عندما يكون الجميع ضد الجميع في العراق

بول شاوول

جريدة المستقبل (لبنان)

السبت، 5 تموز «يوليو» 2003
Paul Shaoul - بول شاوول 

     عندما كان يقال انه لا يكفي إسقاط "الدكتاتور" في العراق، ولا سيما بأيد من خارج العراق، ومن دون إرادة العراقيين، وأنه لا بد من أن تكون بدائل ما للدكتاتورية المتأصلة، كان بعضهم يبتسم "انتصاراً" و"مفهومية" ليردد "فليسقط الدكتاتور أولاً" البدائل نفسها من تلقائها! وماذا نجد اليوم، وبعد أشهر من رحيل صدام (هذا إذا رحل)، وغزو القوات الأميركية العراق؟ لا شيء وكل شيء!

أولاً، نجد ان مصطلح "التحرير" الذي رفعه الأميركيون وحلفاؤهم وعملاؤهم صار بعيداً جداً ليحل محله المصطلح الحقيقي "الاحتلال"، الذي يمارس بطريقة وحشية على الناس. 

ثانياً، الاستقرار الذي كان ينعم به العراقيون بقوة الحديد أيام الدكتاتور تبدد، لتحل محله فوضى عميمة، والقاسم المشترك بين "الاستقرار" المفروض والفوضى العميمة هو الخوف.. وجمهورية الخوف "الصَدَّاميَّة" استبدلت بجمهورية الخوف الامبراطورية.

الكل يخاف الكل. الطوائف تخاف بعضها، والأحزاب والقوى الديمقراطية والتقدمية تخاف الطوائف، وهذه الأخيرة تخاف تلك القوى. المعارضة الداخلية والأخرى المستوردة (جاءت على الدبابات الأميركية) تتبادلان الخوف واللاثقة الى آخر حدود. السنّة يخافون الشيعة (كأكثرية) والشيعة يخافون ان يفرض حُكم هجين من السنة والمعارضة... الخ، والأميركيون الذين كانوا يتوهمون ان الأرض ستفرش لهم ترحيباً على أرض العراق، وترش عليهم العطور وتنثر على قامات جنودهم الورود والرياحين والرز والتمر، يخافون كل هؤلاء لأن كل هؤلاء يخافون مما يبيّت الأميركيون.

ولهذا، ومن يستعرض "خارطة الطريق" العراقية، وهذه الفسيفساء الغريبة المتناقضة يكتشف ان الخوف هذا يجعل الجميع ضد الجميع. لا أحد مع أحد. والكل يتربص بالآخر. وكل فئة تخبئ أوراقها لتراهن بها في انتظار حل ما...

وكون الجميع ضد الجميع، وفي غياب "دستور" وهيئات تمثيلية، ودولة، وأمن وحكومة، ومرجعية، يجعل هذا العداء المتبادل بوصلة مفككة لفوضى فكرية وسياسية ودينية لا حدود لها؛ بل ويجعل الحسم في اتجاه ما مسألة خرافية لكي لا أقول دموية، بل ويجعل "اللاحسم" أيضاً مسألة خرافية لكي لا قول دموية. من يمثل من؟ لا أحد يدري؟ من لا يمثل من؟ لا أحد يدري؟ ما خطة هذا الفريق أو ذاك؟ لا أحد يدري؟ رمال صحراوية متحركة ساخنة يتقلب عليها الجميع الذين وقعوا في شراك حساباتهم الخاطئة، أو طموحاتهم غير الناضجة.

وفي خضمّ هذه التجاذبات "العبثية" التي تذكر بمسرح اللامعقول، ولوحات اللامعقول، وأفلام اللامعقول، يبرز العنصر الأهم: المقاومة! مقاومة الاحتلال الأميركي بشراسة لا يُعرف ما إذا كانت فردية، أو منظمة أو دينية، أو "صدّامية"، أو ردة فعل، أو تكتيكية، أو استراتيجية... لكنها في كل الأحوال مقاومة عراقية ضد الغزو الأميركي.

لكن هذه المقاومة "المجهولة" التي لا تسطر فيها لا بيانات ولا مصادر ولا أسماء، وإن صدرت بعض البيانات الموقعة والمموهة، بل تقتصر على "فعل" المقاومة، تثير أيضاً الحيرة بقدر ما تثير "الخوف"، بقدر ما تثير الإعجاب. فروزنامة المقاومة شغالة، ويومياً يُهاجَم الجنود الأميركيون ويسقط ضحايا منهم. ويومياً تتراكم أشكال المقاومة لتتحول الى ظاهرة (وإن بلا دليل) منظمة تثير قلق الامبراطورية، وحلفاءها، والطامحين الى خلافة نظام صدام، وتتكاثر الأسئلة: أهو صدام؟ أهي بعض الفئات الدينية (السنة مثلاً) أو بعض الشيعة، أو بعض فلول اليسار؟ لا أحد يدري! أهي فييتنام أخرى؟ أفغانستان أخرى؟ كوريا أخرى؟ الجزائر أخرى؟ جنوب لبناني آخر؟ ربما لا، وربما كل هذا، لكن ما هو واضح انها مقاومة أولاً وأخيراً، وانها بدأت تخلط الأوراق والأفكار والدساتير والحسابات والمقامات. ولكن الأهم أنها وضعت الشعب العراقي الذي بدأ يكتشف (وان اكتشف بعضه من قبل) ان الأميركيين أعداء، وان المقاومة تعني ثقافة القتال، وان هذه الثقافة المقاومة (على ضعف ملامحها)، تضع الأميركيين وبشكل يقترب من الحسم والوضوح في خانة النقيض وفي موقع المعتدي، وفي موقف الغازي، يعني، وفي انتظار مزيد من التبلور، ان الأميركيين وضعوا أو أعيدوا الى "محور الشر" بالنسبة لبلاد الرافدين. وقد بدأت المقارنة تُعقد بين الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وبين الاحتلال الأميركي للعراق. الظاهرة واحدة والأمكنة والوجوه مختلفة.

لكن هذا الوضع هل يمكن ان يتمخض عن خلاص ما؟ هذا ما يتساءله أهل العراق وسواهم؟ هل يمكن ان تفعل المقاومة فعلها إذا كان الجميع ضد الجميع، من دون اتفاق حد أدنى لإقامة جبهة وطنية، أو جبهات لمقاومة الأميركيين؟ وهل يمكن ان يلتقي البعث الحاكم سابقاً، الأحزاب والحركات الدينية، كما التقى اليمين واليسار الفرنسيان في جبهة لمقاومة النازية؟

المفارقة ان هذه "المقاومة" المجهولة، كأنها "مقاومات" مجهولة أيضاً، ومنفصلة (حتى الآن) ومستقلة الواحدة عن الأخرى، هذا إذا صحّت تكهناتنا بأن هناك مقاومات متعددة لا مقاومة واحدة.

لكن مع هذا لا يبدو ان ثمة إجماعاً حولها، بسبب الخوف المتبادل، والوساوس المشتركة، وبسبب التناقضات الأساسية بين الفرقاء، فمحمد باقر الحكيم، وهو الزعيم الشيعي الكبير، لا يحبذ حتى الآن مواجهة الأميركيين بالعنف، أي لا يحبذ مقاومة مسلحة على طراز ما يحدث. والسيستاني (معتدلاً حتى الآن) يدعو الى العودة الى الشعب لشرعنة الدستور. واليسار، على هزاله، منقسم بين موالاة للأميركيين وموالاة للأمر الواقع، ورفض للاحتلال، لكنه في جميع الحالات كأنه (وربما باستثناء فلول منه) ما زال بعيداً عن تأييد المقاومة لا سيما إذا كانت صدّامية. أما العشائر والقبائل فأمرها غامض وان جلجل صوتها (وربما سلاحها) برفض الاحتلال.
كل هذا يعني ان توحيد البندقية في ظل "قوات مشتركة" (نتذكر الحركة الوطنية اللبنانية والأخ عرفات في لبنان) لقتال جنود الامبراطورية ما زال مستحيلاً، أو على الأقل بعيداً أو غير ناضج أو يحتاج الى ظروف أوضح.

فهل يمكن القول، وعبر تلك التناقضات ومشاعر الخوف المتبادلة، والطموحات، والشغف بالسلطة ان هذه المقاومة اليومية المواظبة ستبقى في حدود "فئوية" أو مبعثرة، وانها اذا بقيت على هذه الحال، فستكون بلا مستقبل؟ أو بلا فاعلية؟ أو عاجزة عن تحقيق هدفها الأولي بدحر الغزاة وحملهم على الرحيل؟ حتى هذه النقطة (رحيل القوات الأميركية) يثير مخاوف أخرى لدى معظم الجهات المعنية.

وفي رأس هذه المخاوف: احتمال عودة صدام حسين، أو على الأقل حزبه. وهكذا تعود "حليمة الى عاداتها القديمة"؛ أما الاحتمال الآخر الأخطر فهو، وفي حال انسحاب جنود الغزو، وفي ظل ان الجميع ضد الجميع، ان تندلع حرب داخلية لا أحد يعرف مآلاتها ولا نتائجها، بحيث يطرح احتمال تمزّق بلاد الرافدين الى دويلات طائفية وعشيرية واثنية، تتوزع كانتونات (كما كاد يحدث عندنا في لبنان). وفي المقابل، (وهذا من ضمن المخاوف أيضاً)، ان تبقى الولايات المتحدة بذريعة إرساء الديمقراطية لتنجز بنفسها عملية تقسيم العراق ولو بطريقة مموهة (فيديرالية).

كل هذه الأمور واردة، وغير واردة، في انتظار ان يحسم الجميع مواقعهم ومواقفهم، وتتبلور إرادة أو إرادات العراقيين، إما في مقاومة منظمة وموحدة، وإما في مقاومات متباعدة، قد ترتد على المدى البعيد الى حروب مجهولة يخسر فيها الجميع، وفي المقدمة العراق نفسه.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic