صدى الأحذية

شوقي بزيع

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 9 تموز «يوليو» 2003
Shawqi Bzeia - شوقي بزيع

     الشريط المسجل الذي بثته المؤسسة اللبنانية للارسال بصوت صدام حسين هو الثاني من نوعه بعد الشريط الأول الذي بثته “الجزيرة” قبل أيام. غير ان الرئيس العراقي المخلوع لا يضيف شيئا يذكر الى ما سبق وقاله في الشريط السابق. فباللغة الخشبية المحنطة اياها يتحدث بطل الكوارث العراقية المتكررة عن التضحية والفداء والجهاد بالنفس والمال في سبيل رفعة الوطن وكرامته واستقلاله. وبنبرة مملة وسفيهة وبعبارات إنشائية مثيرة للضجر والتثاؤب يريد صدام حسين ان يستنهض الهمم ويشحذ العزائم من جديد في نفوس العراقيين الذين لم يكف عن سحقهم واذلالهم على مدى العقود الثلاثة الماضية. 

أي طراز من الطغاة هو هذا الرجل الذي لا تدفعه الهزائم الجسام الى تبديل قاموسه الخطابي او رفد عباراته المتخثرة الجاهزة بمفردة واحدة على الأقل. فالخطاب نفسه عن العزة والفخار والانفة والخطاب نفسه عن النشامى والماجدات وعن العلم والنشيد والتراب الوطني الطهور. ووتيرة الخطاب هي نفسها في جميع الأحوال، لا تعلو مع التحريض والوعود المعسولة ولا تهبط مع المرارة او الانكسار. لسنا هنا أمام طاغية من طراز الحجاج بن يوسف الذي كان صوته يخفت تارة حتى يلامس شغاف سامعيه ثم يهدر تارة أخرى ليلقي الرعب في قلوبهم، ولا أمام طاغية من طراز هتلر الذي كانت حنجرته وحدها كافية لالهاب المشاعر القومية ودفع الجيوش الجرارة الى التقدم، ولا أمام طاغية من طراز نيرون او كاليغولا حيث تتحد الحياة بالموت والشهوة بالألم والعواصم المحترقة باندلاع الشعر في فضاء المخيلة. 

في هذا الرجل ما يخرج عن نطاق المشاعر الانسانية المألوفة التي تتبدل بتبدل الحالات. كأن احساسه المفرط بالعظمة وتضخم الأنا يدفعانه أبعد من حدود الانفعال بما ينفعل به البشر العاديون والمصنوعون من لحم ودم. كما ان الآيات والعبارات الدينية التي يكررها في خطبه لا تشي بالخشوع او التدين بقدر ما تشير الى تماهيه بالمقدس الديني او الوطني بحيث يصبح الوطن او الدين بعض تجليات شخصه في الوجود المرئي. هكذا تتحول صورته الى صورة الكمال اياه، بينما يصبح غيابه رديفا للنقصان المطلق. 

من كان بهذه الصفات إذاً لا يمكن له ان يطلب اعتذارا من شعب العراق الذي جرّعه كؤوس المهانة والظلم وصولا الى الاحتلال الأجنبي لأرضه ومقدراته. ولا يمكن له ان يتفوه بما يشير الى الندم او النقد الذاتي او الاعتراف بشطط او تقصير. فمن كان مثله لا يأتِه الباطل من أمامه ولا من خلفه بل هو في نظر نفسه صورة الحق وميزان الحقيقة العادل. ومن كان مثله فلا بد من ان يغض النظر عن رؤية الأحذية التي انهالت بالضرب على تماثيله المتداعية وألا يرى وسط الملايين المهللة لسقوطه سوى حفنة المحتفلين بعيد ميلاده الأغر. أما الألوف الذين اغتالهم في جنح الظلام ووضح النهار، أما العراق الذي حوله الى غابة من المجازر والمقابر الجماعية وسلمه من دون مقاومة تذكر الى جلاديه الجدد، فلا يستحق ولا يستحقون في شريطه الهزيل المسجل أية اشارة تذكر. والعراقيون القابضون على جمر مصائرهم المجهولة يستحقون خيارا أفضل من الخيار المر بين طائرات الشبح القادمة من السماء، وشبح صدام حسين الكالح في عتمة الأرض.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic