الشيعة في عين الإعصار الأميركي للمنطقة العربية والإسلامية (4)
أبعد من إزاحة دكتاتور العراق.. خطوة نحو الإمبراطورية الكونية

زهير هواري

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 5 تموز «يوليو» 2003

     بدأنا مع "سلاح حزب الله وجبهة الجنوب (1)"، وعرجنا على "مضاعفات خارطة الطريق في فلسطين (2)"، ثم "حديث مع المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله (3)". والحلقتان الرابعة والخامسة عن الوضع في العراق. 

... نصل الى الشؤون والشجون العراقية، وهي ضاغطة على الجميع، ليس لاعتبارات طائفية بل لاعتبارات استراتيجية كبرى، تتجاوز بتفاعلاتها وارتجاجاتها المدى الشرق اوسطي المنظور، الى الفضاء العالمي الاوسع فالاحتلال الاميركي للعراق ليس حدثا تفصيليا يمكن القفز فوقه او المرور عنه سريعا، طالما انه قد يكون المدخل لتفاعلات واسعة تتعدى بنيته الداخلية بتعقيداتها الى العالم الاوسع. 

الاحتلال الاميركي بات كامل المواصفات. احتلال بقرار من الأمم المتحدة. ومعه اصبحت الولايات المتحدة هي المسؤولة عن سياسة واقتصاد وخدمات هذه الدولة التي تم إلغاؤها عن خارطة العالم بقوة الحرب وليس سواها. حدث من هذا الوزن يعيد حسابات الدول والقوى والاطراف، وكل مشتغل ومعني بالشؤون العامة في مداراتها. 

بالتأكيد هناك خصوصيات عراقية، وهناك ما يسمى مرحلة الحراك الكبرى التي يشهدها هذا المجتمع بعد ثلاثة عقود ضاغطة، امكن خلالها للنظام الديكتاتوري تحويل القوى الحية الى جثث في مقابر جماعية مجهولة اسماء الاشخاص.. فقط هياكل عظمية مغفلة يعاد اكتشافها اليوم.. لكن هذا جانب من صورة العراق، او وجعه بالأصح. ماذا عن المقابر الاميركية للشعب والجيش العراقي؟! 

الشيعة في لبنان، وكما تبين في الأشهر الماضية مثلهم مثل سواهم اعادوا اكتشاف العراق، علما انهم كانوا قبلا على تماس معه من خلال الدراسة في النجف والمرجعية الدينية والاهتمام بالكبير والصغير من شؤونه. اللبنانيون ومن ضمنهم الشيعة كانوا قد تعرفوا على “تغريبة” العراقيين عبر موجات متعاقبة بدأت منذ السبعينات واستمرت نزفا لا ينقطع منذ ذلك، تبعا لمنسوب القمع الفائض الذي تعرضوا له.. 

العراق اذاً في المقام الاول بالتأكيد، لكن قبلا لا بد من البدء بالسياسة الاميركية مقدمات واحتلالا: 

قبل ان تدخل الدبابات الاميركية الى بغداد معلنة سقوط النظام الديكتاتوري في العراق، كانت الولايات المتحدة قد مهدت وعلى امتداد الاعوام الماضية، لل “قصف” بحملة اعلامية كبرى، لم يعرف العالم المعاصر لها مثيلا. خلالها اتهم النظام العراقي بما هو فيه وليس فيه وحده، ديكتاتور، طاغية، و... وراء هذا وسواه كانت تكمن استراتيجيا تطل حينا وتغيب احيانا. بالطبع، لا يمكن لدولة كالدولة الاميركية معقدة الى هذا الحد على صعيد بنيتها السياسية وشبكات القوى الاقتصادية التي تحرك هيكلها الكبير وأجهزتها السياسية والعسكرية والامنية والاعلامية ان “تبوح” او ان تذيع اسرارها دفعة واحدة، هكذا على الملأ. لكن هذا لا يمنع من محاولة قراءة واستقراء المعالم لهذه الاستراتيجية التي عندما تحددت على الاقل خططها العامة تحركت عجلات و”تروس” لا تعد ولا تحصى. 
 

قراءة في الاستراتيجيا

الشيخ نعيم قاسم
الشيخ نعيم قاسم

     يؤكد نائب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ان اعادة قراءة للاستراتيجية الاميركية في نظرتها الى المنطقة امر لا بد منه لدراسة الاحتلال الاميركي، الذي لا تمكن قراءة ابعاده تبعا لخطة الاحتلال المباشرة. وعليه يعتبر قاسم ان اختيارها العراق بوابة للمنطقة مرده غناه وضعفه في الوقت ذاته. ولذلك يصبح هذا المدخل ملائما للسيطرة السياسية والاقتصادية الشاملة. وهذا من شأنه ان يجعل الحضور الاميركي المباشر مطلوبا ومستقرا يؤدي دوره الداعم للمشروع الأساس الذي تتعرض له المنطقة منذ قرن متمثلا بالكيان الصهيوني في فلسطين. 

اذاً وكما يبدو من كلام قاسم فإن هناك مشروعا اميركيا معطوفا على مشروع صهيوني بات له مداه الزمني ليس القليل. بهذا المعنى يؤكد قاسم ان مشروعا من وزن احتلال العراق لم يكن رد فعل على احداث ايلول 2001 في نيويورك وواشنطن، ولم ينطلق مع مجيء ادارة بوش الابن الى البيت الابيض على رأس ادارة جديدة. 

النائب الحاج محمد رعد
النائب محمد رعد

يقدم رئيس كتلة الوفاء للمقاومة في مجلس النواب النائب محمد رعد قراءة للعناوين التي تحركت تحت شعاراتها الاساطيل والجيوش.. أما الهدف الفعلي فلم يكن لا نشر الديموقراطية ولا الاطاحة بالديكتاتورية ولا البحث عن الاسلحة بل وضع اليد بشكل مباشر على العراق لفرض خرائط على المنطقة تحفظ مصالح اميركا وحلفائها الغربيين. ولتحقيق ذلك كان لا بد من الامساك بزمام المادة الاستراتيجية التي تحتاجها كدولة عظمى وهي النفط. ومن اجل الوصول الى ذلك كانت هناك خطوات ممنهجة افادت من الاحداث الدولية ووظفتها في خدمة استراتيجيتها واثبات سيادة اميركا على القرار الدولي برمته. الحرب على افعانستان اوصلتها الى التماس مع نفط بحر قزوين. وهو الاحتياط الاستراتيجي الذي تم اكتشافه مؤخرا، وهو يكفي العالم لمدة قد تصل الى قرن. والنفط في العراق هو الثاني احتياطا في العالم الآن. والهيمنة على العراق تتيح عمليا تجاوزه الى السيطرة على الخليج بنفطه وسياسته. والنتيجة ان اميركا باتت الآن قادرة على التحكم بأكثر من 80 بالمئة من نفط العالم. وبالتالي التأثير على سياسات الاوبك توزيعا وأسعارا وعلى اقتصاديات العالم بما يتيح ضبط اي محاولة للتفلت من نفوذها لدى بعض الدول الصناعية. 
 

امبراطورية العالم

     المؤكد ان اميركا، وفي دوائر قرارها تحديدا تملك تصورا امبراطوريا للعالم. مركز قوي يمسك بزمام القارات والدول والشعوب والثروات.. دوما لا تقوم الامبراطوريات على السياسة فقط، بل على ما يشبه الرؤى المقدسة. الكثيرون يتحدثون في العاصمة واشنطن عن لغة يستعملها بوش تذكر بلغة “الأنبياء”، لغة تعتمد الايحاء بوجود رسالة كبرى. رسالة تضع على عاتق الولايات المتحدة الاميركية مهمة سامية، باعتبارها القوة العظمى للخير في مواجهة فلول الشر. هذه الثنائية للعالم، والتي تعتبر الوجه الآخر للعملة التي روجها بن لادن هي التي تحرك اميركا.. خلف المصالح هناك “لغة الوهية”. 

الشيخ صبحي الطفيلي
الشيخ صبحي الطفيلي

الامين العام الاسبق لحزب الله الشيخ صبحي الطفيلي يرى ان الاميركيين يريدون العالم امبراطورية صغيرة لهم حقا. ويصف كل كلام خارج هذا الموضوع بأنه خداع. خداع للنفس وخداع للعالم عند نفي ذلك. واحتلال العراق هو ركيزة اساسية في اطار بناء هذه الامبراطورية. وقد ساق الاميركي الامور سوقا في هذا الاتجاه، ومنذ حربي الخليج الاولى والثانية. فالاميركي هو الذي طلب من الكويت تحصيل ديونها من العراق، وهو الذي دعاها الى ضخ النفط بكثافة كي تهبط الاسعار، وهو الذي اوحى لصدام بإمكانية اجتياحه للكويت، وهو الذي ابقى عليه بعد هزيمته.. وهو الذي كان قد سبق وأغراه بفتح القتال مع ايران وهو... وعندما وجد الاميركي ان مصلحته باتت تقضي الاطاحة به فعل ذلك. ولم يمنعه من الشروع في الحرب وتكريس بنائه الامبراطورية علاقته مع الاوروبيين، ولا الهيئات الدولية ولا العلاقات السياسية. بالطبع انطلق في ذلك كله من قراءة للوضع الدولي والعراقي والعربي ولكن هذه القراءة قد تصيب او تخطئ تبعا للمتغيرات والمعادلات التي لا يمكن حسبانها بدقة. 

إبراهيم شمس الدين
إبراهيم شمس الدين

يعتبر ابراهيم شمس الدين ان المورد الأهم للولايات المتحدة هو القوة. لذلك يتم استثمار وجود القوة حتى الحد الاقصى. بهذا المعنى لا يصبح الجيش عبئا على الموازنة الاميركية كما يتصور البعض، بل الحل لمعضلات الاقتصاد والسوق والشركات. الاستثمار لوجود الجيش يتم عبر الحصول على ما يريدونه من مواد واسواق بمعزل عن الآخرين او رغم انفهم. بهذا المعنى لا يصبح تعبير القوة الغاشمة مجرد لغة انشائية او وصفية، بل توصيف القوة غير العادلة التي لا تقيم وزنا للشرعية والاخلاق. والحقيقة ان ما يريده الاميركيون هو اضافة المصدر النفطي الى قوتهم. كان العراق بالنسبة لهم يشكل حالة مغرية تقدم نفسها كفريسة. فالنظام نظام قمعي وطاغ. وهذا ما جعل منه موقع استهداف. بالتأكيد النظام يستحق الاطاحة به ولكن على يد الشعب العراقي. 

اما لماذا تم على يد الجيش الاميركي، فذلك لأن الاميركيين يملكون رؤية للعالم، وهذا بات ثابتا في الادبيات السياسية الاميركية. دوما تكون الرؤية لمفكرين ومعلمين وشعراء، وعندما يتقمصها قادة سياسيون تحدث الكوارث. النازية كانت تملك رؤية لنفسها وللعالم. الادارة الحالية تملك رؤية تحاول فرضها اعتمادا على مورد القوة الذي تملكه دون سواها في العالم. قسم من هذه الرؤية يقوم على مبدأ حل النزاع العربي الاسرائيلي عبر الانحياز للرؤية الصهيونية. هناك الآن توحد رؤية بين الادارتين الاميركية والاسرائيلية. استعمل كلمة رؤية بمعنى انقلابي شمولي. الموضوع ليس موضوع ديكتاتور فاسد. هم يخططون الآن للتدخل في ابسط نظم الحياة للناس تحت شعار “الدمقرطة”. هناك حديث عن انظمة قيم وتعليم ومناهج جديدة. حتى انهم ينوون ادخال تعديلات على النص الديني.. وهذا من اخطر وأسخف ما يمكن ان ينشأ حول هذا النص. هم يتعاملون مع الاسلام بوصفه عقيدة عنيفة بل إرهابية. هذا ما لا يقولونه علنا. كان بوش يطمح الى جر المسيحية وراءه، لكن الموقف المسيحي الكنسي والسياسي الدولي جردهم من ذلك، رغم عملية البحث عن المشترك الاطلسي وسيل الضغوط والاغراءات. 
 

النفط أيضا وأيضا

     يتوافق قاسم مع ان هناك مشروعا واحدا للمنطقة هو مشروع اميركي اسرائيلي متطابق. ويحدد ثلاثة عناوين رئيسية في الاهداف الاميركية من الغزو. الاول منها يتناول النفط، الثاني السيطرة السياسية تمهيدا لأحداث تغييرات في الانظمة وخارطة المنطقة، اما الثالث فهو استكمال المشروع الاسرائيلي من وجهة نظر الصهيونية. 

في الجانب الاول يعتبر قاسم انه لو لم يكن العراق غنيا بالنفط لما فكر الاميركيون بغزوه. اذ ان هذا الغزو يحمل رصيدا استثماريا ضخما. فالعراق يشكل خزانا كبيرا وملائما يمكن معه تعويض كلفة ونفقات الجيوش ويفتح المجال امام الشركات للعمل، ويطلق الخطوات الاولى نحو نظام اقتصادي يتحكم بالمنطقة اعتمادا على بوابة العراق. ولعل هذا ما بدا واضحا من خلال الاهتمام بإدارة النفط وحماية وزارته دون سواها. 

ناطق باسم المكتب السياسي لحركة “امل” يعود الى القرار 1448 الذي جعل من العراق قانونيا ارضا محتلة مسيرة من قبل قوات التحالف حتى قيام حكومة عراقية. لكن هذه الحكومة العراقية، لا نعرف موعد قيامها، وحتى لو قامت وأعلن عنها، فإن الولايات المتحدة الاميركية ليست جمعية خيرية توزع عطاياها مجانا. إذ أن حماستها بحشد الجيوش وصرف الموازنات لم تكن لإزاحة صدام “كرمى لعيون” العراقيين، إنما من أجل مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية ومصالح حليفتها إسرائيل السياسية والاقتصادية. يمكن إضافة المزيد ليتبين المسار الاستراتيجي المتكامل الذي يتمثل ب”إقامة الهلال النفطي الذي يمتد من المملكة العربية السعودية جنوبا الى العراق شمالا وإيران ومحيط بحر قزوين وأفغانستان شرقا” مع مستتبعاته. 
 

احتلال وتقسيم؟

     رغم كل هذه الشروحات لا يمكن القول ان هذه النظرة البانورامية تملك ما يغطي هيكلها العظمي. ربما السبب هو ارتباك الخطة الاميركية نفسها، ربما ان ما يخطط على الورق هو غيره على الارض، عندما تنفذ أجزاء أساسية منه، لا سيما تلك التي تتمثل بالاطاحة بالنظام السابق.. الارتباك ينسحب على الجوانب السياسية والامنية والاقتصادية. التعبيرات عنه تجد تجليات مختلفة على ألسنة المسؤولين الكبار.. فالأصغر. الكل يعبر عنه. لم تصل الأمور الى مرحلة المأزق الذي يتطلب إعادة التدقيق في حسابات الارباح والخسائر. ما زال تصور المردود هو الأساس، وهو ما كان في صميم مشروع الغزو. يتم إبدال غارنر ببريمر، ويعترف الأخير بأن هناك مقاومة منظمة تواجهها القوات الاميركية في ضوء وتيرة يومية للخسائر في صفوفها، ناهيك عما يمكن أن تثيره من خسائر سياسية للمشروع برمته، فضلا عن الارباح الاقتصادية التي قد تتهددها حرارة العراق.. 

احتلال أم تقسيم.. أم احتلال وتقسيم في الوقت نفسه. هل الهيمنة والسيطرة تفترض “التوحيد”، ماذا تريد أميركا من العراق حقا على ضوء انفراط الصيغ والمحاولات واحدة وراء أخرى. 

