الشيعة في عين الإعصار الأميركي للمنطقة العربية والإسلامية (5)
خارطة العراق الطائفية والسياسية أمام فجوات السياسة ووقائع الاحتلال

زهير هواري

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 7 تموز «يوليو» 2003

     بدأنا مع "سلاح حزب الله وجبهة الجنوب (1)" وعرجنا على "مضاعفات خارطة الطريق في فلسطين (2)"، ثم "حديث مع المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله (3)"، "أبعد من إزاحة دكتاتور العراق.. (4)"، والحلقة الخامسة ايضا عن الوضع في العراق. 

.. والحديث عن العراق يتطلب الدخول في عمق النسيج الاجتماعي. التفاصيل هنا تصبح هي الاساس، باعتبارها المحرك نحو المستقبل مع كل ما يحف بها من قوى ومصالح. تتفق اكثر التقديرات على ان عدد سكان العراق 24 مليونا. سوى ذلك هناك خلافات. عدد الشيعة يرتفع وينخفض. يصل في الحد الاقصى الى 64 بالمئة من السكان، ويهبط في الحد الأدنى الى ستين بالمئة. لكنه في الجنوب لا يقل عن تسعين بالمئة. الباقون هم حوالى 18 20 بالمئة من الاكراد يتركزون في الشمال، ويبقى ما بين 16 20 بالمئة هم من السنة والتركمان السنة والآشوريين والكلدان والصابئة و... هذه بعض الارقام، وفي الجغرافيا، الجنوب يحظى بأكثرية شيعية، وفي الشمال الاكراد وفي الوسط تقريبا السنة. ليست الخارطة الطائفية على هذا النحو القاطع بالتأكيد، ففي الوسط بغداد العاصمة هي خليط بين السنة والشيعة و... العراقيون ينقسمون ايضا الى عرب وغير عرب. في الفئة الاولى يدخل السنة والشيعة وفي الثانية الاكراد والتركمان. 

لا يعرف الاجتماع العراقي تمييزا، الا بما هو خلاصة وتفاعلات للتدخلات السياسية. هناك مدن شيعية واخرى سنية وثالثة مختلفة، وهناك تمازج أعراق ايضا. المدن دوما تدمج في رحابها، تحتضن الجميع وتعيد تنظيمهم في بوتقتها. في الأرياف هناك عشائر وقبائل، وهذه الاخيرة سنية وشيعية على حد سواء، وبعضها يملك امتدادات عابرة لحدود العراق، مثلهم مثل الاقليات الاثنية (الاكراد والتركمان). ويؤلف سكان المدن حوالى ثلثي السكان والأرياف من الثلث الباقي. 

السيد هاني فحص
السيد هاني فحص

تختلف التقديرات بشأن حضور الجماعات الدينية في مؤسسات السلطة. الشيعة كما يقول السيد هاني فحص اكثرية في الاجتماع اقلية في السلطة بالمقارنة مع السنة. حدث هذا منذ اندراج العراق في اطار الدولة العثمانية، ولم يتغير لدى دولة العراق الاستقلالية. ولكن السؤال هو هل السنة في السلطة حقا؟ 

بالتأكيد لم يكافأ الشيعة على دورهم في بناء العراق الحديث، الذي كان مدماكه الاساس ثورة العشرين التي لعبت فيها النجف دورا رئيسيا... استمر الاجحاف في العهود الاستقلالية وتعمق في غضون العقود الثلاثة الماضية. 

السؤال الذي طرحناه بداية هل كان السنة في السلطة؟ يمكن الاجابة عليه ب”لعم”، أي لا ونعم. على الاقل أمسكوا رسميا بمقاليد السلطة وحددت الاخيرة نسبة المشاركة للآخرين بما لا يمكن تجاوزه. ولكن في العقود الاخيرة، أخذت السلطة تتحول الى اداة اقلوية لأقلية. حصة الشيعة في المواقع الادارية العليا لم تزد عن خمسة بالمئة من الوظائف، وهم مع الاكراد والتركمان الذين يزيدون ربما عن ثمانين بالمئة حصلوا على ما لا يتجاوز ال35 بالمئة من النسبة العامة للوظائف. لم يكن نظام الرئيس صدام حسين سنياً، كان معه وحتى اللحظة الاخيرة عدد من الرموز المحسوبين على الطائفة الشيعية. كانت حصة السنة محصورة ومحددة في مدن، وبتدقيق أشد في عائلات بعض المدن. جاء صدام وحصرها في مدينة واحدة ثم في عائلة واحدة ثم في جزء من العائلة. ذاب الحزب وسط هذا المسار الدموي العاصف؟. 

رغم هذا الخط الناظم للتاريخ حتى الأمس القريب، لم يعرف العراقيون فتنا طائفية. عندما كانت المدن العراقية تشهد توترا من هذا القبيل، كان الامر يتم بفعل الحاكم سواء كان شيعيا او سنيا، بويهيا او سلجوقيا عثمانيا او صفويا او قاجاريا.. ناهيك بالانكليزي والبعثي الذي سلط سيفه على الجميع، وان تفاوتت حدته بين جماعة واخرى. هذا ما يثبته فحص. 

هذا التقديم يفتح الكلام ولا يقفله. يفتح الكلام على عراق اليوم. ما مضى قد مضى، والعراقيون مرغمون اضطرارا على النظر الى المستقبل. ليس العراقيون وحدهم في هذا الامتحان، اذ الموضوع الفعلي يتعداهم الى اصغر “دسكرة” في المنطقة العربية والاسلامية، لا سيما ان الزلزال الكبير له زلازل ارتدادية قد لا تكون اقل عنفا من الاصلي الذي تفرعت عنه. هذا يتطلب الدخول في تلمس بعض معالم خريطة القوى السياسية على الساحة العراقية. 
 

الأكراد والسنّة 

الشيخ نعيم قاسم
الشيخ نعيم قاسم

     يعتبر نائب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ان قوى الاعتراض العراقية تتمثل بشكل رئيسي في المنطقة غير الكردية. لأن الاكراد بحكم خصوصية الشمال العراقي وما تكرس لهم خلال الفترة السابقة قد أرسى قناعة بتطوير ما تم الحصول عليه مع بعض التحسينات، بمعنى سلطة ما محدودة في اطار ما هو قائم الآن. وهو أمر وارد، إذ ان الاميركيين قد يفكرون بتحييدهم من دائرة الحالة العامة القائمة في عراق اليوم. رغم هذه الوجهة العامة، يستدرك قاسم قائلا: لكن لا بد وان نضع في حسابنا احتمال ان لا يقبل الاميركيون بالوضع السابق للاكراد وهذا احتمال ضعيف، لأنه عندها ستجد القوى الكردية نفسها مساقة للانضمام الى المعارضة العامة. 

الرعاية الاميركية لوضع الشمال برزت منذ البدء بحشد القوى على حدود العراق وما أثاره الموقف التركي من صعوبات امام تلك الجبهة، حتى أمكن ايجاد المخرج. ثم كانت العمليات العسكرية كردية واميركية. وهي تتويج لمسار من العلاقة بين الاميركيين وكل من البرازاني والطالباني. خلال الحملة أمكن “اجتثاث” المجموعات السنية الكردية الاصولية.. وبعدها عندما انهارت القوات العراقية شمالا بعد قتال نسبي، دخل غارنر دخول الفاتحين الى مدن الشمال مستقبلا بالأرز والزهر. تمدد الاكراد لبعض الوقت ومعهم حساسيات مراحل سابقة. 

لكن هذا لا يعني ان إشكالية وضع الاكراد قد حلت، اذ ان اعادة تركيب الخارطة لم تبدأ بعد، ولا شك بأن تركيا التي كانت تراقب الوضع ما زالت في طور التدقيق في كل الاشارات التي يمكن ان يشتم منها “رائحة” دولة كردية لها حساباتها المختلفة على وضعها الداخلي. 

الاكراد طبعا هم جزء من الكتلة السنية التي تم تقسيمها في عهد النظام الراحل الى عرب وأكراد وتركمان ثم قسمها الى حزب ولا حزب. ثم شطب مواقع الانتاج السياسي في تاريخها: الانبار، الرمادي، الفلوجة وهيت وعامر وعانة وسامراء وحديثة. ثم شطب الموصل سياسيا وأبقى لها فرصة الترقي في المؤسسة العسكرية من خلال كبار الضباط. الكوادر المتقدمة والقيادات الفاعلة في الحزب كانت بنسبة تسعين بالمئة سنية، الا انها تبددت في عمليات التطهير، لا سيما بعد ان رفع تكريت فوق الجميع، ثم رفع العوجة فوقها، ثم رفع العائلة على العوجة، ثم جزءا من العائلة على الجزء الاكبر. 

هذه الصورة التي يقدمها السيد هاني فحص تحتاج الى استكمال باعتبارها جامدة، وان كانت تمثل تراتبيات وأفضليات متلاحقة. يضيف فحص: لم يبق مكان سني إلا وزعزعه عبر حصر التمثيل فيه على حساب سواه، ثم أقصاه لحساب غيره وهكذا. عالج الشيعة بالقتل الواسع وعالج السنة بالقتل المباشر المخطط، وغير المباشر من خلال الطرد والاختزال، فالكتلة السنية تشعر الآن بأنها تدفع ثمن نظام لم يسمح لها بمعارضته بشكل متماسك وقوي، وتعبر عن ذلك بوضوح. الآن هي في صدد تجميع أنفسها على مقتضى وطني. والشيعة العراقيون لا يحملونها مسؤولية النظام. هذا لا يعني أنه ليس هناك إشكالية شيعية سنية، ولكنها كأي إشكاليات أوطان التعدد الديني والمذهبي والقومي. لقد كان بإمكان النظام فصل الأكراد عن السنة، وفصل الاخيرين عن الاول، وهذا ما مكن النظام من مصادرتهم وإضعافهم أكثر. ويعتقد فحص أن أهم دلالات الاستضعاف منعهم من التعبير عن معارضتهم خلاف الشيعة الذين عبروا وان كانوا قد دفعوا ثمنا فادحا. 

الدكتور رضوان السيد
د. رضوان السيـّد

يصف الباحث د. رضوان السيد الحزب الاسلامي العراقي السني بأنه من أكبر دعاة الديموقراطية، وقد عاود افتتاح مراكز له في الموصل وبغداد والانبار وديالي والرمادي. وقد تأسس الحزب كفرع للاخوان المسلمين على يد الشيخ محمد الصواف، ومنع مرارا بدءا من العام 1960، وقد ارتاح هؤلاء قليلا أيام العارفين عبد السلام وعبد الرحمن، إلا أنه عانى المنع والتشدد والسجن أيام حكم الرئيسين البكر وصدام. وما يقال عن الحزب الاسلامي يقال عن حزب التحرير وسواه. السيد يستنتج ان السنة أصيبوا برضة بالمعنى النفسي لسقوط صدام ستتركهم في حيال ضياع لزمن قد يطول، لا سيما في المدن خصوصا حيث نسبة كبيرة منهم كانت في الجيش والادارات والامن والاجهزة الاخرى. 
 

النجف ومرجعياتها 

     الملايين التي تجمعت في كربلاء في أربعين الإمام الحسين، كانت تتجاوز شعائر الحزن التقليدية للتعبير عن حضورها في معادلة عراق الغد، باعتبار ان الاحكام القاهرة المفروضة عليها لا بد وأن تتغير. أحكام قاهرة فرضها عليها النظام السابق، واحتلال جديد يتجاوز على العراق بأسره عندما يعيده الى قيد الاحتلال. 

السيد محمد حسن الأمين
السيد محمد حسن الأمين

يعتبر العلامة محمد حسن الأمين أنه من الطبيعي أن تكون النجف أكثر عناية واهتماما من سواها بالتغيير الحاصل بعد هذه الحرب التي أزالت النظام. وهي ترى في ذلك الفرصة من أجل استعادة دورها ومكانتها التاريخية كمركز للعلوم الدينية على مستوى العالم الشيعي. وقد يكون ذلك صعبا خلال فترة زمنية قصيرة، فاستعادة هذا الدور تتطلب فترة أطول واستقرارا. أحسب أن النجف سوف تعمل بكثافة على الافادة منها لاستعادة بنيتها، ولا شك أيضا بأن النجف تعمل الآن وستعمل في المستقبل لكي تكون هناك ضمانات سياسية من أجل وضع حر ومستقل ومؤثر على المستوى السياسي في العراق. والمعطيات التاريخية والدينية والاجتماعية جميعها تؤهل النجف لكي تنجز هذا الموقع، ما لم يكن هناك ممانعة استثنائية على المستوى السياسي الذي تتحكم فيه اعتبارات وقوى خارجية ولم يعد عراقيا صرفا. رغم ذلك أرجح أن تحقق النجف ولو دائرة أولى من الاستقلال والفعل والتأثير حتى في ظل الاحتلال الاميركي للعراق نظرا للمكانة الدينية التاريخية لهذه المدينة ولحوزتها ومرجعياتها العلمية الدينية. 

إذن يتحدث العلامة الأمين عن دورين للنجف، الدور العلمي كمركز دراسي للطلاب الشيعة اللبنانيين وغير اللبنانيين وهذا يمكن تحقيقه بعد مرحلة من الاستقرار، والثاني هو الدور السياسي الذي يتطلب مزيدا من البحث والتعميق، لا سيما ان هذا الدور السياسي يتغذى ويغذي الدور الديني للنجف، باعتبارها المرجعية العليا للشيعة في العالم، وهي بالتالي المؤسسة المستمرة منذ حوالى الألف عام دون انقطاع. وقد لعبت أدوارا أساسية في تشكل العراق الحديث، كما تركت بصماتها على إيران أيضا. 

وقد فجرت الثورة ضد الاحتلال الانكليزي العام 1920. وقد بلغ من عنف هذه الثورة انها أبادت إحدى وحدات الجيش البريطاني كاملا ولم يعد منها سوى طبيب هندي الأصل. 

إذن كانت المرجعية تمسك بزمام الدفة السياسية، وآخر مرجع توافر له هذا الدور كان السيد محسن الحكيم الذي توفي في العام 1970، وقد أصدر فتاوى حرم فيها الانتساب الى حزب البعث او التعامل معه، مما دفع النظام القائم آنذاك الى تصعيد وتيرة قمعه، والتي بلغت ذروتها في إعدام المرجع الشيعي محمد باقر الصدر ومعه مئات العلماء والطلاب. بعده تولى المرجع السيد أبو القاسم الخوئي المرجعية، حتى وفاته، حيث خلفه تلميذه السيد عبد الأعلى السبزاوي، وبوفاته انتهت المرجعية او المساحة الأوسع منها، ليخلفه المرجع السيد علي السيستاني الذي ينتمي الى منطقة سنية في إيران هي سيستان ويبلغ من العمر 78 عاما وهو من تلاميذ الإمام الخوئي كما يذكر فحص. والمعروف أنه صاحب أفكار متقدمة على الصعيد الديني، إلا أنه لم يعهد عنه كما يقال أنه صاحب طروحات سياسية، خصوصا أنه مارس الانسحاب من واجهتها. ويدل حذره أنه يدرك مدى التعقيدات التي يعانيها العراق بعد سقوط النظام، ويحاول أن ينأى بنفسه عن المواقف السياسية، دون أن يمتنع عن تحديد سقف عام هو أن يحكم العراقيون عراقهم بأنفسهم. 
 

السياسة والعباءة الدينية 

     هذه الصورة العامة تتطلب المزيد من الألوان والخطوط كي تكتمل. إذ بين مرجعية السيد محسن الحكيم ومرجعية السيستاني خيط من الدم الذي لم ينقطع. مئات من العلماء وطلاب الحوزة تم إخفاؤهم. الآن يتم التأكد من قتلهم. لكن بين التاريخين أيضا مسافة زمنية كبرى، هي التي تم خلالها إضعاف النجف والمرجعيات فيها. فالأحزاب التي خرجت من تحت عباءة الحكيم لتنسج على منوال الحركات السياسية السنية العربية، وتحديدا “الاخوان المسلمون” و”حزب التحرير” تعرضت لما تعرض له المراجع والمحيطون بهم من مقلدين. وكانت الحصيلة ان ذوت النجف، مقابل نجاحها في إضعاف صورة الملتحقين بالنظام من أبنائها ومحيطها. ظلت النجف إذن رغم حال التراجع في الشأن العام راسخة، بل وأشد رسوخا من رموز المؤسسة الحاكمة، أملا في الوجدان العام. 

يميز الشيخ نعيم قاسم بين المرجعيات الدينية بالمعنى الشيعي، أي التي تصدر الفتاوى مثل السيستاني، الحكيم، الشيخ الفياض وبين الحركات السياسية التي تستفيد من هذه المرجعيات الدينية، لكنها لا تبلور حركة ميدانية مطلبية ذات أبعاد فكرية وسياسية بأداء حزبي، وهي التي تتمثل بالمجلس الأعلى برئاسة السيد محمد باقر الحكيم وحزب الدعوة وتيار الشهيد الصدر وغيرهم. فعمليا المرجعيات تتحدث عن قواعد عامة، بينما يدخل التنظيم في الحركة السياسية. وبهذا المعنى فإنها لا تتدخل كمرجعيات وان كانت تؤشر الى توجهات. أما قيادة الجمهور وتأطيره باتجاه أفكارها ومبادئها، فهو من مهام الحركات السياسية. 

لكن المرجعية الدينية ذات الظلال السياسية ليست مرجعية واحدة على أي حال. هذا ما تثبته التجربة والممارسة الراهنة على حد سواء. يقول العلامة محمد حسن الأمين، التعدد على مستوى المرجعيات ليس ظاهرة جديدة في النجف، بل هي قديمة قدم الحوزة العلمية نفسها، ولكنها في إطار الملابسات السياسية القائمة حالياً قد تكون مؤثرة أكثر لجهة صعوبة عودة النجف الى حالتها الطبيعية السابقة، ويعلن العلاّمة الأمين عن اعتقاده أن الدور التاريخي للنجف على صعيدي استقلالها وتعدديتهما سوف يكون مؤثراً في تجاوز الصعوبات السياسية الراهنة. فصراع المرجعيات إذا صح التعبير سوف يكون محكوماً في قدر منه للتراث والنهج التاريخي للنجف، بأكثر مما هو محكوم للاعتبارات السياسية الراهنة. والمرجعية في النجف في المحصلة هي مرجعية دينية بالدرجة الأساسية. لذلك ستكون الاعتبارات المتحكمة في صياغة بنية النجف اعتبارات دينية أكثر مما هي سياسية. 

ما يلح عليه الأمين هو ضرورة التمييز بين مجتمع سياسي متغير ومتقلب وبين مرجعية دينية تستند الى ثوابت واعتبارات راسخة. هذا على الأقل يفسر كيف ظلت النجف تشكل المرجعية الدينية رغم تعدد المراحل السياسية وتباين الاتجاهات السياسية للشيعة أنفسهم. إذ لا بد أن تكون النجف هي مرجعية الجميع، وهي في التجربة الراهنة يجب أن تستعيد هذه الوضعية والأرجح أنها تتجه لاستعادتها، مما يجنبها أن تغدو فريقاً ويكرس موقعها مرجعية للجميع سواء كانوا من الإسلاميين أو الوطنيين أو القوميين، خصوصاً أن الاجتماع الشيعي في العراق ليس اجتماعاً تنظيمياً ذا رؤية سياسية واحدة وهم كغيرهم يشكلون تيارات سياسية وفكرية متعددة.
 


السيد محسن الحكيم

السيد الخوئي

السيد محمد باقر الصدر


حوزة وعائلات 

المرجع السيد علي السيستاني
السيد علي السيستاني
السيد محمد باقر الحكيم
السيد محمد باقر الحكيم
مقتضى الصدر
السيد مقتضى الصدر

     الاسماء التي تتردد كمرجعيات تتباين على صعيد النجف، التي أفادت “قم” من ضعف دورها. لكن هذا التباين قد يعبر عن تباين سياسي أكثر منه اجتهادات فقهية، لا سيما أن العراق يشهد نهوضاً لقواه، بعد مرحلة السحق الطويلة. الأسماء التي تتردد تبدأ بالسيد علي السيستاني ويليه محمد سعيد الحكيم، محمد باقر الحكيم، بشير الباكستاني، الشيخ إسحاق الفياض الأفغاني، السيد محمد بحر العلوم، السيد اسماعيل الصدر و... 

مع ذلك فقد ارتفعت الشعارات تطالب بإعادة الاعتبار للحوزة في القرار السياسي الوطني. قد يكون الأمر رداً على سياسة التهميش التي مورست ضدها والتكبيل الذي منعها من لعب دورها في التعبير عن منظومة مصالح المجموع العراقي وليس الشيعي فقط. 

يرى الشيخ صبحي الطفيلي أن في الحوزة تيارات سياسية، بعضها كان متباعداً عن البعض الآخر قبل انهيار النظام ودخول الأميركيين. وقد حاولوا اللعب على هذه المسألة، للتفاعل على نحو سلبي. كل هؤلاء حوزة ونحن معهم بغض النظر عن خلافاتهم.

يعتبر السيد هاني فحص أنه في النجف لا أحد يلخص أحداً، ولا أحد يلخص النجف ونسبة تمثيلها متفاوتة. النسبة الأوسع هي للسيد السيستاني بالمعنى المرجعي على مستوى العراق وخارجه. النسبة الثانية هي للسيد محمد سعيد الحكيم، إنما داخل العراق فقط. أما المراجع الآخرون فتمثيلهم محدود جداً. التمثيل السياسي لدى السيد محمد باقر الحكيم واسع نسبياً. التمثيل المرجعي يحاول تأسيسه على الماضي، على مرجعية أبيه القديمة، مع أهلية فقهية لا تصل الى حد جعله مرجعاً مع إشكالية وجود مرجع حقيقي من آل الحكيم هو ابن شقيقته السيد محمد سعيد الحكيم. أما مقتدى الصدر فيمثل حالة شعبية تعاني من شيء من الالتباس والشعبوية. وقد تأسست هذه في فترة حصار شديد للمرجعية في النجف بعد انتفاضة العام 1991. وقد استفاد النظام من غياب الخوئي بالموت فتصدى السيد محمد الصدر للمرجعية بقرار ذاتي. وقد تغاضى عنه النظام حتى قوي هذا التيار وامتد الى قوى شعبية غير مسيسة، حاول الصدر الاستقواء بها على النظام لفرض بعض مطالبه فقتل. 

إذن لا تمثيل مرجعي للسيد مقتدى الصدر وتياره، إلا بحدود ما تبقى من الموروث في السياسة والدين وهذا الموروث مرشح للتناقص بعد استعادة النجف حركتها وحيويتها. وهذا بعض ما يسمى تيار الصدر. 

يتكئ كل من الأسماء الواردة الى موروث. بعض الأسماء التي صعدت سقطت سريعاً. كأن هناك ما يشبه شبهات الوراثة العائلية. آل الحكيم يعودون الى المرجع السيد محسن الحكيم صاحب الباع الطويلة في الدفاع عن النجف ودورها، وقبلاً عن العراق ككيان وطني. آل الصدر يستندون الى السيد والمرجع محمد باقر الصدر الذي حاول تجديد المرجعية وتأطيرها عبر حزب الدعوة الذي كان أحد مؤسسيه ثم لم يلبث أن انسحب منه احتياطاً لاحتمالات نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 حيث أمكن اعتقاله ثم اغتياله. حتى عبد المجيد الخوئي الذي اغتيل مؤخراً يمتلك علاقة نسبية مع الإمام الخوئي وأحد أنجاله محمد تقي الذي كان قد اغتيل هو الآخر... 

أما بالنسبة للمواقف السياسة فالمعروف ان المواقف التي أعلنت من جانب المرجعيات الدينية لم تصل بعد الى مستوى الدعوة الى التمرد على الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق، علماً أنه مع بداية الحرب صدرت فتاوى دعت للجهاد ضد الكفار الأجانب ودعت الجمهور للحفاظ على المال العام وعدم اللجوء الى الأعمال الثأرية. المشايخ والعلماء في المدن والبلدات لا يتحركون دوماً بالتنسيق مع النجف بل تبعاً لملابسات معقدة يتداخل فيها العنصر العام مع العناصر المحلية. كما يقول الباحث د. رضوان السيد. 
 

التيارات السياسية 

     تنتمي معظم التيارات السياسية، ان لم نقل جميعاً الى مرحلة ما قبل انهيار النظام. وهي بالترتيب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، حزب الدعوة، أنصار الصدر، منظمة العمل الإسلامي، وحزب الله العراق. الى جانب هده القوى لا بد من الإشارة الى الحزب الشيوعي العراقي والعديد من التشكيلات من نوع المؤتمر الوطني العراقي وحركة الوفاق الوطني العراقي وحركة الائتلاف، التنظيم العراقي المستقل وفصائل ومنظمات بعضها تركمانية وبعضها الآخر سنيّة الى جانب الشيعية بطبيعة الحال. ثم هناك بالطبع الشخصيات الوطنية التي عانت كما سواها من وطأة القمع وهجرت مثلها مثل الأحزاب تماماً. 

يؤشر الشيخ قاسم الى اتصالات للعديد من القوى هذه مع الأميركيين، مما يعني أن القناعة الكاملة لقيادات الاتجاه الديني لم تصل بعد الى مرحلة رفض الاحتلال واعتماد أشكال النضال المتاحة. رغم ذلك يلحظ قاسم وجود قواسم مشتركة بين عموم الحركات والمرجعيات تتمثل في رفض الاحتلال الأميركي والتأكيد على حرية الشعب العراقي في اختيار نظامه والانفتاح في دائرة النظام بما يأخذ بعين الاعتبار تنوعات الشعب العراقي مع المحافظة على احترام الإسلام والإفادة منه. 

يصف قاسم المواجهة الآن بأنها سياسية، أما كيف تتطور الأمور، وهل تتجه أميركا نحو محاصرتها وضربها، فهذه أسئلة مفتوحة على اجابات متنوعة فلا يمكن إذن استباق نتيجة الصراع سلفاً لتقول إنه سيكون لمصلحة أميركا أو المعارضة. ما نستطيع التأكيد عليه أن حجم الاحتلال سيكون خطراً أو مقلقاً للمعارضة الى درجة سيجعلها تواصل دورها بما يتاح لها من إمكانات وبما تسعى لتوفيره، ولا يؤمل أن يتولى أحد غير العراقيين هذا الدور. فالنجاح مرتبط بمستوى حركتهم الداخلية، وكل العوامل الأخرى قد تكون عوامل مساعدة. 
 

المجلس والحزب 

     مشكلة المجلس الاعلى للثورة الاسلامية الكبرى في علاقته بطرفي معادلة متناقضين، أي ايران من جهة والولايات المتحدة الاميركية من جهة ثانية، حتى انه يظهر احيانا وكأنه على حد السيف... مع مشكلة إضافية تتمثل بعلاقته المتوترة بالمرجعية في النجف لكنه يظل القوة الاساسية من خلال فيلق بدر الذي ربي في ايران وعاد منها مؤخراً مع رمزه الابرز السيد محمد باقر الحكيم وهو الابن الرابع للمرجع السيد محسن الحكيم. وقد تتلمذ الحكيم على يد شقيقه يوسف وعلى المفكر الاسلامي محمد باقر الصدر لمدة تصل الى حوالى عشرين عاما. ومن المعروف عنه انه كان من اوائل المنضوين في اطار حزب الدعوة الاسلامي، لكنه انسحب منه في فترة مبكرة بايعاز من والده الذي وجد ضرورة الفصل بين المرجعية والحزب. وتتحدد عناصر قوة هذا المجلس في شبكة علاقاته الواسعة. فإضافة الى ايران كموئل لرئاسته وعناصره قبل العودة، يملك علاقات مع مصر والمملكة العربية السعودية والكويت والامارات كما يقول السيد هاني فحص. 

الا ان عدة معضلات تتفاعل داخله. فالقوى السياسية التي شاركت في تأسيسه لم تلبث ان انسحبت منه كحزب الدعوة ومنظمة العمل وجماعة العلماء و... هذا جانب، الا ان الجانب السياسي هو الابرز، حتى ان د. رضوان السيد يعتبر ان مشكلته الكبرى، الى جانب علاقته المتوترة بالمرجعية هي تبعيته لايران وميله للتفاعل مع اميركا والمعارضة، علماً انه حضر بعض مؤتمراتها وقاطع البعض الآخر. هذا جانب. الجانب الاهم هو موقفه من الاميركيين، فقد دعا الحكيم بداية الى الحياد بين النظام والاميركيين. بل واكثر من ذلك كان على جهوزية للمشاركة في القتال ضد الجيش العراقي لولا “النصائح” الايرانية. ويعتبر الحكيم من ابرز الشخصيات المتعاونة مع ايران، علما ان الإمام الخميني كان قد استقبله بحفاوة. حيث اقام في ايران منذ العام 1980 بعد مرحلة اقامة قصيرة في سوريا. 

أما حزب الدعوة الذي يعتبر الاعرق لجهة التأسيس، فقد عرف منذ اغتيال المرجع محمد باقر الصدر سلسلة من الانشقاقات التي مزقته. وقد تأثر تنظيمياً بكل من الاخوان وحزب التحرير والحزب الشيوعي. ويعتبر تأسيس هذا الحزب تطوراً هاماً بالقياس الى التشكيلات التي سبقت تأسيسه في العام 1957. ويذكر ان في عداد مؤسسيه من اللبنانيين السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين، كما يذكر البعض الإمام موسى الصدر، واللافت ان المرجع محمد باقر الصدر الذي دفع ثمن وضعه لدستور الجمهورية في ايران وتشريعه ولاية الفقيه لم يتمكن من تسويق الولاية هذه لا في حياته ولا بعد موته داخل هذا الحزب. المهم ان هذا الموضوع فتح على الانشقاقات في صفوفه. وهو الآن عبارة عن احزاب ثلاثة او اربعة. وقد فقد الالوف من كوادره وعناصره قتلا ونفيا خلال الفترة السابقة. واللافت ان بعض اقسام هذا الحزب أيدت الغزو الاميركي، فيما ظلت اقسام منه على معارضتها للجميع: ايران، اميركا، والمرجعية النجفية... كما يقول السيد الذي يلحظ تطوراً في طروحاته عن المراحل السابقة. 

يعاني هذا الحزب مثله مثل سواه من مشكلات كثيرة، اذ كما يذكر فحص فإن تمثيله المرجعي شبه معدوم، فهو في هذا المجال حركة سياسية دينية لا تستطيع الوقوف في وجه المرجعية، ولانه تاريخي فقد نال النصيب الاكبر من القمع، فخسر العدد الاكبر من قواعده بالقتل والاحباط والاستنكاف السياسي وعدم تجديد بنيته التنظيمية. لقد بات الآن تنظيما هرما. وقد تعرض لانشقاقات الى حد انه عبارة عن ثلاثة محاور متنافسة ومتصارعة، لكنه قادر بحكمة وتأن من لملمة نفسه. حتى الآن لم يظهر منه أي سلوك متعجل يمكن ان يورثه أوهاما وخسائر. 
 

هوة وداخل وخارج 

     يعتبر الشيخ نعيم قاسم ان البارز في قوى المعارضة، القوى الدينية بشكل اساسي، وهي ممثلة بالمجلس الاعلى وحزب الدعوة وتيار الصدر والحزب الاسلامي وجمعية العلماء لدى السنة. إضافة الى هذه هناك قوى علمانية تتجمع حول شخصيات اكثر منها تنظيمات وحركات مثل الشلبي والباجه جي وعلاوي وغيرهم. وهؤلاء ليس لديهم حضور كبير في حركة الاعتراض الميداني، باعتبار ان المشاعر الدينية ما زالت الاكثر حضوراً في التعبير عن تشكيلات القوى السياسية والحزبية. لا بد من فترة زمنية تحتاج الى اشهر لتتبلور هذه القوى في الاتجاهين الديني والعلماني على نحو أوضح. 

يؤشر الشيخ صبحي الطفيلي الى ان ما يجمع بين التيارات السياسية الشيعية انها من مرحلة ما قبل سقوط حكم البعث وجل قياداتها كانت مهاجرة من العراق قبل ربع قرن او اكثر. اذن هناك فجوة واسعة بينها وبين الواقع المعيش داخلياً وهذا ما سيشكل ازمة مع الناس. اغلب هذه التيارات تتحدث كأن الاميركيين راحلون، ولم تستحضر بعد فكرة انهم باقون وعلى اساس هذه الفكرة كيف سنتصرف. يتحدثون عن حصص ومشاركة... الامر يحتاج الى اكثر من شهور قليلة للعودة الى التوازن في الرؤية... أعتقد ان التفكير في بناء دولة في ظل الاحتلال الاميركي يجعل منها في خدمته. ينبغي صب الجهد على طرد الاميركي اولا وبعدها يبني العراقيون دولتهم. السيد هاني فحص يرى الامر على نحو معاكس بالكامل تقريبا: ليس العراق اول دولة تتكون في ظل الاحتلال، خصوصا بعد ان اعلن الاميركيون انهم محتلون. دولنا الوطنية تكونت في ظل الانتداب. وهذا لم يمنع من ان تكون اداة للاستقلال... 

يختصر النائب محمد رعد المعادلة على النحو التالي: من موقع معرفتنا بواقع الشعب العراقي وتحسسه الوطني والقومي والديني، وانطلاقا من فهمنا لأهمية الساحة العراقية وتعقيداتها نميل الى الاعتقاد ان الاميركيين قد ابتلعوا كتلة شوك ستتسبب لهم بالكثير من الآلام...

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic