أمامه التفرغ للحزب وتصفية الحسابات معه، واستتباعا لن يكون في مقدوره اقفال جبهة ليفتح باب جبهة اخرى يعرف سلفا انها لن تكون مأمونة العواقب، وخصوصا انه لا يجمع في يديه مبررات ومعطيات واضحة، يمكنه الاتكاء عليها ليبرر أي عدوان يمكن ان يقدم عليه لاحقا. ومع هذا التحليل، فان الحزب، وعلى جاري عادته، يترك دوما مجالا لامكان ان يقدم شارون، في ظل الضغط الاميركي الهائل، على عمل يخرق التوقعات، ولكنه يبقى بالنسبة الى الحزب، في المقام الثاني ويظل نقيضه في المقام الاول. 

أما ان يكون البديل عودة للضغوط الاميركية على لبنان وسوريا ومساءلة البلدين وفق وتيرة عالية، وعلى وهج تصعيد ديبلوماسي يماثل على الاقل الوتيرة المعهودة التي أعقبت مباشرة سقوط العراق في القبضة الاميركية قبل ما يزيد على ثلاثة اشهر، فلذلك حساباته المختلفة لدى دوائر القرار في الحزب. فهي مقيمة على اقتناع مفاده ان هذا الضغط لم ينتف اصلا، وبوادره الجلية في الكلام الاميركي الاخير عن ان سوريا لم تنفذ كل مضامين لائحة المطالب التي أرسلت اليها والمطلوب أصلا الافعال وليس الاقوال، وهو كلام صار بمثابة سيف مصلت جاهز للتلويح به عند كل منعطف سياسي أو أمني. 

ولا تكتم هذه الدوائر ان قسما كبيرا من التطورات الداخلية في لبنان، وما يتخللها من تجاذبات سياسية تطورت لاحقا الى اشكال لم تكن مألوفة في مشهد الصراعات السياسية المعتادة، يحمل في ثناياه مؤشرات الى كباش سياسي سوري - أميركي، ينعكس على الداخل اللبناني. ومع ان الدوائر نفسها تؤثر عدم الدخول في تفاصيل تتصل بهذا الامر، فانها تجد في الكلام داخل الاوساط والكواليس السياسية عن تغيير محتمل في الحكومة الحالية، والحديث عن معركة انتخابات الرئاسة وامكان التمديد او التجديد او انتخاب رئيس جديد، واستتباعا عن "انقلابات" برزت أخيرا في التحالفات السياسية الداخلية، علائم ومؤشرات جلية الى هذا "الكباش" المضمر والخفي الى حد ما. وعليه، ترى هذه الدوائر ان الحديث المستمر عن أشهر ثلاثة مقبلة حاسمة ولها ما لها من تداعيات على الوضع الداخلي والخارجي، هو الى حد ما صحيح، وطبعا كل يضبط ساعته على حسابات معينة، ففي هذه الاشهر المحكي عنها، هناك فرصة التيقن من امكان ان تسير رياح التطورات في فلسطين المحتلة في اتجاه الدخول في تنفيذ "خريطة الطريق" أم لا. وخلال هذه المدة ايضا سيسفر المخاض الحاصل في الساحة العراقية عن خلاصة ما، علما ان كل التحليلات تشير الى ان الولايات المتحدة تنزلق يوما بعد يوم نحو المأزق. وعليه، اذا مرت هذه الاشهر من دون نتائج حاسمة في الوضعين الفلسطيني والعراقي فان امكان الحديث عن انصراف اميركي الى شأن انتخابات الرئاسة في واشنطن، سيترك الامور على حالها في المنطقة. وكل ذلك لا يعني ان الحزب لا يتوقع ضغوطا اميركية واسرائيلية، ولكنها لن تصل الى أبعد من الضغوط المعتادة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic