الشيعة في عين الإعصار الأميركي للمنطقة العربية والإسلامية (2)
“الخارطة” تقطع طريق “التحرير” من الجنوب اللبناني إلى القدس

زهير هواري

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 3 تموز «يوليو» 2003

     بدأنا مع "سلاح حزب الله وجبهة الجنوب": واليوم نعرج على مضاعفات خارطة الطريق في فلسطين. 

من جنوب لبنان الى فلسطين او بالاتجاهين، وسط تأجج الخطة الاميركية المنفلتة في المنطقة، والتي كانت ذروتها الحرب على العراق وما بعدها من محاولات لادارة الوضع ووقف تيار المعارضة الداخلية، معبرا عن نفسه بالاعتراض والمقاومة المتصاعدة. 

فلسطين اولا. وهي في الاصل والأساس والقلب. أحد استهدافات احتلال العراق دعم اسرائيل في موقعها الاقليمي، رغم اهتزازها في الداخل تحت وطأة انتفاضة لا تتعب منذ اكثر من عامين ونصف العام. اسرائيل دوما في صميم الخطط والمشاريع الاميركية للمنطقة. النسخة الأخيرة من هذه المشاريع هي خارطة الطريق، بين الفلسطينيين والاسرائيليين. عشرات التعديلات طرأت على هذه الخارطة احدثها شارون وأركان حكومته. الا ان الأهم ان احتمال نفاذها ما زال محفوفا بالمخاطر. اسرائيل تطمح ان تستثمر الخلل في توازن القوى على الصعيد الاقليمي لاعادة الامساك بالوضع داخل الارض المحتلة. نحو كل ما ترتب على مؤتمر مدريد واتفاقيات اوسلو والانتفاضة من ايجابيات. حسم مسائل القدس واللاجئين وتجريد الفلسطينيين من سلاحهم الذي به يواجهون قوات الاحتلال، وتدمير ما راكموه من انجازات في السياسة والاجتماع، ودفعوا ثمنه من دمائهم. 

باول جاء الى المنطقة لمرتين. الاولى منهما الى سوريا ولبنان، والثانية زار خلالها اسرائيل والاردن ومصر والتقى بأبي مازن، باعتبار “ختيار” الساحة الفلسطينية “المحتجز” في رام الله غير مرغوب فيه.. بوش ايضا حط رحاله في شرم الشيخ وجمع بعض الاطراف العرب مع اسرائيل.. صدر في الصحف ووسائل الاعلام كلام كثير منذ زيارة باول الاولى وما تلاها حول مشاريع حلول. تارة تحصر ذلك بالوضع الفلسطيني، وطورا تمد خطوطه نحو كل من لبنان وسوريا. كانت هناك رسائل اميركية مباشرة وغير مباشرة. وخلال اللقاءات قيل كلام كثير حول كل من العراق وضرورة “عدم التدخل” في شؤونه من جانبي سوريا او ايران، حول مكاتب كل من “حماس” و”الجهاد” في دمشق، حول الجيش اللبناني وإرساله حتى الحدود الدولية مع اسرائيل، حول سلاح حزب الله و... 

ما يترسب بعد كل ما قيل وبحث، ان التركيز الاميركي محدد المعالم الآن في فلسطين، مع تلميحات الى ضرورة الانضباط على الصعيد اللبناني خصوصا، بما يشبه عملية التبريد للجبهة الجنوبية. حزب الله ما زال يطلق مضاداته على الطائرات. لكن الملفات الكبرى لم تُفتح بعد. لم يشرع بعد، لا ملف لبنان بتفاصيله، وان كانت قد راجت العديد من التكهنات، منها ما يتعلق بسوريا وجيشها في لبنان انسحابا او اعادة تموضع، ومنها ما يتعلق بسلاح حزب الله، وهل طالب الاميركيون بسحبه ام لا.. كل هذا هو بعض البحث المؤجل حتى اللحظة، ما دامت قوات الاحتلال الاميركية وادارتها السياسية غارقة في تربة العراق، دون تسجيل تقدم كالذي كانت تطمح اليه لترسيخ سيطرتها.. في فلسطين ايضا الوضع لا يختلف ازاء خارطة الطريق. 

والشيعة هنا، كما هم في العراق في قلب المعادلة. في الموضوع الفلسطيني بالطبع، رغم التعديلات التي طرأت على خطاب حزب الله بين إلقاء الدروس والمواعظ واعتبار نفسه شريكا في الانتفاضة الى التواضع الدفاعي.. الموقفان السوري والايراني لا يختلفان. من رفض اي تسوية، الى القبول بما يقبله الفلسطينيون... ما كان صحيحا قبل احتلال العراق، مختلفا عما بعده. والشيعة هم في عين الاعصار تماما. كل ما يذكر عن الدور السياسي السوري او الأمني في لبنان، ناهيك بإرسال الجيش الى الجنوب، له مضاعفاته الداخلية. منذ عقدين بدأت تتكون معادلات في الكيان اللبناني عظمت من الدور الشيعي في لبنان. تم ذلك برعاية سورية. تحولت مؤسستها الطائفة السياسية والعسكرية الى الرقم الأصعب في الكيان. أمسكت حركة “أمل” بزمام السياسة، انطلاقا من دورها في مجلس النواب، وعبر رئيسها، بالسلطة التشريعية، فيما شهر حزب الله سيفه جنوبا مقاتلا الاحتلال ومستمرا في أدائه، وان كان بوتائر مضبوطة بعد الانسحاب الاسرائيلي في العام 2000. وهي وتائر باتت اشد انضباطا منذ اكثر من ثلاثة اشهر. 

اسئلة كثيرة ما زالت معلقة... 

سبقت وتبعت التهديدات الاميركية لسوريا خارطة الطريق اعلانا وحركة سياسية. جانب من هذه التهديدات كان له علاقته بالحرب على العراق قتالا وسياسة. وجانب آخر اتجه بوضوح نحو موقع الصراع الفعلي في المنطقة، اي فلسطين. 
 

خارطة الطريق 

     يصف الشيخ نعيم قاسم خارطة الطريق بأنها واحدة من افرازات الاحتلال. ورغم اعدادها المسبق، الا ان تنفيذها كان مؤجلا لاعتقاد الاميركيين ان المناخات التي ستنشأ بعد سقوط صدام حسين ستكون مساعدة. فالجو العربي سيكون في حال من الاحباط والاستسلام مما يجعله مستعدا لتقبل هذا النموذج. النموذج المقصود هو الذي يتجه نحو إنهاء الانتفاضة وتحقيق المطالب الاسرائيلية. من هنا كانت حركة بوش باتجاهها اعتمادا على المناخات الجديدة. أما الخارطة نفسها فهي مشروع كارثة على الشعب الفلسطيني من خلال محورين اساسيين هما: 

الاول انهاء الانتفاضة باليد الفلسطينية وبمسؤولية السلطة وتحميل الاخيرة وزر اي عمل امني ضد اسرائيل. بمعنى آخر تحميل السلطة مسؤولية تحقيق الأمن الاسرائيلي بنسبة مئة بالمئة. 

الثاني إطلاق يد اسرائيل لتضع الحلول التي تراها مناسبة، والجداول الزمنية الملائمة والآليات المنسجمة مع خطتها بدعم اميركي كامل، خصوصا بعد ان تم افراغ الخارطة من كل ما ورد فيها من التزام اسرائيلي، عندما اعلن بوش الموافقة على الملاحظات الاربع عشرة التي تسقط عمليا الالتزامات الاسرائيلية. 

ومن المعروف ان هذه الملاحظات الاسرائيلية تتركز على الاستمرار في عمليات الاستيطان وعدم اعلان الدولة الفلسطينية قبل استكمال الأمن الاسرائيلي، وعدم وضوح حدود هذه الدولة، ورفض حق العودة للاجئين. اي ان الخارطة اصبحت خارطة انهاء الانتفاضة واطلاق يد اسرائيل لتفعل ما تشاء، يتوصل قاسم الى ذلك. 

ينطلق الناطق بلسان المكتب السياسي لحركة “أمل” من مؤتمر مدريد واتفاقات اوسلو وما تلاها من مفاوضات اسرائيلية وفلسطينية، ويسأل من كان يعرقل كل ذلك؟. تجزم اجابته ان الطرف الاسرائيلي هو الذي فعل وانقلب على التعهدات ورفض السلام. فالكيان الاسرائيلي قائم على فكرة التوسع والاحتلال، وهذا الكيان قد اتخذ خياره النهائي بعد العام 1996، عندما رفض كل الخيارات التي تصب في اطار السلام، وضاعف من ضغطه على الوضع العربي، بما يؤدي ليس فقط الى اسقاط الانتفاضة بل المنطقة بأسرها. 

حاليا يتابع الناطق فان الشعب الاسرائيلي غير مستعد للسلام، ولا تروقه هذه الفكرة. ما يساعده على هذا الاتجاه، بالاضافة الى عقيدته الفكرية الدينية الضعف والتشتت العربي والاستقواء بأميركا وبكل امكاناتها المادية والعسكرية والاقتصادية، لذلك يستنتج نحن نشك ان يكتب النجاح للخارطة، اذ ان اسرائيل قد اجهضتها قبل ان تولد، وهي كل يوم تضع الشروط والتحفظات حتى تصل الى الساعة التي تدفنها فيها. ان خارطة الطريق هي عرض اميركي سخي لاسرائيل سيرفضها الاسرائيليون، لأن اسرائيل تدفع باتجاه وضع الادارة الاميركية امام خيار واحد هو الادارة المدنية المدارة من جانبها، مع تحضير لعملية ترانسفير تهجير الفلسطينيين خارج الضفة الغربية وقطاع غزة. ومن الآن وحتى تلك اللحظة فان اسرائيل ستمضي في تفكيك آخر مظاهر السلطة الفلسطينية وستنتظر الفرصة السياسية الدولية للاجهاز عليها بشكل كامل. 

يقترح الناطق خطة سلام شاملة للمنطقة تكون خطة حقيقية مبنية على وقائع وحاجات وعادات وتقاليد الشرق الاوسط والقرارات الدولية ذات الصلة بالمشكلة الفلسطينية. 
 

الانتفاضة والمعادلات 

     الموضوع الفلسطيني ليس تفصيلا في تاريخ وواقع المنطقة. يمكن قراءة تطورات الاوضاع الاقليمية انطلاقا مما يجري في فلسطين، حيث يحاول الفلسطيني بدمه ان يمنع سحقه، تحت وطأة معادلات الوضع العام. بالتأكيد الحلقة السورية اللبنانية أشد التصاقا به من سواهما. رغم ذلك ما زالت مصر والاردن و... معنية به الى هذا الحد او ذاك، ناهيك عن اميركا واوروبا و.. ويبقى لبنان الأكثر تأثرا. يكفي الاشارة الى حروب امتدت لأكثر من ثلاثة عقود بفعل هذا الصراع ومنعطفاته. 

يعتبر الشيخ نعيم قاسم ان الانتفاضة لم تندلع بقرار سياسي عربي. لو انها كانت على هذا النحو لقلنا بأن وضع الانهزام الموجود حاليا سيؤثر عليها وطريقة ادائها. ولو اعتمدت الانتفاضة على زخم النظام العربي العام وتبنيه لها، لقلنا ان عدم التبني سيجعلها وحيدة ومعزولة، وهذا ما يضعفها. لكن لنكن واقعيين ونعترف ان الانتفاضة قد انطلقت بدوافع ذاتية داخلية محض فلسطينية لها علاقة بتطورات التسوية ونتائج اوسلو الفاشلة واجماع الفلسطينيين من انصار التسوية واعدائها بعدم جدوى الحلول المطروحة. الدعم العربي لم يكن اكثر من بعض التصريحات التي واكبت الاحداث بشكل خجول، بل انها في الكثير من الاحيان حاولت اقناع الفلسطينيين بعدم جدوى انتفاضتهم. اما الدعم المالي فهو محدود وطبيعته انسانية اكثر مما هو مرتبط بحركة الانتفاضة. وعليه يمكن ان نقول ان التطورات الحالية، تترك انعكاسات نفسية على الفلسطينيين اكثر مما تترك انعكاسات عملية. وبما ان الانتفاضة حركة ذاتية لها علاقة بالمشروع الفلسطيني فتنظيم استمرارها او عدمه مرهون بسببها. اذ على الرغم من مرور اكثر من خمسين عاما على احتلال اراضي العام 1948 لم يستطع الاسرائيليون، اقناع الفلسطينيين في اراضي العام 1948 انهم قدموا لهم حقوقهم، مما جعلهم جزءا لا يتجزأ من الانتفاضة الاخيرة. كذلك لم يستطع الاسرائيليون ان يتابعوا مسارهم مع السلطة الفلسطينية المقتنعة باتفاق اوسلو، والذي نعتبره اقل بكثير من الحق الفلسطيني. ومع ذلك فقد حشرت اسرائيل السلطة وزجتها في خانة المعترضين فاجتمعت القوى الفلسطينية على الانتفاضة موحدة. اذ ان امام الفلسطينيين واحدا من خيارين: 

أما ان يقبلوا ما تريده اسرائيل وهو ما لا يقنع المتخاذلين منهم، وإما ان يستمروا بالرفض عبر الانتفاضة التي تزداد وتخف بحسب الظروف والتطورات في داخلهم. وهذه تحمل أملا بنصر ما وبالحد الأدنى لو استطاع الفلسطينيون ان يمنعوا تشريع الاحتلال وجعل بقائه على أرضهم غير مستقر، وعدم اعطائه عنوان الدولة الاسرائيلية ذات الحدود الواضحة لكان ذلك نصرا كبيرا بانتظار التطورات. ليس مطلوبا من الانتفاضة ان تحقق انجازا سريعا، انما المطلوب منها اعاقة الانجاز الاسرائيلي، وهذا بمقدور الفلسطينيين مهما كانت التحديات. لكنه يتطلب الحكمة والانتباه لعدم السقوط في صراع فلسطيني فلسطيني يؤدي الى انهاك داخلي. وهناك بعض في السلطة يحبذون ذلك. لا شك انه لو تم تجاوز هذا الامر وقدرت جميع الاطراف عدم الانجرار اليه فان المأزق الاسرائيلي سيبقى قائما ما دام لم يأخذ اعترافا رسميا بدولة اسرائيل ضمن حدود ومواصفات. وكذلك بعدم الاعتراف بدولة فلسطينية ممسوخة او من دون هوية. 

من هنا يختم قاسم رؤيته للمعادلات فان الرهان على أمرين أولهما هو حجم المطالب الاسرائيلية التي لا حدود لها والتي تشكل استفزازا كافيا للمعتقدين بامكانية التفاهم مع اسرائيل، ولطالما كان رفض اصحاب التسوية للخطوات الاسرائيلية مرتبطا بهذا الاستفزاز. اما الثاني منهما فهو المراهنة على عامل الزمن للافادة من المتغيرات التي يمكن ان تطرأ في المنطقة او حتى على المستوى الدولي. 

واضح مما يقوله قاسم انه يحمل الفلسطينيين وحدهم اعباء مواجهة الآلة السياسية الاميركية والجرافة العسكرية الاسرائيلية، ودون ان يحدد ولو سقف متواضع على المستوى السياسي العربي والدولي في الاسناد المطلوب لهم في معركتهم. لذلك تبدو المراهنة الاخيرة معقودة فقط على حجم المطالب الاسرائيلية وعلى الزمن من دون سواهما. الأهم في التحليل الذي قدمه انه يطيح بالعديد من الشعارات التي تم رفعها من جانب القوى الاسلامية تحديدا في نصرة الانتفاضة ودعمها. يتخفف قاسم من تراث عريض جعل من الجنوب يوما خطوة تحرير تفتح الطريق نحو القدس. دون ان يعني ذلك هجوما عسكريا بالضرورة لا قبل لأحد به ولا وجود لقواه راهنا. 
 

لبنان والعراق وسوريا 

     العراق، سوريا، لبنان. في العراق باتت القوات الاميركية على الارض، وان بمصاعب قد تتطور نحو مأزق. سوريا عمليا باتت بين الاحتلالين الاميركي والصهيوني. لبنان مجرد موقع في المعادلات. مفتوح على الموقع السوري، عبر “وحدة المسارين” او الصراع العربي الاسرائيلي.. او مهما كانت التسمية. وواقعا بات من الاستحالة الفصل بينهما على هذا المستوى. 

ليست خارطة الطريق بالتأكيد شأنا فلسطينيا اسرائيليا. فالفلسطينيون عمليا هم المتراس الحقيقي للدفاع عن وجودهم، وامام احتمال اندفاع الجيش الاسرائيلي نحو اسقاط مواقع عربية بالسلاح او السياسة. من هنا لا بد من رؤية الخارطة بمداها الأوسع. ثم هناك الاحتلال الاميركي للعراق كمعطى مستجد. الموقع السوري المحوري يفتح على جنوبه الشرقي في العراق وجنوبه الغربي في فلسطين. لبنان ايضا ومنذ حوالي الاربعة عقود في صميم المواجهة. 

يرى الشيخ صبحي الطفيلي ان لبنان بلد محاذ للكيان الصهيوني، واميركا تنطلق في مواقفها ليس من مصالحها فقط، بل من دعم وأمن هذا الكيان. طبيعي ان الاميركي لا يريد من لبنان ان يكون عنصر اقلاق للكيان الاسرائيلي. ولبنان لفترة كان مأوى لكثير من المنظمات نظرا لخلوه من النظام. ولا زال فيه تشكيلات مسلحة. والاميركي بالتأكيد يريد ان يطمئن الى ان هذه التشكيلات لا تشكل ضررا على مصالحه هو او على الكيان الصهيوني. واذا كان هناك من سلاح لا يصب في خدمته ولا يرى بوجوده فائدة يحاول ان ينزعه. هنا يجب ان نقرأ بدقة. بعد الاحتلال الاميركي للعراق ثمة من يقول ان الوجود السوري مطروح على الطاولة. هذا الوجود لم تكن اميركا بعيدة عنه منذ العام 1976. لكنهم يتجنبون اي حديث عن هذا الامر بشكل جلي. ليس معلوما بالضبط هل الاميركي يتحدث عن الموضوع بشكل جدي ام لا. يمكن بعد ايام او اسابيع للاميركي ان يتحدث بلغة اخرى، وربما يعتمد السكوت عنه لفترة طويلة. من اجل الحديث عن المستقبل لا بد من الاطلاع على الاولويات الاميركية. 

الآن الاميركيون هم في العراق. وسيأخذ هذا الأمر من جهدهم الكثير، مما يسمح لهم بالتفكير على نحو معمق في لبنان. عندما يتحدثون مهددين سوريا لا أعتقد أنهم يقصدون ذلك. كل ما في الأمر انهم يبعدون سوريا وإيران عن ازعاجهم للتفرغ للفريسة العراقية الكبرى. أتمنى من جانبي أن يزعجوه، واذا لم يفعلوا فإني من الذين سيشعرون بخيبة ومهانة مرة. قرار الازعاج هذا يتعلق به مستقبلنا ومستقبل المنطقة. الاميركي لا يستطيع ان يفعل بسوريا ما فعله بالعراق.. أي خطوة أميركية ضد سوريا او إيران او أي بلد آخر سيكون لها آثار سلبية وضرر على الأميركيين أكبر بكثير مما عايشوه حيال العراق. لذلك أرى أن على الحكام أن يفكروا ويدركوا أنهم ليسوا على الضعف الذي يتصورونه. وهنا لا أتحدث عن الطائرات والاساطيل.. أتوقع ظهور موجة عالمية معادية للأميركيين كردات فعل على سياساتهم. الاميركي لا يستطيع أن يعادي كل شعوب العالم او أن يرجع ثانية الى جزيرته للانعزال فيها. الناخب الاميركي يدلي بصوته لسياسة داخلية وخارجية. قوام الأخيرة العداء للمسلمين والفلسطينيين والأفغان وشعوب العالم الثالث. الناخب الاميركي يتحمل مسؤولياته، بعكس ما هو عليه الوضع في لبنان او العراق او.. في السبعينات فرض الشعب الاميركي على إدارته الانسحاب من فيتنام. إذا كان هذا الناخب لا يريد مزيدا من العداء، عليه الضغط عليها لمنعها من ممارسة الاحتلال ودعم أنظمة الطغيان. 
 

المعادلات والاستهداف 

     كل هذا الكلام يعيدنا الى لبنان وسط معادلات المنطقة، معطوفة على خصوصية جعلت تجربته مميزة عن سواها، بدليل أنه على أرضه تدور معركة مفتوحة مع الكيان الاسرائيلي لا يعود تاريخها الى لحظة نشوء المقاومة الاسلامية، بل الى العام 1968، أي قبل تكونها بحوالى العقد ونصف، مع كل ما مر بها من قوى ومحطات وحروب و... وصولا الى دحر الاحتلال، مع بقاء موقع “إشكالي” تمثله مزارع شبعا اللبنانية. 

الآن يتم إقليميا تحجيم الدول لتتناسب مع جغرافيتها دون طموح أكبر، كما حدث سابقا. تركيا تم إبعادها الى هذا الحد او ذاك عن الملف العراقي. إيران تشهد ما يصب في إرباكها رغم المرونة الكبرى التي تبديها مع أحكام المرحلة. سوريا هناك أسئلة بشأنها لبنانيا. مصر تقوم بالوظائف المقررة لها لا أكثر ولا أقل.. حضر اللاعب “الأعظم” في العالم، فتواضع الآخرون أمام قدراته. وحدها إسرائيل عندما يجاز لها أميركيا تستطيع لعب دور، وهي التي تملك مخزونا نوويا لا يقل عن مائتي قنبلة، وجيش مدجج بالسلاح. أما إذا لم تصدر الاجازة فالانضباط سيد الموقف. 

الشيعة في لبنان ربطوا مصيرهم خلال عقود الحرب الاهلية بالوضع الاقليمي لكل من سوريا وإيران. الاحكام الآن مختلفة عما سبق. هذا الارتباط هو ما مكنهم من تعزيز موقعهم اللبناني. أحيانا برز لدى بعض القوى وهم الحجم الذي يتجاوز القوة الموضعية، الى القوة المحركة اقليميا. الآن ينكشف ان المرحلة تختلف جذريا عما سبق. وما كان مسموحا به سورياً وإيرانيا لم يعد كذلك. لذلك فان قيادة حزب الله مثلا تتمهل في إعلاء المواقف وإعلان المعارضات ضمن حدود لا تفيض عن السقفين الإيراني والسوري على حد سواء. وهذا مضمون الرسالة التي حملها خاتمي الى هذه القيادة خلال لقائها، داعيا الى التصرف بحكمة في مثل هذا المنعطف الذي يهدد دولا بمن وما فيها وليس قوى. بات العصر عصرا أميركيا كامل المواصفات، ولا يمكن مواجهته على النحو السابق، من خلال استفراد قوات الاحتلال الاسرائيلية وإلحاق الهزيمة بها. هذه المرحلة انتهت. 

يعترف رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد أن هناك استهدافا اسرائيليا مباشرا لحزب الله. وهذا الأمر مؤكد ولا نقاش فيه، الاسرائيلي يريد الانتقام من حزب الله ومن لبنان عموما بسبب الهزيمة التي ألحقت بجيشه وتكرست في أيار من العام 2000 بالاندحار الذليل ومن دون مفاوضات او اتفاقات مع لبنان. الادارة الاميركية الراعية للإرهاب الاسرائيلي والشريكة الاساسية للكيان الصهيوني في العدوان على المنطقة “تتفهم” العدوانية الصهيونية تجاه حزب الله. ومن الطبيعي أن تتعاطى بأساليبها لتحقيق أهداف العدوانية الاسرائيلية وإن اختلفت مع الاسرائيليين لجهة النبرة والوتيرة الزمنية والتغطية الدبلوماسية. 

ما يمكن ان تفعله الادارة الاميركية خصوصا بعد غزو العراق، حاولت أن تمرره عبر كولن باول مدعوما بقصف من التصريحات والمواقف. صدرت هذه عن مراتب متعددة وشخصيات في الكونغرس. تمحورت كلها حول تهدئة الوضع بين لبنان والكيان الصهيوني، وهو ما نفهمه نحن تجنب مواجهة راهنة بانتظار ابتلاع الوضع الفلسطيني في الداخل وترتيب الصيغة السياسية للنظام الذي يراد له أن يحكم العراق، المفردات التي تعبر عن الحاجة للتهدئة تتراوح بين مطلب نشر الجيش اللبناني جنوبا، خروج الجيش السوري من لبنان، وضبط سلاح حزب الله في الخطوط الأمامية. عندما استعمل توصيف ضبط سلاح حزب الله، فذلك لأنه لم يطرح تجريده في المحادثات الرسمية بين باول والمسؤولين اللبنانيين. الموضوع برمته يندرج تحت عنوان التهدئة وعدم التصعيد. كمقاومة نحن راضون ومتفهمون لرد رئيس الجمهورية على ما أثاره كولن باول، ونؤكد أن الاحتلال الاسرائيلي المستمر لبعض الاجزاء في لبنان هو مدعاة أي تصعيد، وأي عدوان إسرائيلي على لبنان هو مدعاة للتصعيد أيضا. ممارسة المقاومة لحقها المشروع في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي ضمن الاراضي اللبنانية لا ينبغي أن يفهم في إطار التصعيد، وان كان أداء المقاومة في هذا المجال يخضع لتقدير مصلحة لبنان العليا ومصلحة المقاومة ايضا. 
 

الضبط والانضباط 

     يعتبر السيد هاني فحص أن علاقات حزب الله العربية والاسلامية أساسية وحاسمة في ضبط مساره، مصدر الضبط أيضا ان الحزب بحاجة الى الوطنية الايرانية حتى تشاركه معرفيا وسياسيا من أجل ان يرقى بوطنيته اللبنانية الى مستوى القبول النهائي بالكيان والعمل على إنجازه وتجديده طبقا للمستجدات التي يجب أن تكون قد أوصلتنا الى القناعة ان عدم إنجازنا بوعدنا للدولة القومية، ينبغي ألا يعفينا من إنجاز الدولة الوطنية. إذ أن إنجاز الأخيرة هو الاسهام الحقيقي في السياق القومي والاسلامي وهو مشروع المحاصرة الحقيقية. اضافة الى ذلك فإن المشروع الاسلامي الأممي وتعقيداته وتشكيلاته أكبر بكثير من المشروع القومي العربي. انطلق من أن وحدة الاجتماع العربي والاسلامي متحققة، ولكن ليس بالضرورة ان تتطابق مع مشروع الدولة الأمة. فالدولة القطرية لا تقع على الضد من المصلحة الاسلامية، يجزم فحص أن التطورات ستحدث تطويرا في عقل حزب الله، لجهة المطابقة بين العقلين المضمر والمعلن. 

يسترعي انتباه فحص وإعجابه ما أعلنه خاتمي الذي رأى لبنان من الداخل وأراده متحررا من ذاكرة الحرب والانقسام، ناظرا الى دوره ومعناه الذي يتجاوز حجمه وإعداده واقتصاده. بما يحول التعددية فيه الى أطروحة حضارية، بدل الاستمرار في القبول به كأمر واقع وعلى مضض، هذا بالضبط ما يرفع لبنان الى مستوى الرسالة، الذي لا يجوز استمرار الكلام الانشائي عنها، بدلا من إنجازها. يجب ان يكون في حال من الانجاز، وهو بهذا المعنى أيقونة الشرق، الذي عليه ألا يتأملها فحسب بل أن يتمثلها أيضا. إذن لا بد من إنجاز الأمثولة، والأمثولة تسع الجميع والا أصبحت إملاء وتكرارا. 

هذا قليل من كثير وهذا يفتح الأبواب على مزيد من التدقيق والرصد.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic