“قاطعوا” في الشياح: أن لا تتزمت في الالتزام بأغنية

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 5 تموز «يوليو» 2003
حملة المقاطعة في بيروت
احدى الناشطات في الحملة توزع مناشير تدعو للمقاطعة في الشياح

     ألديك بعض الوقت لتتفرج؟ حسنا.. أنت الان تقف بسيارتك وأمامك تقاطع جادة هادي نصرالله وشارع عبد الكريم الخليل. أي أنك لست في الشياح فحسب، بل في إحدى أشد النقاط حيوية بضوضائها في الضاحية الجنوبية. تفرج. الشرطي البلدي يزعق بالسيدة في السيارة كي تحث سيارتها الخطى وزميله يدفع من الخلف سيارة أخرى تمرد محركها ولم يعد يريد العمل. المراهق على الدراجة النارية يتحين الفرصة للقفز بدراجته فوق المارة. وبما انها الان تشير إلى السابعة من مساء شديد الرطوبة فالسيارات تطبخ ركابها على نار هادئة. ضجة، ويوم عمل طويل، وانتظار لا ينتهي عند تقاطع.. ترى، كيف ستتقبل وجها مبتسما ويدا تمتد اليك لتعطيك بالونا؟ أغلب الظن أنك ستجد بادرة كهذه لطيفة. وأغلب الظن أنك ستفكر قليلا في المكتوب على البالون: “قاطعوا”. 

خذ مزيدا من الوقت وفكر. هؤلاء الناشطون في “حملة مقاطعة اسرائيل” نزلوا بمنشوراتهم ومجلتهم الشهرية والبالونات إلى المكان في وقت ذروة. من اين لهم كل هذا الترف في الايمان بقضية واضحة المعالم ومحددة جدا؟ من هذين السببين أولا وأخيرا.. لأنها واضحة المعالم ومحددة جدا. هناك لائحة من الشركات الداعمة لإسرائيل تبيع منتوجاتها في بلدك. ويمكنك أن تساهم، كفرد، ومن دون الذوبان في مظاهرة لا تسمن ولا تغني عن جوع، ومن دون إدعاء أي بطولات وهمية، يمكنك أن تفعل شيئا.. كفرد.. كهؤلاء الافراد الذين نصبوا طاولة صغيرة في البقعة المثلثة بين شارعين لتكون غرفة عملياتهم في توزيع فكرة المقاطعة. 

لماذا عليك أن تفكر بمقاطعة الشركة السويسرية الشهيرة بالقهوة سريعة الذوبان وبالحليب المجفف وغيره؟. لنقرأ ما كتبته كيرستن شايد في مجلة الحملة: “يقع ابرز موقع للشركة داخل “اسرائيل” في “سيديروت”، وهي مستوطنة أنشئت عام 1951 على بعد كيلومتر واحد من قطاع غزة، لإسكان موجة من اليهود الشرقيين ولتوزيع الوجود اليهودي في كافة ارجاء فلسطين. وقد بنيت “سيديروت” على اراضي بلدة “النجد” الفلسطينية التي تعرضت لتطهير عرقي من قبل العصابات الصهيونية عام 1948”. تساهم الشركة في تحقيق سياسات اقتصادية إسرائيلية لتطوير مناطق لمستوطنين جدد تصنف في خانة المعدمة. هي فنجان قهوتك الصباحي، وهي إلى ذلك ليست أميركية بل سويسرية. “فالمقاطعة ليست للمنتوجات الاميركية”، يقول الدكتور سماح ادريس الناشط في الحملة، “بل الاميركية أو الاوروبية التي تدعم اسرائيل بالتحديد”. هنا يقع الفرق. “قرب يا مرسيدس”، يصرخ الشرطي في سائق الاجرة بينما تقفز مجدولين من باص الدولة بعدما أخذته قبل مئة متر من التقاطع ووزعت مناشيرها على ركابه. المناشير، للمناسبة تعتمد على المصادر والمراجع في معلوماتها، تقع في فخ الشعارات الطنانة (اقطعوا شريان الصهيونية) لكنها في المقابل تحترم قارئها بان تعطيه اسبابا كي يقتنع بالمقاطعة. 

عند الثامنة والنصف تخلي الشمس المكان نهائيا ولا يخف الازدحام. لديك بعض الوقت لتفكر مليا. تغفل أفتتاحية مجلة “قاطعوا” اسم خالد الهبر بيد انها تشير اليه في المضمون: جاءت حفلة فنية لأحد الفنانين الملتزمين برعاية الشركة السويسرية عينها. وعلى الرغم من أن الحملة تحاورت مطولا مع الفنان وتمنت عليه الامتناع عن قبول رعاية هذه الشركة، فإنه أصر على موقفه زاعما أن كل الشركات تدعم اسرائيل فلا معنى للمقاطعة اذن، وأن الهدف الاساسي هو إيصال أغنيته الملتزمة(...) ونتمنى عليهم الا يستخفوا بالمقاطعة وألا يسخفوها (الافتتاحية تخاطب أصدقاءنا المثقفين والفنانين الملتزمين)، كما فعل الفنان الوطني أعلاه حين غنى : “لا تخافي من المقاطعة لا تخافي من البواليس”. إستبدل الهبر كلمة الملاحقة بكلمة المقاطعة. مطلع الاغنية المعروفة هو “جربت أكتبلك غنية عاطفية، ما طلع بايدي”. 

عند تقاطع جادة نصرالله وشارع عبد الكريم الخليل، خذ بعضا من الوقت وفكر. ليس المطلوب منك أن تتزمت في الالتزام بأغنية أو بموقف أيديولوجي من الصراع. ليس في هذا المساء ربما. كل ما في الامر أنك، وفي طريقك إلى البيت، ستعد نفسك بفنجان قهوة يريح أعصابك. قد يكون فنجانا من القهوة التركية.. أو فنجان قهوة سريعة الذوبان. هي قهوة سريعة الذوبان فحسب، وهناك العديد من الشركات التي تنتج هذا الصنف من القهوة. لا بأس إذا أن تجرب قهوة شركة أخرى غير التي اعتدت عليها. شركة لا تدعم اسرائيل بالضرورة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic