
الشهيد غسان
كنفاني |
كأنما البكاء يمشي في دوائر أحيانا. لم تكن آني، زوجة غسان كنفاني، تريد إلقاء كلمتها بنفسها، لأن كلمتها العربية مقتطفات من كتاب مترجم كتبته بعد أشهر على اغتيال غسان في الثامن من تموز 1972. كلمتها سيلقيها ابنهما فايز. آني ستقول كلمة مختصرة بالانكليزية.. لن تقدر على المتابعة من دون أن تبكي..
فايز كان الاقرب إلى صورة أبيه في قاعة متخرجي الجامعة الاميركية في بيروت أمس، حيث كانت تتلى شهادات في غسان كنفاني.. الاديب، الرسام التشكيلي، الصحافي، الرجل الذي كان يكتب بيديه الاثنتين في الوقت ذاته، صاحب القضية.. الشهيد.. الفلسطيني.
فايز كان الاقرب إلى صورة الأب، ومع الكلمة الاولى التي نطق بها.. مع “صباح الاغتيال”، تهدج الصوت.. الرواية للأم والابن يحكي: .. “وكان على لميس، ابنة أخت غسان، أن ترافق خالها إلى وسط البلد للمرة الاولى منذ وصولها من الكويت، لكنها لم تفلح في الوصول إلى هناك أبداً. فما هي إلا دقيقتان على تقبيل غسان ولميس إيانا قبلة “إلى اللقاء” حتى دوى انفجار مريع. تطايرت نوافذ البيت جميعها. نزلت بسرعة، لأجد أشلاء سيارتنا الصغيرة تحترق. وجدنا لميس على بعد بضعة أمتار ولم نجد غسان. ناديته باسمه، ثم اكتشفت ساقه اليسرى. وقفت مشلولة، فيما راح فايز يضرب برأسه الحائط، ورددت ابنتنا ليلى النداء تلو النداء: “بابا.. بابا”. هذا في صباح الاغتيال. أما في مساء الذكرى فالابن يبكي.. “أحب غسان طفليه حتى العبادة، وغالباً ما كتب عنهما، وعن قصر الزمن الذي قضاه معنا، فقد كان يلعب معهما مراراً ويعلمهما أشياء كثيرة. ولقلما فقد أعصابه.. ولم يضربهما قط”... الابن يبكي ثانية...
وأيضا: “قبل حرب حزيران 1967 بأسبوع واحد، توفيت ام غسان فجأة في دمشق بعد إصابتها بنوبة قلبية. لكنه لم يذرف دمعة واحدة طوال مأتمها، على صدق حبه العميق لها... غير أننا أثناء رجوعنا إلى بيروت، انهار غسان، وللمرة الاولى في حياتي، شاهدت دموعاً في عينيه”. يبكي غسان هذه المرة... تكتمل الدائرة التي مشاها البكاء بين ثلاثة: الزوجة، الابن والشهيد.. البكاء يمشي في دوائر أحيانا.. هذه الدائرة كانت الأصغر والأشد حميمية.. دائرة العائلة الضيقة. وحدهم من يحق لدموعهم أن تغلبهم وإن كانوا يتذكرونه بفرح. الباقون سيستعيدونه ايضاً. د. انيس الصايغ متوسطاً المتحدثين الستة ومقدماً لهم قال إن لغسان نغمة في لحن الشهادة الفلسطينية لأنه جعل من العروبة خطوة نحو الانسانية. مروان عبد العال، مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، حكى عن “الرفيق”، السياسي المثقف والمثقف السياسي وواحد ممن رسموا ملامح الجبهة وأسسوا لمنهجها السياسي”. أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية د. جورج حجار تحدث عن كنفاني المفكر السياسي.
“غسان أديباً” عنوان كلمة د. سماح إدريس: “كنفاني كان يكتب على امتداد رواياته عملاً واحداً، بل ويتجه تحديداً إلى كتابة ملحمة فلسطينية. وكانت معظم رواياته، بدءاً من “رجال تحت الشمس” (1963) وانتهاءً ب”عائد إلى حيفا” (1969) مقدمة طويلة لكتابة “العاشق” التي بدأها سنة 1966 ولم ينهها، وكان سيقدر لها أن تكون أبرز وأنضج وأكمل عمل لكنفاني بل ولتاريخ الرواية الفلسطينية لو قيض لغسان أن يعود إليها فيكملها قبل استشهاده...”. أضاف ادريس: “إن عملاً ناقصاً ك”العاشق” حرام أن يبقى ناقصاً، وفيه ما فيه من أنضج بذور ملحمة فلسطينية موّارة بالحياة والفداء والخيانة”. وأعلن إدريس أن مجلة “الآداب”، في حال موافقة ورثة الشهيد على استعداد لتبني تشكيل لجنة من كبار النقاد العرب لدراسة المخطوطات التي يكتبها روائيون فلسطينيون وعرب أياً كانت أعمارهم يكملون فيها روايات كنفاني الناقصة: العاشق، الأعمى والاطرش، وبرقوق النسيان. ونحن على استعداد لنشر هذا العمل ومكافأته مادياً. إن إكمالاً كهذا، أو تسابقاً عليه، سيفجران اجتهادات فنية ويعيدان الاهتمام بروايات غسان وبأفكاره النبيلة. فهل نأمل بإحياء غير تقليدي لواحد من أبرز رموزنا الثقافية؟ وهل تكتب الصحف في 8 تموز 2004 أو 2005 مثلاً: “صدر كتاب جديد من تأليف الشهيد غسان كنفاني و...؟”.
الشهادة ما قبل الاخيرة في كنفاني كانت من “زميلة القلم” الروائية إميلي نصر الله. روت مجموعة من “قصص قصيرة” دارت بينها وبين كنفاني. حكت عن رئاسته لتحرير مجلة “الهدف” التي كانت تصدر عن الجبهة الشعبية وعن مكتبه الذي بلا نوافذ. استرجعت شهادات آخرين فيه: في أعقاب استشهاده، كانت نصر الله تجول مع يان بروخمان المستشرق الهولندي، في معرض أقيم للوحات كنفاني ومخطوطاته. قال بروخمان: كان شمعة تحترق من طرفين. وأضاف المستشرق مخاطبا نصر الله: ليتني لم أتعرف عليه.
“ليتني لم أتعرف عليه”.. بأمنية كهذه كان المستشرق قد عبر عن حزنه قبل 31 سنة. لكنه كان قد تعرف على غسان كنفاني. انقضى الامر اذاً. بعد كل هذه الاعوام تبدو الامنية الغريبة صادقة إلى حد يثير الدهشة. من يعرفون كنفاني لديهم نهر من كلام عنه لا ينضب. في الوثائقي الذي أعده المخرج هيثم شمص عنه مرت وجوه من عاصروه زميلاً وقالوا في ما قالوا إنه كان يكتب رواية ويكمل رسم لوحة وينهي مقالاً ويقرأ روايات ليكتب فيها نقداً أدبياً و.. كانوا يقولون إن كنفاني واحد من هؤلاء الذين يضاعفون الوقت وهم ينتجون. كنفاني نفسه كان كذلك على ما يبدو... رجلاً متعدداً.. لكن وقته المليء أخذه مبكراً.
ليتني لم اتعرف عليه، قال أحد اصدقائه، أما ابنه فعجز عن السيطرة على صوته طوال فترة الكلام.. بكى فأكمل الدائرة التي مشاها البكاء. لكن غسان كنفاني، خارج هذه الدائرة الضيقة من العائلة والاخرى من الاصدقاء، كنفاني الذي كان ممتلئاً بفلسطينه كما قالت نصر الله.. غسان كنفاني الذي اغتيل في الثامن من تموز عام 1972 يبدو الآن بعد 31 عاماً، دائرة شديدة الاتساع من الغنى في التجربة.. دائرة مفتوحة على اكتشافات عديدة.

زوجة كنفاني وابنه في احتفال نادي متخرجي الأميركية |