السيد محمد حسن الأمين
السيد محمد حسن الأمين

العلامة محمد حسن الأمين لا يتخوف من الاحتلال نظرا لبدء تشكل قوى الممانعة والاعتراض، بل من التقسيم الى دويلات طائفية وإثنية انطلاقا من الوضعية الديموغرافية للوطن العراقي، والتي قد تغري بالعمل على إنجاز هذا التقسيم بين مناطق شيعية وسنية وكردية. 

هذا الاحتمال الذي يتخوف منه الأمين، يعني في ما يعنيه استعمال المبضع في جراحة كبرى لم يعرفها العراق. ومثل هذا يفتح سؤالا آخر يتعلق بالفكر السياسي والديني للشيعة العراقيين تحديدا. 

يقول الأمين، على المستوى السياسي، فإن الاجتماع السياسي العراقي لم يشهد عبر تاريخه ما يشير الى أي نزعة انفصالية او طموح انعزالي لإقامة كيان سياسي شيعي مستقل، والحركات الوطنية العراقية بتاريخها القريب تدل دلالة واضحة أن القوى السياسية الشيعية كانت تشكل محور التوجيه الوطني العراقي التوحيدي. ولعل المساهمة المعروفة للشيعة في ثورة العشرين ضد الانكليز تشكل محطة لرصد التوجه السياسي للشيعة، حيث ظهرت من خلالها إمارات انتمائهم الوطني الخالص للوطن العراقي. 

هذا على المستوى السياسي باختصار، أما على المستوى الديني فإن الدور التاريخي للنجف الأشرف كان يصب دوما في اتجاهات الوحدة العراقية. وهو ما تجلى في دور القيادة الدينية في ثورة العشرين والمراحل التي أعقبتها، ومنها مرحلة تأسيس الدولة العراقية التي فضلت النجف الانتماء اليها. رغم النقص في التمثيل الشيعي على مستوى الدولة. 

من هنا أرى أن الشيعة سوف يمارسون دورا إيجابيا في حركة الاعتراض والممانعة ضد كل أشكال التقسيم التي يمكن ان ينطوي عليها مشروع الاحتلال الاميركي الراهن. وهم بذلك يشكلون مظهرا حيويا للتعبير عن الإرادة الوطنية العراقية. حيث باستثناء الحالة الكردية فإن المنحى العام، للتيارات السياسية العراقية هو منحى الوحدة الوطنية وإن كان ذلك لا يمنع من الإقرار سياسيا بعلاقة فيدرالية بين العرب والأكراد، ولكن ليس بين العرب المسلمين داخل العراق. 

يختم الامين تحليله بالاشارة الى استمرار غموض المشروع الاميركي، وإن كان ملمحه ظاهرا في ما يسمى بخارطة للمنطقة مختلفة عما هو راهن. وعليه يتساءل الأمين: هل يكون العراق هو نموذج الممانعة العربية للتلاعب بها؟ لذلك كله تبدو المسألة العراقية حيوية جدا ليس على المستوى الخاص بل على مستوى المنطقة العربية ككل ولا سيما المحيطة بها. 

السيد علي الأمين
السيد علي الأمين

المفتي السيد علي الأمين ينطلق من القاعدة القانونية المعروفة في أن ما يبنى على الباطل هو باطل. وعليه فإنه يعتبر أن كل عمل تقوم به الادارة الاميركية على المستوى السياسي والديموغرافي بما يؤدي الى تصديع وحدة العراق أرضا وشعبا ومؤسسات هو عمل باطل تبعا لكل القوانين والاعراف الدولية. ويصف المفتي الأمين أي خطوة تقسيمية تسعى الولايات المتحدة الى تسويقها في العراق، بأنها عبارة عن رسالة الى العالم العربي والاسلامي تدلل ان المشروع الاميركي يهدف الى تقسيم المنطقة والعالم الى طوائف وأعراق وقبائل إمعانا في الاضعاف والتمزيق. والهدف من ذلك كله الى جانب السيطرة تبرير وحماية الكيان العنصري الصهيوني. وعليه، فإنه يدعو الجميع في العراق وخارجه من شعوب ودول الى رفض هذا المسعى الاميركي من خلال البوابة العراقية. 
 

الاحتمالات المفتوحة

     ينبغي المزيد من النسج على منوال الحاتمالات المفتوحة، خصوصا ان لا وجود لصورة كاملة للوضع لمن هم داخل العراق، فكيف بالخارج. بالطبع هناك مؤشرات ونقاط استدلال وكل ينطلق منها في تحليله للموقف. 

الشيخ صبحي الطفيلي ينطلق من معرفة واسعة بالعراق مدنا وأمزجة لشرائح وأفراد وجماعات. ويؤكد ان الشعب العراقي شعب واحد، حتى الأكراد لا يعتبرون أنفسهم غير عراقيين. القضية الكردية سيست كثيرا وتم اللعب عليها في أجواء القومية العربية. ليس هناك في العراق ما يخيف من نزاعات وصراعات. لكن إذا أراد الاميركيون إحداث فتنة فهم قادرون. هذه مسألة ممكنة، رغم انها ليست من طبيعة او تاريخ الشعب العراقي. الشعارات التي ترتفع هنا وهناك رغم غياب التنسيق واحدة. العراقيون لم يلملموا جراحهم بعد، ما استفاقوا من طغيان النظام حتى رأوا الاحتلال بأم أعينهم. لذلك فان أي قراءة للعراق بعد رحيل صدام مباشرة، ودون أخذ الوقت الكافي هي قراءة متسرعة، إذ أغلب ردود الفعل ما زالت عاطفية وليست صادرة عن تبصر. 

يستنتج الطفيلي أننا حيال الوضع العراقي أمام احتمالين: 

الاول منهما أن ينجح الاميركيون في تثبيت سلطتهم، وعندها نكون قد دخلنا في نفق على صعيد المنطقة يتجاوز كل ما عرفناه من تمزق وتخلف وفقر، أكثر مما هو قائم، باعتبار ان المصلحة الاميركية تقضي بذلك. 

والثاني ان يتمكن الشعب العراقي من إلحاق الهزيمة بالأميركي وهو أمر ممكن على ضوء غنى العراق بالرجال والتراث والحضارة، مما سينتج عنه تداعيات إيجابية. إذ المعروف ان أميركا تدعم اسرائيل وأنظمة المنطقة وإذا ما هزمت ستتفكك الأطراف ولا بد أن ينعكس ذلك على الكيان الصهيوني ويكون ذلك إيذانا بهزيمته. 

يقدم النائب محمد رعد عرضا لما هو عليه الوضع القانوني للعراق اليوم انطلاقا من التفويض الاميركي بالتصرف بالوضع السياسي والاقتصادي والأمني. ويرى أن القوى السياسية في العراق أخذت تدرك وعلى نحو مبكر انها على تماس مع قوات احتلال وليس قوات تحرير كما أعلنت. الأصل أن تنبعث إرادة رفض الاحتلال من الشعب العراقي وقواه السياسية ومرجعياته الدينية. وبموجب القوانين الدولية ايضا فإن للشعب المحتلة أرضه ان يكافح لتحريرها بالطرق التي يراها مناسبة. وهنا يصبح الكفاح مشروعا: وإذا كان هناك من يدعم حق هذا الشعب في كفاحه فإن هذا الدعم يصبح مشروعا بموجب المواثيق والقوانين الدولية. أساليب الدعم تتفاوت بتقديرات الجهات الداعمة. لكن قبل كل ذلك يجب ان نعترف أن لا أحد يدعم شيئا غير موجود. استدراج الدعم يتطلب نهوضا داخليا له مشروعيته على مستوى القانون الدولي، بالتأكيد لسوريا وإيران مصلحة ألا يكون هناك الى جوارهما نظام سياسي معاد، وللشعب العراقي مصلحة ألا يكون محكوما باحتلال ولا استقرار في علاقاته مع دول الجوار. وعليه يجب ان تبقى الساحة العراقية في حال من القلق على الاقل، حتى تتحقق هذه المعادلة التي تقوم على تطابق المصالح المتداخلة بين العراق وسوريا وإيران وتركيا والسعودية وغيرها من دول الجوار. 
 

مفاجآت وطائف

     الحديث عن الاحتمالات بالنسبة للشيخ نعيم قاسم يفتح على المقدمات. لا إمكانية للحديث عن احتمالات اليوم والغد دون إعادة التدقيق بما شهده العراق منذ الغزو حتى اليوم. عليه لا ينفي الحديث عن الاستراتيجية الاميركية الكاملة غياب او ارتباك الخطط التفصيلية للوضع العراقي، فالاميركيون لم يكن لديهم معرفة دقيقة بالنسيج الشعبي والطائفي والإثني، بدليل المفاجآت التي واجهوها. بداية اعتقدوا ان قمع صدام سيتحول ترحيبا بهم فلم يحصل، واعتقدوا ان لقاءات لندن مع المعارضة تشكل غطاء سياسيا فاكتشفوا مدى حجم المعارضة لهم بدليل التظاهرات المليونية. كان العراقيون يميزون في تحركاتهم بين إسقاط النظام واحتلال بلدهم. ما تصوره الاميركيون كافيا للاقناع بضرورة وجودهم انقلب ضدهم. لقد تركوا مجالا للفوضى أملا بإشعار العراقيين بحاجتهم الى الأمن الاميركي، لكن المسؤولية تجاوزت ذلك لتصيبهم في كل ما جرى ويجري. نسمع من بريمر اليوم مزيدا من التأجيل لقيام اللجنة التي يفترض ان تدير العراق، نظرا لعجزه عن تشخيص القوى الفاعلة التي تكفيه مؤونة المعترضين. باختصار يقول الشيخ نعيم قاسم انها تجرب وتحاول تقديم بدائل ميدانية، لكنها لا تملك صورة كاملة وواضحة وان كانت تملك أهدافا واستراتيجية عامة. وفي الخطط لا بد من التفاصيل، لأن الأخيرة قد تؤدي الى نجاحها او فشلها. 

أعتقد أن الاميركيين سيفشلون نظرا لتعقيدات الوضع العراقي، او لأنهم مصممون على إدارته كغزاة محتلين. وهذه نقطة جوهرية في الخلاف مع القيادات العراقية والشعب العراقي. وهذا ما يمكن ان ينتج حالا من الاعتراض القابلة للتطور وإرباك الأداء الاميركي. 

يعترف الشيخ قاسم بأنه لا يستطيع في هذه اللحظة استشراف تطور حجم المعارضة وهل تصل في الصراع الى مستوى الفعل العسكري أم تظل في حيز الاطار السياسي. وبانتظار مرور أشهر من الزمن ستكون الصورة أكثر وضوحا لدى العراقيين والأداء الاميركي أكثر انكشافا. 

السيد هاني فحص
السيد هاني فحص

أوسع متابعة للشأن العراقي بتفاصيله وتعقيداته هي التي قدمها العلامة السيد هاني فحص، انطلاقا من معرفة دقيقة بالتركيبة العراقية في مستوياتها السياسية الاجتماعية الإثنية المدينية. يؤكد فحص وعلى ضوء عرض تاريخي يعود في بعض جوانبه الى ما يزيد عن ألف عام، مع تفصيل في تكون التاريخ الحديث.. يؤكد انطلاقا من ذلك كله على ضرورة الحذر، فما حدث في العراق هو بمثابة جرس إنذار أخير اما ان نسمعه او لا نسمعه. ولهذا متوجباته ولذاك مخاطره المضاعفة. 

في الجانب الذي نتناوله يؤكد فحص على ضرورة قيام مشروع إنقاذي، العراق بأمس الحاجة اليه. هذا المشروع الذي يتحدث عنه هو عراقي بقدر ما هو إقليمي. ويطرح رعايته على كل من: مصر، سوريا، السعودية، إيران وتركيا. على أن يتم تدبره او تدبيره بالتشاور والتنسيق الكامل مع كل الحساسيات العراقية بما هي قوى ومرجعيات وشرائح وإثنيات و.. 

ولكن ماذا يمكن أن يحمل مثل هذا المشروع لعراق تحت الاحتلال؟ 

يحمل له كما يرى فحص اتفاقا مشابها لاتفاق الطائف اللبناني بعد تجريده من خصوصياته المحلية واستبدالها بالخصوصيات العراقية. لذلك من الآن وكي نصل الى تلك المحطة، فإن المطلوب من هذه الجهات الدول هو التواصل مع المعارضة العراقية وتقلل من اعتراضاتها على كثير من الامور في العراق، وان تتفهم حتى الخطأ العراقي، الذي له أسبابه ومسبباته، وتسهم في تهيئة المناخ لبداية عراقية تفتح على إنتاج سلطة وطنية تتولى إدارة العراق وأمنه واقتصاده ومؤسساته وإعماره من دون أوهام. بمعنى أن هناك مرحلة انتقالية قد يناسبها نوع من الكتلة التاريخية المتكونة من دون تدقيق كامل حتى يعود العراق مكانا ماديا حقيقيا لرؤية سياسية مستقبلية. 

ينطلق فحص في دعوته من جراحات العراق العميقة، ودور ما تبقى من قواه في ضوء مئات ألوف المبادين و4 ملايين مهاجر قسري الى أربع جهات الارض.. ومن اعتباره ان الوجود الاميركي في العراق بات حقيقة لا يمكن تجاهلها او استسهال التعامل معها. لكن ذلك لا يمنع العراقيين والعرب من العمل على توسيع هامش الإرادة العراقية بالتدريج، مع الانتباه الى الصعوبات التي يفرزها الواقع. أما إذا مُنع العراقيون من تحقيق إرادتهم فيكونون قد اكتسبوا مصداقية تؤهلهم لرفع درجة الممانعة الى مستوى المقاومة، دون أن تكون هذه المقاومة لصالح ما تبقى من نظام صدام. 

بداية ينفي إبراهيم شمس الدين أي خصوصية شيعية في العراق. هناك نظام سياسي أسقط وحال من الفراغ بعده. يسأل لماذا يصدر كلام حول توقع دعم الشيعة للأميركيين، فيما الشيعة تصرفوا كعراقيين كما يجب ان يكونوا. رغم الأذية السياسية والمنافي التي تعرضوا لها فقد تصرفوا كمواطنين ورفضوا الاحتلال، ومارسوا ما يليق بوطنيتهم. الخيبة التي وقع بها البعض نتيجة لتحليلات خاطئة قدمها الشلبي وغيره. 

الجانب المهم ان هناك صيغة لنظام سياسي لا بد أن تنشأ، يجب ان يشارك الجميع في صياغتها، ضمن وجهة تحفظ للعراق وحدته وتسمح بتطويره. وليس ضمن مبدأ المحاصصة. المسلمون في العراق أكثرية يجب ان يتعامل مع هذا. في الوقت ذاته لا يمكن أن يبنى نظام يتنافى مع الاسلام. ولا أعني قيام نظام ديني سواء على الطريقة السعودية او الايرانية. ضمن هذا الوضع الشيعة يشكلون أكثرية بالواقع، وليس بالغلبة النوعية، لا نوع يغلب نوعا. المسألة ليست ديناصورات وأكلة لحوم. هذه حقائق سوسيولوجيا الاجتماع السياسي. الأكراد موجودون ولهم لغة وتراث ثقافي خاص بهم، ومن حقهم التعامل معهم كجزء مكون من الشعب، وليس باتجاه الاستقلال. لماذا يتم طرح الموضوع وكأن للشيعة مطالبات خاصة. يجب ان تبنى دولة العراق لمصلحة العراقيين ككل. الشيعة ليست لديهم مطالب خاصة، والوالد كان يردد دوما كما في لبنان ان العددية ليست مقياسا ومرجعا لغلبة سياسية. يعود في طرحه الى مفهوم المواطنة والمشاركة. في العراق هناك عراقيون وليسوا سنة وشيعة. الكسب يتم عندما يطمئن شريكك الآخر، لأن البديل عن ذلك هو احتمال خسارة كل شيء. 

.. كل هذا يتطلب الدخول في نسيج المجتمع العراقي بما يعيشه من قوى وتيارات وطوائف ومرجعيات واثنيات..

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic