جيمس ابـو رزق:
إذا تحققت الديموقراطية ستزحف الشعوب العربية على إسرائيل

رلى بيضون

جريدة النهار (لبنان)

الإثنين، 7 تموز «يوليو» 2003
James Abourezk - جيمس أبو رزق 

     دافع السيناتور الاميركي السابق جيمس ابو رزق طويلا عن حقوق فريقيَن: الهنود الاميركيين، والعرب. وثمة روابط شخصية تجمعه بكل منهما. فهو وُلد على ارض مخصصة لإحدى القبائل الهندية، ويتحدر من اصل عربي، ولبناني تحديدا، اذ تعود جذوره الى بلدة الكفير الجنوبية. 

وفيما يعتبر ان وضع الهنود تحسن "نوعا ما" في اميركا، له الكثير من المآخذ على السياسة الاميركية حيال العرب، واصفاً اياها بانها "اسوأ اليوم من اي وقت، بسبب احداث 11 ايلول". ويلوم العرب الى حد بعيد، لانهم "جعلوا انفسهم اهدافا سهلة ولم يفعلوا شيئا لتحسين صورتهم في اميركا". 

ولمساعدة العرب على "ايصال روايتهم الى اميركا"، انشأ عام 1980 "اللجنة الاميركية - العربية لمكافحة التمييز" ADC، الناشطة جداً في الدفاع عن حقوق العرب. الا انه استقال عام 1995 من رئاستها لان عمله كان تطوعيا يستغرق الكثير مـن الوقـت، وانتُخـب اخيـرا عضوا في مجلس الادارة. 

ويشدد على اهمية "العلاقات العامة" لتحسين صورة العرب، موضحا ان الدولة الاسرائيلية استعانت بخبير في هذا المجال عند قيامها، نجح في اكسابها التعاطف عبر تكليفه ليون يوريس تأليف كتاب "الرحيل Exodus". 

وابو رزق، السيناتور الاميركي الاول من اصل عربي، متشائم جدا حيال الوضع في العراق و"خريطة الطريق"، معتبرا ان الحل الوحيد للازمة في الشرق الاوسط "هو ان يوقف الكونغرس الاميركي المال الذي يعطيه لإسرائيل والبالغ على الاقل ستة مليارات دولار سنويا. واذا فعل، فستوقّع اسرائيل اتفاق السلام غدا". 

ولا يؤمن بتاتا بأن اميركا مهتمة بتحقيق الديموقراطية في العراق او في الشرق الاوسط، "واذا فعلت فسيحكم الشيعة العراق، وستزحف الشعوب العربية على اسرائيل". واللافت في الحديث مع هذا المحامي العربي - الاميركي استخدامه كلمة "الصهاينة" مرارا في وقت توقف عرب كثر عن استعمالها. 

في حوار مع "النهار" في بيروت التي قصدها لمناسبة عائلية قبل انتقاله الى سوريا مسقط زوجته، رأى ابو رزق ان "قانون محاسبة سوريا" هو "تحرك للصهاينة ويهدف الى جعل سوريا تخضع لما تريده اسرائيل"، مشيرا الى ان "الانسحاب السوري من لبنان يعود الى سوريا ولبنان ويجب الا تتدخل اميركا فيه". 

كان ابو رزق اول سيناتور اميركي من اصل عربي. فهل واجه صعوبات محددة للفوز بهذا المقعد؟ "خوض الانتخابات صعب دائما بسبب المنافسة. ترشحت اولا لانتخابات مجلس النواب عام 1970، وانتُخبت بنسبة 51 في المئة من الاصوات. وعندما ترشحت لمجلس الشيوخ عام 1972، نلت 57 في المئة منها، مما يدل على انني تعلمت كيف تقاد الحملة الانتخابية، وكان لدي مال اكثر. فالمال ضروري لخوض الانتخابات". 

ولم يكن اول نائب من اصل عربي، بل الثالث بعد جورج كاسم من كاليفورنيا، وابراهام الخازن من تكساس. ولم يزِد اصله العربي من صعوبة المعركة، "بل كنت اتباهى به. وكنت دائما اتكلم عن اسرتي". 

الا انه انسحب طوعا بعد انتهاء ولايته الاولى كسيناتور، ولم يترشح مجددا. لماذا؟ يجيب: "لم تروقني التجربة. فهي تبدو جيدة من الخارج لكن الوضع مختلف من الداخل. تعبت من مشاهدة آخرين يحددون لي برنامجي. ولم اعد اريد الجلوس مساء كل يوم في مجلس الشيوخ وتفويت العشاء مع اسرتي للاستماع الى احد زملائي يلقي خطابا طويلا بينما انتظر التصويت على مشروع قانون. اللحظات المشوقة كانت نادرة جدا، والامر الوحيد الذي احببته كان اعتلاء منبر مجلس الشيوخ، لاني محام". 

ويؤكد ان انسحابه لم يكن متعلقا بمواقفه السياسية المؤيدة للعرب، والتي كانت تزعج البعض. وهو المطالِب منذ زمن بعيد بسياسة اميركية اكثر توازنا حيال الشرق الاوسط، هل يعتبر انها افضل اليوم مما كانت عليه في السابق؟ "انها اسوأ اليوم من اي وقت، بسبب احداث 11 ايلول. فالاميركيون يلومون العرب على كل شيء. حتى ان احدهم فتح النار على هندي "سيخ" بسبب ثيابه اذ ظن انه عربي. وما يحصل الآن مذهل. يزيد بوش شعبيته عبر اقناعه الناس بأنه يحارب الارهاب ويحميهم منه. ووزير العدل جون آشكروفت سعيد بتأدية دوره كما يفعل لأنه يؤمن بحرمان المواطنين حرياتهم". 

وتعليقا على ازدياد الخوف على الحريات في الولايات المتحدة، يقول: "سمعت اشخاصا هنا في بيروت يقولون ان الولايات المتحدة اصبحت دولة بوليسية. وهذا قول لافت عندما يصدر من اشخاص يقطنون دولاً بوليسية. لا اعني لبنان بالضرورة ولكن المنطقة". 

ولو كان الديموقراطيون في الحكم، هل يعتقد ان الوضع كان مختلفاً؟ "على الارجح لما كان سيئاً الى هذه الدرجة، لان الديموقراطيين متمسكون اكثر بالحريات المدنية". 
 

العلاقات العامة

     عندما زار ابو رزق الشرق الاوسط للمرة الاولى، تبين له ان الوضع فيه مختلف عما صُور في اميركا. فلماذا صورة العرب سيئة فيها؟ "جعل العرب انفسهم اهدافا سهلة. لم يفعلوا شيئا لتحسين صورتهم في اميركا. لم يؤمنوا بذلك اساسا ولم يفهموا اهميته. لذلك، عندما قرر الصهاينة والمحافظون الجدد في الادارة مهاجمة الدول العربية، صدقهم المواطنون لانهم لم يكونوا يعرفون غير ذلك. والعرب لم يفعلوا يوما شيئا لمساعدة انفسهم". 

وماذا يجب ان يفعلوا تماما؟ "ان يوصلوا روايتهم الى اميركا، عبر الاعلام في شكل اساسي". 

اما "اللوبيينغ"، في رأي ابو رزق، "فلن يفيد اذا لم يفهم الجمهور الموضوع الذي تحاولين تسويقه. فالصهاينة مثلا يتمتعون بتعاطف الاميركيين لانهم اجادوا الافادة من العلاقات العامة للتوصل الى ذلك. قرأت قبل اعوام، عندما كنت رئيساً لـADC، كتابا عنوانه "انفجار الاقناع" The persuasion explosion. فاشتريت كل النسخ التي وجدتها. وفي الكتاب فصل يشرح كيف وظّفت الدولة الاسرائيلية ادوارد غوتليب عام 1949 لتحسين صورتها. وبدوره وظّف ليون يوريس، ليذهب الى اسرائيل ويؤلف كتابا. ونشر كتاب الرحيل Exodus، الذي اصبح الكتاب الشهير الذي جعل الجميع يفهم اسرائيل". 

فهل يجب تأليف كتاب عن العالم العربي؟ "بل الف كتاب. لكن فات الأوان لهذا النوع من المبادرات. ثمة اساليب اخرى ممكنة، مثل الاستعانة بخبراء بارعين بهذه الامور". 

وما رأيه بـ"خريطة الطريق"، وخصوصاً ان الرئيس بوش بدأ يتدخل شخصيا لإنجاحها؟ "لا اصدق لدقيقة ان اسرائيل ستتخلى عن اي جزء من الاراضي". حتى في مقابل السلام؟ "ماذا يريدون من السلام؟ فهم يستطيعون السيطرة على الوضع كما هو الآن. اظن انهم يسيرون بالعملية ليُسعدوا بوش فقط ولن يذهبوا الى النهاية. هل تتخيلين شارون يتخلى يوماً عن الضفة الغربية؟". 

واذ يرى ان الخريطة ستقود الى مزيد من الحرب الاهلية، يشدد على ان الحل الوحيد للازمة في الشرق الاوسط "هو ان يوقف الكونغرس الاميركي المال الذي يعطيه لإسرائيل، والبالغ على الاقل ستة مليارات دولار سنويا، وربما اكثر تحت الطاولة. واذا فعل ذلك، فستوقع اسرائيل اتفاق السلام غداً". 

ولا يعتبر ذلك مستحيلا. "يجب اولا تحسين الصورة العربية، ثم العمل لاقناع الاميركيين بأن اعطاء اسرائيل هذا المال ليس لمصلحتهم، لانه يسمح لها بمواصلة الحرب. فانظري الآن، العرب غاضبون من اميركا. كان الناس يحبون اميركا. وفي 11 ايلول، كان هناك كثير من التعاطف معها. لكن هذا الشعور تراجع. بوش بدد ذلك، وهو ومستشاروه الصهاينة جعلوا الناس يكرهون اميركا. اتحدث احيانا مع اصدقاء لي في الخليج، فيقولون لي انهم يواجهون مشكلات كلما يأتون الى اميركا، علما انهم من اصدقائها ويحبونها. ونتيجة ذلك قرر احدهم عدم الذهاب اليها بعد الآن، رغم ان لديه منزلا في كاليفورنيا". 
 

ستتضاعف المقاومة 

"يتحدثون عن انشاء ديموقراطية في العراق. لكنهم لن يسمحوا بذلك. لأنهم اذا فعلوا، فسيحكم الشيعة وهم لا يريدون ذلك، لانهم لا يستطيعون ان يسيطروا عليهم. يريدون طرفا يستطيعون السيطرة عليه"

     وسياسة اميركا تجاه العرب بدأت تنقلب عليها، في رأي ابو رزق. "الا ان المسؤولين ليسوا مهتمين بذلك. يستمتعون بنجاحهم وبنتائجهم في الاستطلاعات. وهذا الامر مؤسف جدا. اظن ان بوش قد يواجه مشكلات نتيجة الاصابات المستمرة في العراق. واشعر بأسف كبير حيال هؤلاء الجنود واسرهم. وكأن كلاً منهم آخر جندي يُقتل في هذه الحرب، ولا احد يريد ان يكون الاخير. ويتحدثون عن انشاء ديموقراطية في العراق. لكنهم لن يسمحوا بذلك. لأنهم اذا فعلوا، فسيحكم الشيعة وهم لا يريدون ذلك، لانهم لا يستطيعون ان يسيطروا عليهم. يريدون طرفا يستطيعون السيطرة عليه". 

وهل سيبقى الوضع في العراق على ما هو عليه؟ "اظن انه سيزداد سوءاً. وعندما سيدرك العراقيون انه لن يكون هناك ديموقراطية، ستتضاعف المقاومة وسيزيد وضع الجنود الاميركيين سوءاً، وهذا امر مؤسف". 

زار ابو رزق العراق في ايلول الماضي برفقة نيك رحال، العضو في الكونغرس المتحدر ايضا من اصل لبناني، علما ان جذورهما تعود الى بلدة الكفير. "ذهبنا لنقنع العراقيين بالسماح لمفتشي الاسلحة بالعودة الى العراق، لتجنب الحرب. كنت اعرف طارق عزيز منذ الثمانينات، فالتقيته، وقلت له "احرم بوش تبريره للذهاب الى الحرب". وبعدما تركته وعدت الى دمشق، سمحوا لهم بذلك. الا ان هذا السماح لم يكن مفيدا لأن بوش كان مصمما على الحرب في كل الاحوال". 

وابو رزق المتشائم حيال العراق وعملية السلام، هل هو متفائل حيال الحملة الاميركية لاحراز الديموقراطية في دول المنطقة، وخصوصاً ان بعض التغييرات بدأت تظهر، من تنظيم انتخابات واصلاحات اقتصادية؟ "هذا امر جيد. يجب تطبيق الديموقراطية في العالم العربي. العرب هم الآن عُرضة للانتقاد، ولا يمكنهم تجنب هذه الانتقادات الا اذا غيروا طريقة تعاملهم مع بعض الامور. ولكن ليس من حملة اميركية. انها مجرد شعارات. هل يهم الاميركيين اذا تم احراز الديموقراطية ام لا؟ الصهاينة يقولون دائما يجب ان تطبق الديموقراطية في الدول العربية. ولكن من الافضل بالنسبة اليهم ان يبقى الوضع على ما هو عليه. لان الامر الوحيد الذي يمنع الشعوب العربية من الزحف على اسرائيل هو غياب الديموقراطية". 

نشر كتابا عن الشرق الاوسط بعنوان "عبر عيون مختلفة" Through different eyes في آخر الثمانينات. فهل ساهم هذا الكتاب في "ايصال الرواية العربية"، كما يقول؟ "في هذا الكتاب، شرحت تاريخ النزاع العربي - الاسرائيلي. وكان عبارة عن مناقشة مع صهيوني، كتب نصف الكتاب وانا نصفه الآخر. وجلنا في مختلف المناطق الاميركية وكنا نتناقش في كل منها. واظن ان ذلك كان مفيدا، لأنها كانت ربما المرة الاولى يسمع فيها بعض الناس الرواية من الطرف العربي. وسررت كثيرا بهذه الفرصة لشرح الوضع للمجموعات الكبيرة التي كنا نلتقيها في كل مكان". 

وهل يشعر بالتعاطف مع العرب بسبب جذوره اللبنانية؟ "ليس بالضرورة. انا انساني وأؤمن بأن اسرائيل تسيء التصرف مع العرب، وان الاميركيين اساؤوا التصرف مع الفيتناميين". 
 

حقوق الهنود 

     وُلد ابو رزق على ارض مخصصة للهنود (الحمر)، وتحديدا لقبيلة "روزبَد سو" Rosebud Sue. وهو من المدافعين الكبار عن حقوق الهنود. "الحكومة الاميركية وضعت كل الهنود في اراضٍ مخصصة لهم في القرن الفائت. واصبحت حياتهم بائسة، وجعلتها الحكومة اسوأ عبر سوء معاملتهم والسيطرة على حياتهم. فكيف يمكن ان يحيا المرء حياة جيدة عندما يقول له آخر كيف يجب ان يستيقظ وينام وما اليه. وكل قرارات القبائل كانت تخضع لموافقة "مكتب الشؤون الهندية". 

ويضيف: "والمضحك انه في بعض المناقشات حول الشرق الاوسط، كان صهيوني يرفع يده بين الحين والآخر ويسألني: "هل تؤيد اذاً اعادة اميركا الى الهنود؟" وكنت اجيب نعم. فكان يسكت". 

وهل صار وضع الهنود افضل اليوم؟ "نوعا ما، ولكن ليس كثيرا". وعندما يقال له انه ساهم في تحسينها، يجيب بالعربية: "ان شاء الله". 

اما "قانون محاسبة سوريا"، المطروح على الكونغرس، فيعتبره "تحركاً للصهاينة. انه سيئ جدا ويهدف الى جعل سوريا تخضع لما تريده اسرائيل". لكن بعض اللبنانيين يرون فيه وسيلة لتحسين وضع لبنان عبر تأمين الانسحاب السوري منه؟ "احد المطالب هو الانسحاب السوري من لبنان. وهذا امر يعود الى سوريا ولبنان". 

ويلفت الى ان اميركا يجب الا تتدخل في هذا الموضوع. "القوات السورية دخلت لبنان بدعوة من الحكومة اللبنانية، ولذلك يجب ان تطلب منها الحكومة اللبنانية المغادرة. ولكن لا اظن ان ذلك محتمل. واميركا ليست مهتمة بوجود القوات السورية في لبنان، هذه طريقة لجعل سوريا تخضع للمطالب الاسرائيلية فقط". 

وابو رزق متفائل حيال الوضع في لبنان ومستقبل هذا البلد. "يبدو ان لبنان تحسن. فلا حرب اهلية، والناس تعبوا من التقاتل "ان شاء الله". وآمل ان يبقوا مُتعبين الى الابد. ويبدو ان الوضع الاقتصادي سيئ جدا. فهذا ليس امرا جيدا". اما استقلال لبنان وسيادته، فيظن "انهما سيتحققان يوما ما، ان شاء الله". 
 

المال والذكاء 

     ويمارس ابو رزق المحاماة بكثافة في داكوتا الجنوبية. "اهتممت اخيرا بعدد من الدعاوى ضد علماء نفس، تتهمهم باستغلال المهنة. فكان لدي مثلا تسعة موكلين يقاضون عالمة نفس واحدة تسيطر على حياة مرضاها، وتجبرهم على ان يفعلوا كل شيء من اجلها وتأخذ مالهم. وربحت القضية الاولى ونلنا 480 الف دولار. فطالب الفريق الآخر بتسوية في شأن القضايا المتبقية". 

لا يتعاطى السياسة، الا على الصعيد المحلي. فيخوض حربا شرسة، على المستويين القضائي والسياسي، ضد مجموعة تحاول انشاء "مصانع للخنازير"، حيث يتولى المزارع علفهم لمصلحة هذه المجموعة. وقد فاز باحدى معارك هذه الحرب الطويلة التي تُستأنف السنة المقبلة. 

ويبدو ان المعركة الرئيسية التي خاضها ولم يفز بها هي معركة تحسين صورة العرب في اميركا. "لا يمكنني الفوز بها وحدي. وهذا العمل يتطلب الكثير من المال والذكاء". اليسا متوافرَين في العالم العربي؟ يجيب: "بكميات قليلة".

 

(للإتصال بسيناتور جيمس أبو رزق عبر البريد الإلكتروني: jim@abourezklaw.com)

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic