الجريمة التي أودت بحياة اكثر من اربعين مصلياً يوم الجمعة الماضي في احد مساجد مدينة كويتا الباكستانية ليست الأولى من نوعها. لقد سبقتها جرائم بشعة مثلها كان مسرحها مساجد ومصليات باكستانية اخرى وخاصة في لاهور وكراتشي. ومن المؤسف ان المسلمين في مشارق الارض ومغاربها الذين يتلقون انباء هذه الجرائم بشجب وقلق لا يتلقون اي نبأ عن مصير المجرمين الذين يرتكبونها، الامر الذي يزيد الشجب شجبا، والقلق قلقا.
في الأساس لقد حرّم الله قتل الانسان واعتبر إزهاق روح بريئة بمثابة قتل للناس جميعا وفقا لما قالت به الآية القرآنية الكريمة: “من قتل نفساً بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً”. ان قتل انسان بريء أياً كان معتقده او لونه او جنسه وسواء كان في نيويورك او في الرياض، في الدار البيضاء او في كويتا، هي جريمة ضد الانسانية كلها.
وفي الأساس ايضاً فان كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه. كما روي عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام. وعندما يقتل مسلم مسلما فان القاتل يكون قد ارتكب واحدة من اكبر المحرمات عند الله، فكيف اذا كان مسرح الجريمة مسجدا يذكر فيه اسم الله؟ وكيف اذا كان الضحية بريئا يؤدي عبادة الصلاة الى الله؟.. وهل يعمر مساجد الله غير من آمن بالله واليوم والآخر؟.. فبأي حق تُزهق أرواحهم، وخاصة في يوم الجمعة، اليوم الذي اختاره الله لاجتماع المسلمين صفا واحدا امام إله واحد ليسبّحوا بحمده ويعتصموا بحبله ويتوجهوا اليه وحده بالصلاة والدعاء؟..
يصف رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام المسلم بأنه “من سلم الناس من يده ولسانه”. فأي مسلم هذا الذي قتل الناس الابرياء في بيوتهم ومكاتبهم وفي الطائرات المدنية وعلى قارعة الطريق وفي بيوت الله كنائس كانت او مساجد؟
وأي مسلم هذا الذي يقتل المسلمين حيث يعبدون الله سبحانه وتعالى راكعين ساجدين؟
هل يعرف هؤلاء المجرمون الذين يسفكون دماء الأبرياء، سواء كانوا مسلمين او غير مسلمين، وقائع قصة الصحابي الجليل اسامة مع النبي عليه السلام؟ تروي هذه الوقائع انه خلال احدى المعارك التي خاضها المسلمون ضد الكفار، تمكّن اسامة من أحدهم ورفع سيفه ليقتله. فصاح الكافر بأعلى صوته إنني آمنت ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله. ولكن اسامة لم يكترث لهذا الايمان المتأخر فهمّ بقتله اعتقادا منه بأنه ما أعلن الشهادة الا خوفاً من السيف. هنا تدخّل النبي عليه السلام ونهاه وردعه مردّدا مقولته المشهورة: “هلاّ شققت عن قلبه؟”، اي هل دخلت قلبه لتعرف ما اذا كان قد آمن عن حق او عن خوف؟ فما بال هؤلاء في كويتا كما في تورابورا لا يفقهون قولا؟.. ما بالهم يكفّرون المؤمنين ويستبيحون دمهم؟ وما بالهم ينتقمون من الأبرياء ويزهقون أرواحهم؟
لا يوجد أي تفسير لجريمة كويتا سوى انها محاولة لاشعال الفتنة. وعندما تشتعل الفتنة فإنها لا تنحصر في بلد دون آخر، او في مجتمع دون آخر، وهي لا تقف وراء حدود سياسية، ولا تبعدها الجغرافيا ولا المسافات البعيدة.
واذا كان ضحايا هذه الجريمة البشعة هم من الباكستانيين، فإن ذلك لا يعني ان التصدي لها هو مسؤولية باكستانية فقط. انها جريمة ضد الانسانية. وجريمة ضد الاسلام. وجريمة تستهدف المسلمين جميعاً، سنّة وشيعة. وبالتالي فإن التصدي لها يجب ان يكون فرض عين على كل مسلم داخل باكستان وخارجها.
عندما وقعت جريمة مشابهة من هذا النوع منذ عدة سنوات، بادر مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني وسماحة رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى السابق المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين، إلى توجيه رسالة شجب وإدانة واستنكار مشتركة الى السلطات الباكستانية. وقد طالبا في الرسالة بمعاقبة المجرمين، وعرضا التدخل لدى القيادات الروحية في باكستان من أجل رأب الصدع وتوحيد الكلمة. وكان تحركهما المشترك ينطلق من أمرين اساسيين:
الأمر الأول هو الايمان بأن عليهما مسؤولية العمل على حقن دماء المسلمين ووأد الفتنة في مهدها.
اما الأمر الثاني فهو الشعور بأن الأسرة الاسلامية في لبنان وانطلاقا من ثقافة لبنان ورسالته في احترام الاختلافات وتقبّلها مدعوّة لأداء مثل هذا الدور التوفيقي الشرعي في مجتمعات الدول الاخرى التي تعاني عن جهالة من سوء توظيف الاختلافات المذهبية في صراعات دموية تنتهك التعاليم الدينية والقيم الاخلاقية التي يقول بها الاسلام.
من المؤسف أن الشيخين قبّاني وشمس الدين لم يتلقّيا رداً من الباكستان، ومن المؤسف ايضا ان التحقيق مع المجرمين الذين ارتكبوا جرائم العنف المذهبي المبتذل لم يصل إليهم.
ومن المؤسف كذلك، ان هذه الجرائم تواصلت بشكل مأساوي لا يجوز السكوت عنه، ليس فقط ضناً بأرواح الابرياء الذين سقطوا، انما منعاً للفتنة من ان تتسع وتنتشر.
من هنا فإن الجريمة الجديدة في كويتا تحتاج الى تحرك اسلامي سريع وجادّ وعلى نطاق واسع، يشترك فيه الأزهر الشريف في القاهرة ورابطة العالم الاسلامي في مكة المكرمة والمؤتمر الاسلامي العالمي للدعوة والاغاثة، وسواها من المنظمات والمؤسسات الاسلامية. ولا شك في ان مبادرة منظمة المؤتمر الاسلامي الى تشكيل لجنة تحقيق اصبح امرا ضروريا، ليس فقط من اجل تحديد هوية المعتدين ومعاقبتهم (وهذا جزء من مسؤولية الحكومة الباكستانية)، انما من اجل العمل على تعطيل الفتنة السوداء، وتعميم ثقافة المحبة والاحترام بين المسلمين من المذاهب المختلفة.
إن ما حدث في مدينة كويتا الباكستانية جريمة بشعة. ولكن السكوت عن هذه الجريمة جريمة أشد بشاعة.