على فكرة
فلنرمهم في البحر!

يوسف بزي

جريدة المستقبل (لبنان)

الثلاثاء، 8 تموز «يوليو» 2003

     قضت الخُطب العربية، المفعمة بالبلاغة، عقوداً عدة، وهي تفصح عن رغبتها بـ "رمي اليهود في البحر". فكان من أثر هذا التصريح المستمر ان حصدت إسرائيل دعماً غير مشروط من دول العالم، والغرب خصوصاً، ما زوّدها بقدرات نووية رادعة، وقوة عسكرية تقليدية متفوّقة على نحو ماحق.

ومع أن رمي شعب بأكمله في البحر، مجرد مجاز شعري رديء، وغير قابل للتطبيق، إلا أنه كان كفيلاً لا بتعبئة العرب للحرب، بل بإفشال كل محاولة للانتصار على إسرائيل، سياسياً أو أخلاقياً أو عسكرياً.

ومع أن تقويم تجربة "الانتفاضة الثانية" هي من حق الشعب الفلسطيني حصرياً، فهو وحده الذي يسعه سحب الشرعية أو إضفاءها على أي وسيلة مقاومة لمواجهة الاحتلال. مع ذلك يمكننا القول ان للفلسطينيين الآن فرصة باهرة لـ"التفوق" الأخلاقي على إسرائيل ـ وقد توقف تفجير الباصات المدنية ـ وهو تفوّق يمكن ترجمته في مكاسب سياسية بكل سهولة.

إسرائيل الآن، الآتي يهودها من الغيتوات الأوروبية، من المعتقلات النازية، من التمييز والعنصرية، وأخيراً من وراء الجدار الحديدي للعهد السوفياتي، تتبع حرفياً أساليب جلادي اليهود: بناء الجدار العازل، تحويل السكان العرب الى أسرى غيتوات.. أميركا دخلت في مشادة مع إسرائيل حول الموضوع.. إذاً لنساندها في هذا، فحسب.

أما تصريح وزير البنى التحتية أفيغدور ليبرمان بأنه يُفضّل إغراق الأسرى الفلسطينيين في البحر الميت، على أن يتم إطلاق سراحهم، فهذا تقريباً أسوأ مما قاله مرة فون رونشتيد، القائد النازي بأن "إطعام الأسرى هو شعور إنساني منحط".

كلمات ليبرمان ليست من وزن زلات لسان برلوسكوني مثلاً، إنها تعبّر تماماً عن إيديولوجيا متماسكة. ولأنها بدت مستلهمة من تلك الخُطب العربية الغوغائية القديمة عن رمي سكان إسرائيل في البحر، فهي، ويا للمفارقة، دلالة على تصدّع خطير في المشروع الصهيوني.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic