الشيعة في عين الإعصار الأميركي للمنطقة العربية والإسلامية (6)
إيران والخليج في دائرة الخطر

زهير هواري

جريدة السفير (لبنان)

الثلاثاء، 8 تموز «يوليو» 2003

     بدأنا مع "سلاح حزب الله وجبهة الجنوب (1)" وعرّجنا على "مضاعفات خارطة الطريق في فلسطين (2)"، ثم "حديث مع المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله (3)". وتلته حلقتان عن الوضع الداخلي في العراق (4) و (5)، والآن عن الموقع الإقليمي لإيران ودول الخليج العربي.


 

Mohammed Khatemi - الرئيس محمد خاتمي في بيروت
الرئيس محمد خاتمي في بيروت

     إيران في قلب العاصفة، مثلها مثل بعض دول الجزيرة العربية. تعتمد ايران اليوم سياسة الحذر والتروّي. وهذه عبر عنها الرئيس الايراني محمد خاتمي خلال زيارته الاخيرة الى لبنان بأجلى الصور. الامر ليس من قبيل “التقية” بالتحديد. الثور الاميركي لم يهدئ من هياجه احتلال العراق. يومياً هناك رسائل موجهة الى ايران ومعها سوريا ولبنان. 

وإيران في ايران مثلها في لبنان. الذي شهد تحولا نحوها، لم يحدث صدفة او بفعل قوة سياسية هي حزب الله، الذي استمد منها العصب و”العصبية” و”المقدرات”. سبق ذلك انتصار الثورة وإزاحة الشاه بما يشبه الانفجار. كان من البديهي ان يتأثر شيعة لبنان به، وما أطلقه من طروحات ومواقف، لا سيما في ذروة الحماسة والتوهج. على الأقل اتضح ان حدثا من هذا النوع ليس قضية يمكن ان تختزل او تفصل على مقاس الطائفة، رغم اهميته لها. 

الأهم ان هذا الحدث قد ترافق تماما مع تراجع العامل العراقي في السياسة والاجتماع اللبناني. حزب البعث الموالي له استنفد صعوده مثله مثل بقية التنظيمات التي انضوت في اطار العمل القومي والوطني. بعض كوادره تعرضت للتصفية او التهجير. الموجة الدينية التي اطلقها الانتصار الايراني اصابته كما اصابت سواه. والحصيلة ان المفارقة كانت جلية. صعود ايران مقابل هبوط العراق. هذه المعادلة حكمت “لبنان الشيعي” منذ الثمانينات وحتى اليوم. 

خلال زيارة خاتمي تبارى كل من حزب الله وحركة أمل في حشد الانصار والمحازبين لاستقباله وسماعه. يمكن قراءة ما بين سطور المحتشدين. ايران باتت المتكأ الذي يشعر معه شيعة لبنان انهم مثلهم مثل سواهم من الطوائف اصبحت لهم مرجعيتهم. دون ان تعني الكلمة الاخيرة ما تعنيه في الادبيات الشيعية، اي المرجعية الدينية، المقصود هنا المرجعية السياسية. نمت قم على حساب النجف تبعا لمعادلة الصعود والهبوط. المعطى الايراني دخل قويا من مختلف الابواب وعلى حساب العراقي بالطبع. لا يعني ذلك ان النجف وقم موحدتا المرجعية الدينية او السياسية. هناك دوما صراعات وتيارات على كل المستويات في المدينتين والحوزتين. كل منهما له مذاقه الخاص ونكهته المميزة. لكن ما لا بد من التأكيد عليه ان شيعة لبنان يتأثرون سلبا وايجابا اكثر مما يؤثرون، في العراق او إيران. هم اصلا لا يملكون اسباب التأثير الا في حدود متواضعة جدا. اكثر من ذلك لم يكن للشيعة اللبنانيين دور ملموس مع استثناءات فردية في اندلاع الثورة الايرانية الا في حدود الاعلام والاحتضان، كما لم يكن لهم دور في انتفاضة العراق الجنوبي عام 1991، مثلما ليس لهم دور الآن في ما يشهده العراق. كانت الكتلة الشيعية دوما خارج الاستقطاب بين العراقي والايراني. اهمية هذا كله انه وإن كان يفتح القنوات الموصلة، الا انه يعني التفاعل. كل ساحة من ساحات الوجود الشيعي لها خصوصيتها وملابسات اوضاعها، وبالتالي ليس الشيعة كتلة تتحرك بناء على معطى واحد، بل انطلاقا من معطيات يغلب عليها الداخلي الاجتماعي والسياسي على الايديولوجي والفكري، لا سيما مع ملابسات المرجعيات المعروفة. ولنبدأ من ايران في رصد التحولات. علما انه لا يمكن الفصل بينها وبين دول الخليج العربي التي يفصلها عنها الخليج الذي تهتز مياهه بفعل الاساطيل والبوارج، ناهيك بالقواعد البرية. 

على مختلف الصعد تملك ايران امتيازا شيعيا خاصا. هي النظام الوحيد في العالم الذي يعلن التزام المذهب الجعفري الاثني عشري وهو السائد في لبنان. وتمتلك عمقا مذهبيا يعود الى القرن الخامس عشر الميلادي، اما العمق التاريخي والحضاري فعمره ألوف السنين وليس اقل من ذلك. 
 

التطويق والمواقع 

     المعطيات السكانية بالغة الأهمية، فالرصيد البشري للدولة الايرانية ليس اقل من سبعين مليون نسمة يمثلون عصب الشيعة في العالم ومركز ثقلهم، مع وجود أقليات سنية ومسيحية ويهودية و.. هذه الدولة تملك مقومات اقتصادية نفطية وزراعية وصناعية لا يستهان بها. الموقع الاقليمي على مياه الخليج يجعلها على الضفة المقابلة للمنطقة العربية ويفتح امامها البحر على آسيا والعالم. هي في قلب منطقة الشرق الاوسط وعلى حافة العالم العربي. إسلاميتها تتيح لها التوجه عربيا بدل الانكفاء الآسيوي الذي تحول دونه الجبال والصحاري الجغرافية والسياسية والتاريخية. 

إيران هذه “مهوى أفئدة الشيعة” بما تعبر عنه من تراث وحاضر معا. لم يكن مثل هذا الشعور قائما في مرحلة عهد الشاه محمد بهلوي، لكنه واقع منذ انتصار الثورة الاسلامية العام 1979. لكن ايران هذه مطوقة اميركيا على نحو كامل ودون فجوة واحدة في الجدار المفروض عليها. قبل الاحتلال الاميركي لكل من العراق وقبله افغانستان كانت ذاكرة حرب الخليج الاولى مع صدام حسين حائلا دون هذا المدى. لذلك رسخت علاقاتها سورياً ولبنانياً وطبعتها خليجيا، بدءا بالمملكة وصولا الى البحرين. الآن بلغت الامور مرحلة الخطر الفعلي: الاحتلال الاميركي في العراق هو في غربي ايران عمليا. القوات الاميركية مرابطة في السعودية والبحرين وقطر ومياه الخليج وفي قواعد متناثرة في المحيط الهندي. شمالا هي ايضا في افغانستان وتركيا.. 

لكن الموضوع المطروح يتجاوز ايران بطبيعة الحال. الشيعة لا يختزلون في ايران او العراق اجتماعهم البشري والسياسي. في المملكة العربية السعودية هناك اقلية شيعية وسط المحيط الوهابي السني، يتركزون في المنطقة الشرقية، منطقة آبار النفط. مؤخرا وجه 450 من علماء ومثقفي وفاعليات الشيعة عريضة الى الامير عبدالله ولي عهد المملكة العربية السعودية يطلبون فيها اصلاح النظام والمؤسسة الحاكمة. لم يكن هناك استقبال متوتر للعريضة البيان. في البحرين تجري انتخابات ينجح فيها الكثير من المرشحين الشيعة، وتبدأ مرحلة دستورية. 

المفتي السيد علي الأمين
السيد علي الأمين

وما تعانيه ايران ليس فريدا في بابه، فالأنظمة العربية، بما فيها تلك التي كانت أكثر “وفاء وولاء وعلاقة تاريخية” مع اميركا تقدح زناد فكرها في كيفية التعاطي مع المتغيرات.. انفجارات كل من الرياض والمغرب طرحت الكثير من الاسئلة ليس فقط حول اداء المنفذين، بل حول البنية والبنى القائمة برمتها. 

لا.. لا ليس هناك من استهداف مخصوص للشيعة يقول رئيس مؤسسات الصدر المفتي السيد علي الامين. استهداف الشيعة هو جزء لا يتجزأ مما يستهدف الشعب العربي من المحيط الى الخليج. مما يستهدف الدول والشعوب الاسلامية في كل مكان. يجزم المفتي الامين ان الشيعة لا يملكون تطلعات خاصة بهم سوى تطلعات الامة العربية نحو حريتها واستقلال ارادتها ورفض كل مشاريع التجزئة والتقسيم في العالم. من هذا المنطلق نرفض التهديدات الاميركية وندعو لمقاومة الاحتلالين الاميركي للعراق والاسرائيلي لفلسطين. 
 

الثورة والدولة 

السيد هاني فحص
السيد هاني فحص

     لا تتصرف ايران تجاه التحولات بتسرع، بل بكثير من الحذر. وإيران تتجه وطنيا بعد رحلة تغلب خلالها الطابع الثوري الاسلامي. هناك الآن ما يشبه المعادلة بين ايران الثورة وايران الدولة على حد سواء. وهذا ما لا يتنافى مع الاسلام شريعة او عقيدة كما يقول السيد هاني فحص الذي يفسر علاقة ايران بالأنظمة العربية بعد حرب الخليج دون القطع مع الحركات الاسلامية. ومثل هذا وجد تجلياته في افغانستان، ومن خلال الرضا الايراني عما يجري داخل السعودية بين الشيعة وسلطاتها وما يجري في البحرين، والحياد الايراني في معركة العراق. وهذا يشرح المقولات التي أطلقها خاتمي في لبنان معبرا عن اعجابه العميق بالتجربة اللبنانية، الملتئمة على مشروع وطني.. والانفتاح على حركة “أمل”.. هذا كله يضعه الايرانيون تحت سقف المصلحة الوطنية الايرانية. وهو ما ينعكس على موقفهم من القضية والوضع الفلسطينيين، بدليل انهم لا يعاندون الواقع، لم يسحبوا اعترافهم بالقرارات الدولية ويقولون انهم يقبلون بما يقبل به الفلسطينيون دون تغيير قناعاتهم، ويدركون الآن وبوضوح ان فلسطين تختلف عن جنوب لبنان. 

يبدو من خلال حديث فحص ان “المشروع الأممي الاسلامي” الايراني قد تجاوزته مصالح الدولة الايرانية، لكن ان يخبو شعار من هذا النوع، لا يكفي للاطمئنان الى الوضع الداخلي الايراني خصوصا والشيعي عموما. العلامة محمد حسن الأمين ينفي وجود مشروع شيعي في العراق وعلى امتداد مواقع الاجتماع الشيعي. ينطبق هذا على لبنان، كما على المملكة العربية، وكذلك على سواهما. بالطبع هناك بعض الملابسات اللبنانية بين كل من العراق وايران. يقول الأمين: سوف تكون هناك ملابسات راهنة بعد الاحتلال الاميركي للعراق، اذ انه سيكون عاملا مؤثرا بالتأكيد على التوجه الكامل من قبل الشيعة اللبنانيين نحو النجف، ولكن ذلك مرتبط بالتطورات المقبلة، حيث النجف سيشكل نقطة استقطاب في مقابل مدينة قم، دون ان يعني ذلك ان الشيعة سيختارون النجف كتعبير عن موقف سلبي من ايران. بل يمكن القول يتابع ان ايران تستطيع ان تستقطب ولاء الشيعة واهتمامهم على المستوى الديني السياسي، فيما النجف ستتكرس كجامعة دينية اساسية في العالم الاسلامي. 
 

إيران والعراق “الإسلامي” 

     هذا الجانب الذي يؤشر اليه العلامة الامين لا يمنع من العودة الى جادة البحث في الموضوع الايراني الذي يندلع داخله الصراع بين “محافظين” و”اصلاحيين” ويصل في بعض اللحظات الى حدود الاشتباك دون ان يبلغه. علما ان ضغوطات الخارج تتفاعل مع وضع الداخل من المعطى الايراني، الذي يبدو منقسما على نفسه، لكن هل هذا يعبر عن توجهين ازاء احداث كبرى كتلك التي تعيشها المنطقة ونراه على مسرحها؟ 

في تقديري أن التوجه الإيراني واحد، ولكن التعبير عنه يختلف بين المحافظين والإصلاحيين. والاختلاف ناشئ من طبيعة الصراع الداخلي. يقول السيد فحص، ويشرح: الاصلاحيون تعبيرهم أوضح لأن خطابهم علني ويجاهرون بما هو أكثر. وأحد الأسباب التي تجعل المحافظين والاصلاحيين يلتقون عند نقطة الاعتدال أو الواقعية في التعاطي مع القضايا الكثيرة الملحة، من بينها طبعاً قضيتا العراق وفلسطين ان الشعب الإيراني بات يعبر عن ميله للاستقالة من الهموم الكبرى خارج وطنه، لأنه يريد للثورة والدولة أن تحقق وعودها التي لم تتحقق على صعيد التنمية خصوصاً. 

هذا التكثيف الذي يقدمه فحص يفرض العودة الى الخارطة. فالمعطى الأميركي في العراق قائم، وإيران هي الأقرب نظراً للعلاقات التاريخية التي لا يمكن أن تؤرخ نظراً لجذورها البعيدة. إضافة الى جوانب التداخل العقائدية والثقافية والمصالح المتبادلة. كل هذا يدفع الى سؤال جوهري حول الطموح الإيراني بإقامة دولة إسلامية في العراق. 

لكن هذا كله لا يمنع من استمرار طرح السؤال حول دولة إسلامية في العراق بدعم إيراني خصوصاً إذا ما تذكرنا الحلم القديم بتصدير الثورة واكتساح المنطقة مما كان في صلب حرب الخليج الأولى؟ 

يرد فحص ان الدولة الإسلامية في العراق ممنوعة، لأن هذا يعني ببساطة دولة شيعية. يمكن أن يقبل ذلك الأميركيون، ولكن هذا تترتب عليه معادلات إقليمية كبرى. إذ إن هذا الكيان قد يصبح قناة لايران على المنطقة كلها من الخليج وحتى الشرق الأوسط، الدولة الكردية من يستطيع أن يقول لا لها. مصلحة تركيا وحدها لا تقرر، إذاً عندها يملكون المبرر السياسي الكامل لإنشائها. لكن الموضوع العراقي شأن آخر. هذا يثير سؤالاً حقيقياً حول مصلحة إيران في قيام دولة شيعية بالعراق بالمعنى التام الصافي. هذا يعني محواً لكل الطروحات الإيرانية الإسلامية وللتقارب العربي الإيراني. محمد باقر الحكيم تأخر بقرار ايراني في العودة، ثم جاء بقرار منها، وقال لا لدولة إسلامية ونعم لدولة ديموقراطية للجميع. وذكر في من ذكر المسيحيين والصابئة. وتراجع عن موقفه السياسي الى موقعه الديني ليجعل أخاه في الموقع السياسي الذي لا يفصّل عليه بحسب حجمه وموقعه مشروع إسلامي. وصدر موقف من المرجعية العليا ممثلة بالسيد السيستاني بتأييد توجه محمد باقر الحكيم هذا. طرح الدولة الإسلامية في العراق يتردد على لسان تيار مقتدى الصدر، وهذا التيار لا يعرف ماذا يطرح ويعاني مراهقة سياسية واضحة. مرة يقول دولة إسلامية ومرة يقول غيرها. واعتقد ان مصير هذا التيار الاستيعاب عند استعادة الحوزة عافيتها وحركيتها. 
 

الخليج على صفيح ساخن 

     يفصح مثل هذا الكلام عن موضوع أساسي هو أن إيران العام 2003 لم تعد هي إيران العام 1979. أربعة وعشرون عاماً كانت كافية لها لتجاوز مرحلة “التفجر الثوري” ونقل الثورة الى كل الأمكنة التي تستطيع بلوغها ان لم يكن بالفعل فبالقول والتأثير. 

إذاً لا شيء في العراق يمكن إطلاق تسمية الدولة الإسلامية عليه كخيار إيراني. مقابل تيار الصدر الذي يطلق بعض الأجنحة فيه مثل هذه المقولة، هناك أجنحة أخرى لا ترفض الدولة الإسلامية فقط، بل ولاية الفقيه أصلاً وبالأساس. تتحدث عن ديموقراطية شعبية وشورى وأنظمة حكم منتخبة ومؤسسات قائمة ومستقلة عن بعضها البعض، ثم ان هذا التيار لا يعبر إلا عن توافق جزئي مع بعض التيارات الإيرانية، وليس مع إيران الدولة بجناحيها الإصلاحي والمتشدد. 

رغم غياب هذا المشروع تظل إيران واحدة من مراكز الثقل في المنطقة. هي الآن أكثر رسوخاً في مواقعها الإقليمية من ذي قبل. لم يعد لديها طموح في لعب دور “ثوري الخليج” بدلاً عن شرطيه الذي حاوله الشاه. وتملك الآن شبكة من العلاقات والمصالح مع دوله. لا سيما والجميع في صميم الاعصار الأميركي. ايران هي واحدة من الدول الكبرى في المنطقة وهناك سواها ممن له وزنه. مصادرة وزن العراق لا يلغيه كشعب، ثم ماذا عن المملكة العربية السعودية. تحدث باول مراراً عن إعادة رسم خارطة المنطقة. لم يقرن ذلك مع تحديد يتبين منه المقصود. هل هذه الدولة أو تلك. هناك من يفسر ذكره بالجغرافيا الكيانية، لكن الكثير يقصرونه على الأنظمة الحاكمة، المطالبة بالتكيف مع الخطة الأميركية في ذروة اندفاعها. الكلام الأميركي الذي اتجه نحو السعودية جاء قبل الحادي عشر من أيلول على شكل تباينات، وبعدها راجت مقولات أميركية تتناول المملكة كمكان “لتفقيس” الجماعات الجهادية. ثم ربط ذلك بالبنية السياسية والعقائدية للمملكة، وجرت مطالبات بطرق سرية حيناً وعلنية حيناً آخر بضرورة احداث “نفضة” شاملة تتلاءم مع حداثة مقررة بعد ان بات الاستمرار بالفكر كما كان عليه مهدداً لمصالح حليفتها الاعظم. المسؤولون السعوديون يبذلون الكثير لابعاد الكأس المرة عن شفاههم. لكن نبوءات الرئيس بوش الابن وفريقه من المسيحيين المتصهينين الجدد لا تكل يطرق على هذا المنحى، في رسالة “تحديث” العالم، وهو واجب على الحليف قبل العدو. في مثل هذا المناخ جاءت انفجارات الرياض لتطرح أسئلة حول الجهة المستفيدة من هذه الضربات؟ هل التيارات الأصولية الإسلامية أم الأميركية؟ للمرة الأولى يحدث ذلك. 
 

أرباح وخسائر 

النائب الحاج محمد رعد
النائب محمد رعد

     والشيعة في قلب الحدث، ليس فقط لوزنهم العراقي بل ولحضورهم الخليجي أيضاً. لكنهم في قلب الحدث من دون مشروع خاص بهم. وعليه لا يتصور النائب محمد رعد أن يصل جنون العظمة بالإدارة الأميركية الى حدود التلاعب بكيانات المنطقة، باعتبار أن ذلك يفتح على تطورات لا قبل لأحد بالسيطرة عليها. يؤكد بالمقابل المسعى الأميركي نحو انجاز خارطة جديدة للانظمة داخل الكيانات القائمة وفق تصور جديد لتكييفها مع الاستراتيجية والمصالح الاميركية. وهذا ما يتذمر منه بعض حكام المنطقة الذين هم على علاقة تاريخية ايجابية مع الادارة الاميركية. 

يتوقف رعد ايضا عند ظاهرة العنف التي تلاحقها الادارة الاميركية، وهي صادرة عن جماعات لها وزنها في الشارع. لكن الوزن الشارعي هذا لا يعني انها تملك رؤية سياسية منهجية تلحظ الارباح والخسائر. يؤكد رعد ان هذه الجماعات تستند الى نصوص يتم اسقاطها على الواقع الغربي عموماً والاميركي خصوصاً، ودون حساب لموازين القوى ولواقع التحولات والابعاد وتأثيراتها على الأمة بشكل عام. يتذكر رعد ان الادارة الاميركية سبق وفتحت جسور علاقات مع هذه الجماعات وافادت منها في مناهضة الاتحاد السوفياتي، لكنها الآن توظف عنوان هؤلاء لتصادر حق اي جماعة او شعب في ممارسة الكفاح المسلح ضد الغزو والاحتلال لأراضيه. 
 

العنف والديموقراطية 

     لا يمكن لعاقل ان يرى الرفض للوجود الاميركي على مساحة المنطقة بمثابة توجه اصولي سني، هناك تنامٍ في هذا السياق. في الوقت ذاته هناك رفض متصاعد لممارسات هذه الجماعات. للمرة الاولى لا يقتصر الامر على النقد الاعلامي والسياسي، بل يتجاوزه في المغرب الى التظاهر في الشارع. لكن هل يكون احتلال العراق بديلاً اميركيا محتملا عن شبكة القواعد الاميركية في الخليج والتي “تربح” اميركا من ورائها يوميا اعداء جدداً؟. هل تريد من احتلاله التموضع على ارض العراق لسحب الذريعة من ايدي الذين يستغلون ذلك لتبيان تناقض القواعد مع احاديث الرسول في اعتبار الجزيرة العربية “ديار الاسلام” لا مكان فيها ل”الكفرة” الاميركيين؟ 

الشيخ صبحي الطفيلي
الشيخ صبحي الطفيلي

الشيخ صبحي الطفيلي لا ينفي مثل هذه الاحتمالات. الا انه يرى ان الاميركيين يحاولون التأسيس لمرحلة جديدة يحاول بعض الحكام العرب ترجمتها الى تطورات سياسية حميدة. لكن الامر ليس كذلك، لان هذه المنطقة رغم حال التجزؤ عرفت اقدم الحضارات البشرية، وهي تضم الآن مصر والعراق وإيران وتركيا والسعودية وهي مؤهلة للعب دور دولي نتيجة موقعها الجغرافي. في حال فقدت اميركا مواقعها هنا، معنى ذلك انها ستعود جزيرة نائية. هذا التفكير الاميركي له تراثه الأبعد. من هنا كانت الرغبة في زرع الجسم الاسرائيلي الغريب في فلسطين والاصرار الاميركي خصوصاً والغربي عموماً على منع العافية عن المنطقة بأسرها. منع العافية هذا يتم بطرق متعددة منها الانظمة العسكرية التي وجدت ومعها منظوماتها الأمنية لقمع الشعوب العربية. الاميركيون يتحدثون الآن عن الديموقراطية وهم ضدها لانها تتناقض مع مصالحهم. اذ ان اي فرصة لتسيير الشعوب العربية لشؤونها بنفسها تهدد مشروع الهيمنة وشبكة المصالح. حسب نظري ينهي الطفيلي ان الغرب يحاول تدمير ما يمكن ان يكون وسيلة او مادة تستخدمها شعوبنا للنهوض وإثبات الوجود والعيش بكرامة. اميركا حريصة على ابقاء ما سرقته ونهبته في ايديها ومضاعفته، وأن تبقى شعوبنا في سجون محكمة الاغلاق. 

يعتبر الناطق بلسان حركة أمل ان ما تغير في السياسة الاميركية هو الطريقة التي يضع فيها الاستعمار يده على مقدرات الامة. كل ما تفعله ليس سوى الحصول على عناصر الزخم لتبرير الحروب والسيطرة على الموارد وانتاج الملائم من الانظمة والتراكيب. وعليه فإن المطلوب هو ايجاد افضل الوسائل لتطبيع العلاقات بين العرب واميركا وانشاء وسائل وقنوات اتصال معها، كما تفعل اسرائيل. ما المانع اذا ما وضعنا بعض الامكانات في مكانها الصحيح وهي متوافرة. الوقت لا يزال متوافراً، والمؤامرة واضحة، وهي تتطلب وقفة جدية حفاظا، ليس على بلد بعينه، بل على الامة جمعاء... يشترط الناطق قبل كل ذلك تحصين المجتمعات العربية بالانفتاح والديموقراطية. وأن يترافق ذلك مع احياء التضامن العربي والاسلامي كي يصبح اكثر فاعلية وبمستوى دقة المرحلة وتحدياتها. بما يفرضه من تحديث الجامعة العربية لمواكبة التطورات. 

ابراهيم شمس الدين
ابراهيم شمس الدين

يعمم ابراهيم شمس الدين النقد الذي يقدمه الى الكيانات العربية والاسلامية القائمة، لأنها غارقة في مشاكلها الداخلية عن ادراك المتغيرات وكيفية التعاطي معها. وهي انظمة غير ديموقراطية، وباتت الآن غير صالحة. ربما كانت صالحة في ظل تعاقدات سابقة. اما الآن فلم تعد كذلك. هذه الانظمة سواء كانت ملكية او امارات او جمهوريات تعاني من مشكلة التعبير عن نفسها والنمو الداخلي والتفاعل مع العالم. الآن كل يفكر في دائرته الصغرى، فيما الضعف والهشاشة يصلان الى الحد الاقصى. المطلوب معالجة المشكلات بجرأة، وهذا يفترض اولا تحديدها. لدينا كم متراكم لا يجد حلولا. ادعو الى تدرج وأشكال متتابعة من الديموقراطية قابلة للتطور باستمرار وليس انقلاباً. وإلا لا منجاة لنا مما يخطط ويرسم لنا. 

لا يشك النائب محمد رعد ان معظم الانظمة في العالم العربي تكاد تكون نتاجا لفرص انقلابية، مدعومة ومتوافقة مع القوى الخارجية لتمرير مصالحها بمعزل عن مراقبة الجمهور. لذلك نرى ان اكثر هذه الانظمة تكاد تكون مفروضة وغير ديموقراطية، لكن للمهمات الجليلة التي تقدمها فهي محمية ومصانة من اي تحرك جماهيري اعتراضي، كما ان سياساتها تبدو مغطاة لجهة ممارساتها القمعية والديكتاتورية ضد هذه الجماهير ويستمر الامر كذلك الى حين استنفاد اغراضها في خدمة المصالح الاجنبية. يختم رعد. 

لكن الشيخ صبحي الطفيلي يؤكد من جانبه ان صورة صدام ستكون حاضرة امام عيني اي حاكم عربي، مما يعني ان الاميركيين قد يعيدون النظر بالجامعة العربية والخرائط والكيانات السياسية. ربما يقررون تشكيل كيانات بحجم قرى وطوائف صغيرة او اي حجم يقررونه... هذا ما اتوقعه، الا اذا حدثت مقاومة في العراق، عندها يمكن ان تخرج الامة من السجن الكبير وتحطم أغلالها وتسترد عافيتها. يتوجه الطفيلي الى كل المتمولين من عراقيين وغيرهم، لمساعدة الشعب العراقي على تفجير ثورته في وجه الاميركيين، هذا هو واجبهم الشرعي... وليعلموا ان النتائج السيئة لاي ثورة ستكون متواضعة بالمقياس الى الكوارث التي يقود إليها استقرار هذا الاحتلال. النتائج السلبية اكبر بكثير من مجرد مناوأة ايران وسوريا وتمرير خريطة الطريق في فلسطين.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic