 |
عند المنعطفات الاستراتيجية اقليمياً ودولياً، ثمة لدى المرجع الإسلامي العلامة السيد محمد حسين فضل الله قراءة مميزة خاصّة به، تقدم رؤية لكيفية التعاطي مع الأحداث ودرء أخطارها.. لا بل إنه في العديد من الحالات يستشرف المستقبل، وأكثر من ذلك يعتمد السيد مقولة "هات من الآخِر".
في هذا السياق، يعتبر فضل الله أن ثمة اهتماماً أميركياً "استراتيجياً" بتطويق أي ثغرة في الوضع العراقي من جهة وبحماية إسرائيل من أي مشكلة يمكن أن تواجهها من جهة ثانية. ومن هذه الزاوية يرى المرجع الشيعي أن إيران وسوريا تمثّلان أرقاً للولايات المتحدة، وذلك لقدرتهما من وجهة نظره، على الدخول الى مفاصل الوضع العراقي، من خلال تشجيع الجهات المعارضة على تطوير معارضتها الى المستوى الذي يربك الاحتلال الأميركي وصولاً الى المقاومة المسلّحة. ويلفت الى أن الجوار والتداخل بين إيران وسوريا من جهة والوضع العراقي الداخلي من جهة ثانية يجعلان للبلدين قدرة على التأثير المباشر وغير المباشر. ويشير السيّد الى أن الولايات المتحدة وهي في صدد دراسة موقع المسلمين الشيعة في العراق، تعلم أن ثمة علاقة روحية بين شيعة العراق وإيران، وهي علاقة قابلة للتطوّر باتجاه أن تصبح علاقة عضوية، وكذلك فإن لسوريا دوراً في الواقع الشعبي العراقي يتصل بالموقع الشيعي أيضاً.
وفي مجال آخر، يقول فضل الله إن أميركا تعرف أن لإيران دوراً كبيراً في دعم الفصائل الفلسطينية، مما يجعل لها تأثيراً في حركة "خارطة الطريق" التي تريد واشنطن تحقيقها في فلسطين. وتعرف كذلك أن لسوريا دوراً فاعلاً في المسألة الفلسطينية.
أداء القيادتين السورية والإيرانية
يشدّد المرجع فضل الله إذاً على المسألتين العراقية والفلسطينية بصفتهما السببين الرئيسيين للضغط الأميركي على دمشق وطهران. ويكشف أن الولايات المتحدة حاولت أن تقدّم "المنّ والسلوى" سياسياً واقتصادياً وأمنياً لإيران بشرط أن تكفّ الجمهورية الإسلامية عن معارضة "التسوية" في الشرق الأوسط وأن تعترف بإسرائيل، وقد حصل هذا "الترغيب" الأميركي خلال المفاوضات بين أميركا وإيران في جنيف. لكن إيران أصرّت على أن لا شرعية لإسرائيل.
وعلى خط موازٍ، يتحرك الضغط على سوريا، مستهدفاً بحسب فضل الله محاصرتها سياسياً والتلويح لها بالحصار الاقتصادي، ويلفت الى أن أميركا تعمل على دفع أوروبا نحو المشاركة في الضغط على البلدين.
على أن العلامة، يعرب عن ثقته بأن سوريا وإيران تملكان رشداً سياسياً يجعلهما تتحركان في إدارة اللعبة في ضوء "النتائج الهائلة التي حصلت بعد اجتياح أميركا للعراق"، ويعتبر أنهما تديران الموضوع بـ"طريقة براغماتية"، أي تطلقان مواقفهما "المبتعدة عن إثارة المشاكل في موازاة التزامهما بخطهما السياسي في المسألتين العراقية والفلسطينية".
ويلاحظ فضل الله أن "إيران التي تحاول الإيحاء بقوة موقفها حيال أي نوع من أنواع العدوان، أبرزت في المقابل الكثير من المرونة السياسية في مسألة السلاح النووي". ويبدي اعتقاده أن "سوريا من جهتها تدير أكثر من موقع للحوار لا سيما مع أوروبا التي ترى في سوريا موقعاً يفتح لها أفقاً واسعاً في المنطقة خصوصاً في ظل الصراع الأميركي ـ الأوروبي الخفيّ"، ويضيف أن "سوريا تعمل على عدم قطع شعرة معاوية مع أميركا"، ويشدّد على أن سوريا "تملك خبرة تجاوز الخطوط الحمر، وما يثار ضد سوريا هو نوع من التهويل". ويستنتج أن "أميركا لن تقدم على عمل حاد يربك الوضع العام في المنطقة لأن أي مساس بإيران وسوريا سيؤدي الى نتائج خطيرة على الاحتلال الأميركي والمشاريع الأميركية الأخرى".
الانسحاب السوري من لبنان
وعلى خلفية كل ما تقدّم، يقارب السيد فضل الله ما يطرح أميركياً بين الحين والآخر عن انسحاب سوري من لبنان. ويرى في هذا الإطار أن الانسحاب السوري من لبنان "هو من المسائل التي تثيرها جماعات إسرائيل في الكونغرس من خلال قانون محاسبة سوريا".
ويسارع الى القول "أتصوّر أنه لو قدّمت سوريا اقتراحاً بالانسحاب من لبنان في هذه المرحلة، فإن أميركا لن توافق". لماذا؟ "لسبب بسيط هو أن ليس هناك أي ضمانة لاستقرار لبنان أمنياً إذا خرجت سوريا منه مع بقاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض لبنانية". ويعلن بوضوح: "إن ضمان الأمن في لبنان يفرض التفاهم مع سوريا لبنانياً وعربياً ودولياً على مسألة انسحابها". ويضيف أن "الإدارة الأميركية لا تجد الآن مصلحة في الانسحاب السوري".
المقاومة و"الخطاب التعبوي"
ويقود هذا التقدير لدى فضل الله الى البحث في المقاومة وأدائها وخطابها. وفي هذا المجال، يؤكد المرجع الإسلامي الشيعي أن "المقاومة في دورها الجهادي في الحاضر والمستقبل لا تستطيع تخفيف خطابها التعبوي لأن من شأن ذلك أن يصيب الساحة باسترخاء يؤدي الى تجميد الروح الجهادية". ويوضح أن "المناخ العام الذي تعيشه المنطقة ومن ضمنها لبنان، هو مناخ الانتفاضة الفلسطينية، فإذا لم يستطع لبنان المقاومة أن يدعمها بالمعنى المباشر فلا بدّ أن يبقى في حال دعم معنوي وسياسي بحيث يبقى الترابط بين الانتفاضة والمقاومة فيوحي بإمكان مواجهة إسرائيل لو أجمعت الشعوب العربية والإسلامية على ذلك". ومن هنا يرى أنه "لا بدّ للخطاب التعبوي أن يكون خطاباً في مواجهة الاحتلال، أي حرب إعلامية ـ سياسية في غياب الحرب الحارّة".
وإذ يؤكد على "بقاء الخطاب التعبوي خطاباً مقاوماً"، يبدي موافقته على "أن تأخذ المقاومة المتغيّرات في الاعتبار لكن بشرط ألا تتحول الى حالة سياسية تنظيرية". ويشرح ذلك بالقول إن "العالم العربي بعد سقوط العراق أصيب بالضربة القاضية للروح المعنوية، والشعوب التي تعيش الخيبة من سقوط العراق وتعيش وضعاً حائراً قلقاً أمام السيطرة الأميركية على المنطقة، تحتاج الى أن يبقى هناك فريق يملك واقعية الانتصار في تاريخه وإرادة الانتصار في مستقبله ممّا يغذّي الروح المعنوية".
الأنظمة ومجاراة المتغيّرات
ويتوسع السيد فضل الله أكثر في فكرة "الروح المعنوية" ليكسيها مضامين فكرية وسياسية إضافية. فيعرب عن اعتقاده أنه "من الضروري جداً لأي نظام سواء كان إسلامياً أو قومياً أن يتابع الأرضية التي يقف عليها والتطوّرات التي تحدث". ويقول إن "أي نظام يبقى متجمّداً عند نقطة الانطلاق لا يمكن أن يحيا بشكل فاعل في وجدان الشعب"، ويوضح أن "العالم يضج بالمتغيّرات مما يفرض على أي حاكم ألا يستغرق في نظامه بل أن يكون في حالة طوارئ لملاحقة كل المتغيّرات"، مشدداً على أن "أي دولة تبقى في حالة جمود لا تستطيع أن تكمل طريقها الى أهدافها الكبرى". ويدعو هذه الدول الى "أن تتحرك مع المحافظة على أصولها التي إذا كانت لا تملك تغييرها في جذورها فلتغيّر في الأسلوب والوسيلة". ويبدي المرجع الإسلامي الشيعي قناعته بأن "هناك مناخاً في إيران وسوريا لمعالجة هذه الأمور"، وبأن "المرحلة تقتضي المزيد من الدقة والسرعة، السرعة التي تمنع أي تيارات مضادة داخلية أو خارجية من التأثير السلبي على النظام بما يؤدي الى حصول استغلال أميركي وإسرائيلي بهدف احتواء المنطقة".
كلام السيد سيّد الكلام، ذلك أن فيه قدراً عالياً من التقويم للمرحلة السابقة ومن الرؤية المستقبلية الى حاجات المنطقة، رؤية تحمل في طيّاتها "الواقعية" و"التكيّف" والاحتفاظ بـ"توازن" التفكير و"إرادة التطوير" ورفض "الجمود" و"الدينامية التغييرية"، وكل ذلك بـ"اجتهاد" رفيع "وفقه" مرجعي يصعب أن يدانيه فيه كثيرون.