الشيعة في عين الإعصار الأميركي للمنطقة العربية والإسلامية (3)
فضل الله: أميركا في متاهة وعلى العراقيين التوافق على الحد الأدنى

زهير هواري

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 4 تموز «يوليو» 2003

     بدأنا مع "سلاح حزب الله وجبهة الجنوب (1)" وعرجنا على "مضاعفات خارطة الطريق في فلسطين (2)". وفي هذه الحلقة حديث مع المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله. 


 

السيد محمد حسين فضل الله

     يؤكد فضل الله ان اميركا التي انتصرت في حرب سهلة على العراق، لم تستطع حتى الآن الحصول على ثماره سياسياً. من هنا يأتي المأزق الذي تتخبط به، وهو الذي دفعها الى الضغط على مجلس الأمن ليصدر قراراً لم يتناسب مع طروحاتها، لا سيما أنها لا تعتبر نفسها دولة محتلة للعراق، اذ انه في مثل هذا الوضع لا تملك اية شرعية للتصرف في ثروات او استثمارات او اعمار العراق. فالانتصار الذي احرزته لا يعطيها الشرعية اذا لم تكن دولة احتلال. لذا شهدنا اولا مسألة رفع العقوبات عن العراق، الامر الذي يمنحها حرية التصرف بكل ما يتعلق باقتصاد العراق وغيره. هذا القرار يتوقف عليه ان تأخذ صفة الدولة الشرعية بالمعنى القانوني. 

يضيف: ومسألة الاحتلال قد لا ترضي اميركا في العمق، وهي تقارب مسألة الاحتلال للضفة الغربية والقطاع التي اعترف بها ارييل شارون ثم تبرأ منها بعد ذلك. لهذا بعد ان أصدر مجلس الأمن قراره باعتبار اميركا دولة محتلة باتت تتحمل المسؤولية امام العالم كله في اعادة العراق الى موقعه كدولة تملك الشرعية الوطنية من خلال مؤسساتها وأجهزتها. لكن المشكلة بالنسبة لأميركا، هي انها في ما يبدو لا تتقن عملية لعب دور الدولة المحتلة. تاريخ اميركا وحركتها السياسية هو تاريخ الدولة المسيطرة القاهرة، التي تقمع وتصادر وتتدخل وتستفيد من كل الظروف التي تحمي مصالحها. اما ان تكون دولة محتلة تشرف بشكل مباشر على بلد بكل خصوصياته وكلياته، فهذا امر لا سابق عهد لها به. وهنا تختلف عن بريطانيا التي عرفت في تاريخها الطويل استعمارا للكثير من الدول. لهذا لاحظنا هذا النوع من الارتباك في إدارة المسألة العراقية من النواحي السياسية والاقتصادية والامنية، الامر الذي دفعها الى تغيير مسؤوليها الاداريين بين وقت وآخر، كما جعلها تستنجد بالعالم من اجل ان يساعدها في ضبط الامن، وهي الآن تقوم بأكثر من تجربة لجمع الاطياف العراقية من اجل تأسيس حكومة او ادارة مؤقتة وما الى ذلك. 

اذن يتابع فضل الله اتصور ان اميركا دخلت في متاهات سياسية وامنية في العراق. ويبدو ان هذا النوع من الارباك هو الذي جعل العراقيين المتحمسين لأميركا يفكرون بأن ما عاشوه في الاحلام كذبه الواقع. وعليه فقد ارتفعت الهتافات التي تطالب بانسحاب قوات التحالف من العراق. كما لاحظنا وجود اكثر من نشاط أمني، ربما ينسب إعلاميا الى جهات من الخارج او الى فلول النظام وغيره. ولكنه يعبر عن ظاهرة قد تكون متعددة الخلفيات، ولكنها تدل على ان اميركا التي انتصرت عسكريا لم تستطع استثماره سياسيا. 

- يثير ما تصفه بالارتباك الاميركي مسألة دينامية المجتمع العراقي الذي عانى التدمير طوال عقود متلاحقة.. كيف يعاد اطلاقه لمضاعفة المأزق الاميركي؟ 

انني لا أزال اتحفظ على سرعة النمو السياسي في العراق على المستوى الذي يستطيع معه بسرعة ان يؤلف حكومة مسيطرة. القضية هي ان الاطياف العراقية، سواء كانت تسمى بمعارضة الخارج او الداخل او القوى العشائرية، لا تملك الكثير من مقومات السيطرة الميدانية بدليل تناقضاتها وتعذر توظيفها لإيجاد وضع مستقر. أنا لا أقول ان العراق لا يملك كفاءات سياسية واقتصادية وعلمية. بل أؤكد ان العراق هو بلد الكفاءات، وهو البلد الذي لا يملك حضارة تاريخية، بل يعيشها ويتملاها. لكن قضية الدينامية السياسية تحتاج الى نوع من الخبرة الميدانية المتحركة. وقد غيب العراق عن ذلك كله في الداخل. 

اما من كان في الخارج فكان اقرب الى المسألة التنظيرية منه الى المسألة الواقعية. ان هذه الامور تجعل هناك صعوبة فعلية وليس استحالة. لذلك فإني اتصور ان الخطة الوحيدة للعراقيين هي ان يعملوا في الداخل من خلال هيئاتهم لإيجاد قاعدة تجمع الجميع على اساس اقل القواسم المشتركة وعليهم البدء ولتبدأ بمسألة الحكومة الوطنية العراقية، وبذلك يخلقون حاجزا امام اميركا في تبرير تدخلها المباشر في العراق لحاجتها الى الاستقرار. لكن المسألة هي هل الاطياف العراقية التي رأينا بعضها كيف يبحث عن الحصص، والبعض الآخر كيف يطلق العناوين الطائفية والمذهبية وغير ذلك... هذه الاطياف هل تملك الارادة لإيجاد وضع عراقي وطني منفتح على المرحلة والمتغيرات المحلية والاقليمية والدولية من اجل صنع حالة وطنية عراقية ام لا. هذا ما ننتظره. 
 

الفجوة والفراغ

- اذن العراق بين مأزقين: مأزق الاحتلال الاميركي من جهة ومأزق المعارضة العراقية من جهة ثانية؟ 

هذه الفجوة، او هذه المساحة الضائعة التي تعيشها الساحة العراقية بين نظام طاغ جمد العراق كله، وبين نظام محتل اعطى العراق احلاما لكنه لم يستطع حتى الآن ان يمنحه امنا واستقرارا اقتصاديا وخدمات، وان يضبط الساحة حتى بالنسبة لأمنه هو. اذن هناك منطقة فراغ بين مرحلتين، ولم يتقدم احد حتى الآن ليملأ هذا الفراغ، الذي يخيل للبعض ان هناك ما يملأه كحرية الهتافات والتظاهرات وبعض الاجتماعات والمؤتمرات.. الحرية الاعلامية لا تختزل حرية المواطن والوطن. الكل يتحدث عن التغيير، ولكن لم نجد اي خطوة متقدمة في اتجاهه، حتى على مستوى العلاقات السياسية بين السياسيين انفسهم. لم نجد هناك في العمق وحدة سياسية بين الاطياف العراقية وإن كانت هناك عناوين سياسية تطرح ولكن من دون عمق. 

- سماحة المرجع: تقول اننا لم نجد.. كإنسان عاش وعايش العراق ماذا كنت تتوقع خلاف ما تقوله الآن؟ 

كنت منذ البداية اتوقع هذا الفراغ لسبب بسيط. اولا هو ان قوة الاحتلال ليست مستعدة لأن تعطي اي شعب، ولا سيما العراق باعتباره البلد القوي الذي يمكن ان يوازن اسرائيل في القوة على المستويات الاقتصادية، باعتباره من اغنى البلدان العربية في المنطقة، لا في البترول فحسب، ولكن في اكثر من مورد، ثم ان طاقته البشرية تتميز عن سواها من البلدان العربية لجهة الكفاءات الهائلة المنتشرة في كافة القطاعات وعلى كل المستويات. لذلك فإني لا أثق بأن اميركا يمكن ان تعطي اي بلد من بلدان العالم الثالث ديموقراطية على الطريقة التي يمكن ان يتمتع بها اي مواطن غربي لأن هذا ضد مصالحها. هذا امر كان واضحا عندي وما زال. 

الجانب الثاني هو ان المسألة السياسية العراقية كانت تعاني من غياب. واذا كان البعض يتحدث عن اجتماعات المعارضة ومؤتمراتها وعلاقتها بأميركا او بريطانيا وبعض الدول العربية، فإنني اعتقد انها كانت مجرد عملية ملء لفراغ، لا يملك احد فيه فرصة الكثير من وضوح الصورة للعراق في تلك المرحلة. الكل كانوا يفكرون كيف يسقط النظام، حتى ان الوجدان العراقي العام اصبح يعتبر اميركا محررة، لأن الشعب لا يستطيع اسقاط النظام، وان اميركا هي الوحيدة التي تستطيع ذلك. هذا الاستغراق في فكرة اسقاط النظام، وهو حق، وهذا الاستغراق في الخديعة الاميركية التي حاولت ان تعطي وهما انها تؤمن بحقوق الانسان وانها تتباكى على الشعب العراقي وانها تريد ان تحرره. لذلك استغرق الجميع في هذا وتعاونوا مع اميركا على هذا الاساس من دون اي دراسة معمقة لما بعد سقوط النظام. اذن لم تكن مسألة ما بعد سقوط النظام مدروسة على الأقل بشكل تفصيلي بحيث يمكن لكل هذه المعارضات ان تدخل الى العراق ومعها “الوصفة” جاهزة لمداواة هذا المرض. هذا بالاضافة الى ما أشرنا إليه من ان الفوضى ما تزال تحكم العراق، مما يجعل الشعب يفكر بأمنه وخبزه وما شابههما من امور بعيدة عن المسألة السياسية، وإن كانت ترتبط بالقضية والحاجة الى حكومة ودولة تحفظ الأمن وتحقق الخدمات. أما الأفق السياسي فإنني اتصور انه لم يكن مدروسا حتى ضمن خطوط عامة تفسح المجال امام خطوط تفصيلية. وهذا لم أجده حتى الآن في التجربة العراقية الجديدة. 
 

الأمن والحصار

- تشير الى انعدام الافق السياسي والفوضى، لكن ذلك لا ينحصر بالعراق وحده، رغم خصوصية اوضاعه.. ألا ترى ان غياب الأفق السياسي يحكم المنطقة بأسرها؟ 

هذه المسألة التي تثيرها تتصل بموقع العراق من الخطة السياسية الاميركية في المنطقة. عندما كنا نتحدث عن العراق في الداخل يتبين ان اميركا لا تملك ولا أي من حلفائها او عملائها، الا ان تعترف بأن هذا المشروع مطروح قبل احداث الحادي عشر من ايلول، وحتى منذ الثمانينيات. اميركا تعمل الآن بمختلف الوسائل وألوان اللعبة السياسية والاقتصادية ان تبقى الدولة المهيمنة على العالم. وقد صرح اكثر من مسؤول اميركي بدورها القائد لعالم اليوم. لذلك فإن ما يجري ينبع من السؤال كيف يمكن ترتيب الشرق الاوسط بما يحقق لها هذه الاهداف. 

لا شك في ان اميركا لها عدة اهداف، الاول منها هو حماية امن اسرائيل، لأن هذا الامن يقع في المقدمة الاولى من الاستراتيجية الاميركية في الشرق الاوسط، باعتبار انه يمثل سياسة المطلق، اذا كان هناك من سياسة للمطلق. 

الهدف الثاني هو الحصول على مواقع متقدمة للنفوذ الاميركي على جميع المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية. لذلك كانت مسألة احتلال العراق هي من المسائل التي تعتبر المدخل، لا من حيث ان اميركا اقتربت من حدود إيران، اذا كنا نتحدث عن حدود. اميركا تحاصر إيران وتحيطها بدول متعاملة معها. اميركا موجودة في الخليج كله، كما انها موجودة سياسيا وعسكريا في باكستان وأفغانستان وقد مدت اذرعها الى منطقة الجمهوريات الاسلامية التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي. وفي تركيا هناك قواعد اميركية. لذلك فإن الحديث عن ان احتلال اميركا للعراق قد جعل إيران في خطر هو غير صحيح. نعم، ربما يقال ان الخطر قد اشتد. لأن اميركا اكملت التطويق جغرافيا لإيران في هذا المجال. 

اميركا تحاول ان تفرض نفوذها على المنطقة، ولكن ليس من الضروري ان يكون ذلك من الناحية العسكرية. اميركا توظف الآن انتصارها الذي جعلها قوة بامتياز كما يقال، من اجل ان تلوح بالعصا لأكثر من دولة في المنطقة. ومن الطبيعي انها تعمل الآن على تغيير المنطقة الخليجية على اساس ان تمسك بها بشكل مباشر، بعد ان كانت تمسك بها بشكل غير مباشر. ان المسألة التي يبشر بها بوش عن نفسه وهي مسألة “النبوة” تقتضي منه ان يحقق رسالته في العالم ولا سيما في الشرق الاوسط، في حقوق الانسان والديموقراطية ومقاومة الارهاب وما الى ذلك. لهذا فإن اميركا تحاول الآن ان تمد ايديها وتمارس الضغط هنا وهناك. ولكن ليس هناك من خطر عسكري في المستقبل القريب على الأقل بالنسبة لسوريا ولبنان. 

- الاستنتاج الذي توصلت إليه باستبعاد الخطر العسكري على سوريا ولبنان، هل مرده ان رد الفعل لا يهدد الخطة الاميركية؟ 

السياسة السورية تتميز بقدر كبير من الواقعية السياسية التي تحاول ان تحافظ على الخطوط العامة في عناوينها السياسية المبدئية، ولكنها تتحرك على الارض لتدرس المتغيرات ولتحرك خطوطها داخل هذه المتغيرات بعيدا عما يشطب خطوطها العامة الاساسية، وإن بكثير من اللباقة السياسية في هذا المجال. آما قضية لبنان فإن المسألة هي مسألة المقاومة. أتصور ان أميركا ليست في وارد أن تجمع سلاح المقاومة الاسلامية، ولكنها في وارد ان تبرد الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة. وهذا أمر حاصل من خلال ان المقاومة الاسلامية بلغت سن الرشد، وأصبحت لا تؤمن بالمغامرة، بل تؤمن بالواقعية في الطريق الى الهدف. لذلك فإنني لا أتصور ان هناك وضعا أمنيا اميركيا قريبا، وينسحب الامر على إيران. لعلنا لاحظنا في اجتماعات بوش وبوتين وحديثهما المعلن عن مسألة الاسلحة النووية في إيران او المشاريع النووية على الأصح، ان بوش يقول اننا نريد من إيران أن تضع المفاعلات النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية. وهذا أمر طلبته إيران منذ البداية، وكانت لها تجربة مع بعض الجدل في التفاصيل. هذا مما يدل على أن أميركا وروسيا وصلتا الى نوع من التوافق الذي لا يسقط مصالح روسيا في بناء المفاعل النووي في بوشهر في إيران وفي التزامها مع أميركا بمنع السلاح النووي. 
 

فلسطين هي الأم

- سماحة السيد، لم تشر الى فلسطين في عرضك لوضع المنطقة مع انها في قلب المحنة أكثر من أي وقت مضى؟ 

أما فلسطين فهي الأم. إنني أعتبر ان فلسطين هي أم المنطقة العربية، ولعل كل ما عرفته المنطقة، بل العالم، وما تعرضت له الدول العربية من ضغوط بهدف تدجينه وإضعافه وزيادته فشلا وعجزا وسقوطا، وإن كان يهدف الى احتواء المنطقة في الخطة الاميركية، الا انه ينطلق من مسألة احتلال اسرائيل لفلسطين. انني أعتقد ان كل هذه الخلفية وكل التطورات التي مرت على العالم العربي والاسلامي بكل مفاعيلها السلبية من انقلابات عسكرية ومن فوضى في الأيديولوجيات ومن صراعات داخلية وحكم ديكتاتوري يتحرك بشكل مقنع تارة، وطورا بشكل سافر، حتى إنه صادر الشعوب العربية جميعا ومنعها من حرياتها ومن إرادتها في تقرير مصيرها.. ان هذا كله انطلق من مخطط اللعبة الدولية، ولا سيما الاميركية، كي تصنع اسرائيل دولتها في ظل غياب عربي، يملك الكثير من الصراخ ومن الانفعال ليتحول الى ظاهرة صوتية، وليس الى ظاهرة واقعية. 

ولذلك كله رأينا كيف أن الوضع السياسي في العالم العربي، الذي امتد من خلال الخطوط الدولية، ولا سيما الاميركية، تحرك عندما انطلقت الانتفاضة وانطلقت المقاومة في لبنان. فقد اصبحوا عندها ينادون بالويل والثبور باعتبار أن هؤلاء يمثلون التطرف والفئات التي لا تريد السلم والاستقرار. ثم عندما حدثت الحادي عشر من أيلول دخل كل هؤلاء في الارهاب، وتعاونت الدول العربية مع الخطة الاميركية في هذا المجال. ولا تزال الضغوط تتحرك في المسألة الفلسطينية من أجل القضاء على الانتفاضة وفي لبنان من أجل القضاء على المقاومة. 

ان المسألة في تصوري وأمام ما يسمى بخارطة الطريق، هي ان الرئيس بوش يتحرك في هذه القضية بطريقة ضبابية، لأنه حتى في خارطة الطريق لم يطرح الخطوط التفصيلية بوضوح، مما يجعل كل نقطة فيها قابلة لأكثر من مئة سؤال كما كان الرئيس الراحل حافظ الإسد يقول عندما كان يتحدث عن اتفاقية أوسلو. وهذا يفسح المجال لإدخال المسألة الفلسطينية من جديد في المتاهات الاسرائيلية، تبعا للطريقة التي تدير بها الحكومة الاسرائيلية مسألة المفاوضات لتجعل الأمور ضائعة تفتقد الواقعية. 

اننا نؤكد هذا المنظور في أن الخارطة لا تخلو من أمرين: 

الاول: إما أن تكون مجرد واجهة سياسية يراد منها التحريك، من أجل دخول أميركا الى بلدان العالم العربي سياسيا لتعلن انها تتحمل المسؤولية عن هذه المشكلة التي تحتاج الى مفاوضات ومفاوضات. 

ثانيا: انها تريد ان تسقط الفلسطينيين بالضربة القاضية ليخضعوا لكل ما تريده اسرائيل، وهذا يمثل الاستراتيجية الاميركية التي تعتبر ان المسألة الحيوية عندها هي حماية اسرائيل من كل شيء، حتى من نفسها كما عبر عن ذلك كلينتون. 

اننا لا نثق بأميركا ولا نريد أن ندخل في تخوين مسؤول فلسطيني من هنا او هناك. أتصور ان الضغوط التي تشبه الجبال التي تواجه القيادات الفلسطينية تجعل بعض المسؤولين الفلسطينيين في السلطة يفكرون بأن علينا أن نجرب او أن نكون واقعيين، وأن نتحرك على الارض. ولكن لا أتصور أن اسرائيل التي وجدت في أميركا، الدولة التي تملك العالم، وتملكها هي اسرائيل في منطقة الشرق الاوسط، الخادم الذي يخدم استراتيجيتها، ولذلك فإن اسرائيل إذا لم تحصل متغيرات فوق العادة في العالم تضغط عليها، وإذا لم يحدث في العالم العربي والاسلامي ما يضغط عليها، بحيث يشرب حليب السباع بدلاً من حليب الأرانب الذي أدمنه الحكام.. إذا لم يحصل هناك وضع عربي يحرك أوراق الضغط على أميركا قبل إسرائيل، فإنني أتصور أن المسألة ستمتد الى قرن آخر. 
 

الضياع والتحديث 

- سؤال أخير سماحة السيد: وسط هذا الاحتدام هناك ضياع فكري فالإسلام هو إسلامات.. والحركة القومية في نزعها، ما هو الخط الفكري التحديثي لمواجهة التحديات؟ 

إنني كنت ولا أزال أدعو في المنطقة الاسلامية الى الحوار بين الاسلاميين من أجل أن نؤسس لأصالة إسلامية يملكها الاسلام في عمقه، وليس شيئا نصنعه. هذا الامر يتطلب الدراسة الواعية المنفتحة على دور الاسلام في حل مشاكل الانسان ورفع مستواه وإعطائه في كل مرحلة الحياة الجديدة. يقول تعالى “يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم”. فالدعوة في الإسلام هي دعوة الى الحياة بكل ما تحمله الحياة من أبعاد وتنوعات. كما ان علينا ان ندرس مسألة العنف والرفق في الاسلام. لأن العنف في الاسلام ليس هو القاعدة، ولكنه الخط الذي أخذ به الانسان منذ البداية ولا يزال عندما يعيش حالة الدفاع او الوقاية. لذلك فإن العنف في الاسلام هو عنف دفاعي وٍقائي وليس عنصرا عدوانيا. ان علينا ان ندرس ذلك كله، أن ندرس أيضا موقف الاسلام من التحديث، وموقفه من القضايا التي تفرض نفسها علينا كالعولمة والتنمية والبيئة وما الى ذلك من الأمور، حتى ينطلق الاسلام في حركة العصر دون أن يكون بعيدا عن تطلعات الانسان، وليشارك في قيادة العالم بمفاهيمه الحضارية الاساسية. 

إنني أعتقد أن الحوار مع كل الاطياف الاسلامية في مسألة الاجتهادات في فهم الاسلام، هو الذي يمكن ان يصل بنا الى نتيجة. ولكن هذا، أمام التراكمات من التخلف والخرافة والظلم والضغوط الهائلة التي تتحرك من هنا وهناك ولا سيما في الدوائر التي تفرض التجهيل على الواقع الاسلامي، يحتاج الى معاناة طويلة. وربما تكون الصدمات التي تحدث من خلال هذه العمليات الارهابية وما إليها، قد تكون فرصة لتحريك هذا الاتجاه. إننا لا نعتبر أن هناك إسلامات، بل هناك إسلام واحد يختلف الناس في فهمه.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic