
الإمام موسى الصدر يتحدث في انصاره العام 1974 |
بدأنا مع "سلاح حزب الله وجبهة الجنوب
(1)" وعرّجنا على "مضاعفات خارطة الطريق في فلسطين
(2)"، ثم "حديث مع المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله
(3)". وتلته حلقتان عن الوضع الداخلي في العراق
(4)
و (5)، ثم "الموقع الإقليمي لإيران ودول الخليج العربي
(6)". ونعود الآن الى لبنان من مدخل البحث الداخلي وثنائية كل من أمل وحزب الله.

الرئيس بري
والسيد نصرالله (31 آب 2001) |
بعد هذه الجولة في مسارح الاحداث والتي بدأناها من الجنوب اللبناني، مرورا بالعراق وايران والخليج، لا بد من العودة الى لبنان. هناك من يجزم بوجود هيمنة شيعية على النظام السياسي، فيما وتيرة الحساسيات الطائفية ترتفع ايقاعا. وحده الرئيس نبيه بري من بين الرؤساء الثلاثة يبدو مستقرا، سعيدا في رئاسة المجلس النيابي، فيما الرئيسان اميل لحود ورفيق الحريري يكتويان بنار المنازعات. لا يقتصر الأمر على زعامة بري بل يمتد الى حركة “أمل” المطمئنة مثلها مثل “حزب الله” الى مواقعهما الشيعية، في الضاحية الجنوبية، المصيلح، الجنوب وشمالي البقاع، ناهيك قبل كل هذه الأمكنة بساحة ومبنى البرلمان اللبناني ومعادلات الكيان.
البعض ينسب الوزن والرسوخ الاستثنائيين هذين الى المظلة العربية الاسلامية، فيما بعض آخر ينسبه الى اسباب اخرى من بينها ايضا: توزيع الأدوار بينهما على نحو جلي وواضح. احدهما للمناورة السياسية وادارة العلاقات، والآخر للمقاتلين وحشودهم، او لمضاعفة الوزن الداخلي من خلال العدد والعديد بالتحالفات الاقليمية ولعب الاوراق الرابحة. الرئيس بري وحركته فتحا المؤسسات امام ابناء الطائفة على نحو ملموس منذ توقيع اتفاق الطائف. وبات كل من يود ان يدخل الى ملكوت السياسة والادارة مضطرا الى المرور بعين التينة للحصول على قرار او مرسوم التعيين. هناك مؤسسات باتت مفرزة للطائفة في عهده، فيما اخرى متقاسمة مع بقية الطوائف، المثال على الاولى مجلس الجنوب الذي يبقى فوق المحاسبة والمراقبة والسؤال والجواب، المثال الآخر ما يدخل في باب الاقتسام هو كل ما تبقى من مؤسسات عامة او مختلطة او... حزب الله الذي لم يحصل على هذا الامتياز احتكر المقاومة في ظل ظروف مؤاتية اقليميا ومحليا. المدد الايراني لم ينقطع والاحتصان السوري في اصعب المفاصل كان حاضرا مما جعله عصيا على النقد، وقادرا على القول الآن: ان خياري هو الذي انتصر في نهاية المطاف.. مع ذلك لم يُعطَ ما أعطي بري، وظل محشورا في تمثيله البرلماني ومؤسساته الاعلامية وغير الاعلامية من اجتماعية وسواها.
دوما الساحة الشيعية كانت تراقب متغيرات العلاقات السورية الايرانية، تنتابها خشية ان تدفع ثمن اي اهتزاز فيها. لكن الموضوع يتعدى بطبيعة الحال المعطيات الجيوسياسية والاستراتيجية الاقليمية القديمة، خصوصا في ضوء حضور الوزن الاميركي الكبير في معادلات المنطقة من بوابة الاحتلال الاميركي للعراق ومحاولاته تسويق خارطة الطريق. الاسئلة المطروحة حول وزن الطائفة الشيعية مطروحة على نحو دقيق منذ الانسحاب الاسرائيلي الاضطراري في ايار من العام 2000، اي منذ قبل ثلاث سنوات تحديدا. الآن باتت الاسئلة أشد حضورا. الخوف من المد الشيعي ليس مفردا في الوسط المسيحي، بل يتعداه الى الطائفة السنية، التي تجد كل يوم تآكلا في دورها، وعجزا عن صياغة تسوية تعيد وصل ما انقطع في نوابض الكيان اللبناني. لكن الخوف ليس من الشيعة فقط، بل هناك خوف عليهم ايضا. اذ ماذا يضمن استمرار “المساكنة” بين قوة ووزن المصالح السياسية التي تقودها حركة “أمل” وتيار الايديولوجيا الذي يرفع رايته “حزب الله”. كل ما يجري داخل هذين التنظيمين ينبئ ان هناك ما يشغل البال، وسراً فإن التنازع بينهما على أشده. يتمثل ذلك في الصراع داخل المؤسسات على استحضار الوزن، وان كان ما زال محصور ما دون التمثيل النيابي الذي تتم قسمته في دمشق. ما دون ذلك معارك موضعية لا يهدأ اوراها.
اسئلة ملحة كثيرة مطروحة على الاجتماع الشيعي، وهي اسئلة تتجاوز الطائفة لتنطرح على لبنان وعلاقات مكوناته في المدار السياسي وما يتجاوزه ايضا.

السيد هاني فحص |
يقدم السيد هاني فحص قراءة استرجاعية تبدأ من الستينات لحركة الامام موسى الصدر، الذي حاول المرور على حد السيف بين الشيعة وسواهم، دامجا قضيتهم مع قضية الاجتماع اللبناني وأعطابه. بهذا المعنى كان منتبها للضرورات الوطنية وعلى رأسها اعادة بناء مشروع الدولة، بما يقود الى دمج الشيعة في الاجتماع الوطني، من خلال جعل الدولة الوطنية فكرة نهائية والارتقاء بالعروبة من طور المشروع السياسي المأزوم الى طور الانتماء الجامع وتسليحها بالمزيد من الجامع المشترك والوعي دون الغاء الذات او الآخر.
يؤكد فحص على دور الاحزاب في تسييس الطائفة المهمشة التي انتقلت من “التقية” الى “التعبئة”، مما سمح لها بتفجير طاقاتها الرافضة في مشاريع نضال حقيقي، وهي العملية التي استمرت مع الصدر وفضل الله والخميني وحزب الله. إذاً هناك ما يشبه الخيط المنتظم في ممارسة الفعل السياسي والاجتماعي عبر مشاريع نضالية، اولا مع الاحزاب اليسارية العلمانية، واصلاحية مع الامام الصدر وحركة امل وثورية مقاومة مع ايران وحزب الله.

د. منذر جابر |
يصف د. منذر جابر دور الشيعة بأنه كان مستورا طوال الخمسينات والستينات والسبعينات، “كان هذا الدور مستورا وراء “قيم” وطنية رفعتها الحركة الوطنية اللبنانية. وكانت هذه المطالب على عفتها الوطنية الظاهرة تستبطن بالميزان السياسي اللبناني هوية سنية عميقة. كان عمقها هذا وشمولها وراء اختفاء هويتها المذهبية وتداعياتها بين الطوائف الاسلامية اللبنانية. لقد نشأت هذه المطالب مع نشأة الحراك السياسي العربي مع تقسيم المنطقة الى كياناتها الحالية، ومن يومها كبت مطلب الوحدة العربية بطانة المواقف السياسية للطوائف الاسلامية. لكن الشيعة اتخذوا هذه البطانة على غير خيار او عن غير وعي بخيار على الأدق.
الاجتماع الشيعي متوحد في الظاهر كما يبدو، لكنه منقسم مثله مثل الطوائف الباقية ، مادام المعطى الطائفي في لبنان بات سيد الموقف. وهذا الانقسام مستور على حد وصف جابر بالمظلة الكبرى السورية الايرانية. عدا ذلك هناك كل انواع التنافس المضبوط الذي لا يفيض عن الخطوط الحمراء التي أمكن التوافق عليها بعد معارك عنيفة شهدتها الضاحية الجنوبية بين كل من “أمل” و”حزب الله”. يبدو الخلاف، بل الصراع ساطعا في العديد من المفاصل. يتم اعتماد لغة “مدوّرة” للحديث عن الاتجاهات ومحاولات تثمير الاوزان سياسيا على ساحة واحدة تتعرض فيها الكتل الجماهيرية للتجاذب لترجمة خياراتها بينهما.
الوفاق والخلاف

ابراهيم شمس
الدين |
يستحضر ابراهيم شمس الدين تجربة والده في الوقوف على مسافة من “امل” والحزب. يقول شمس الدين: كان الوالد يمارس الوسطية. وهذا الامر لم يكن سهلا ان تقف على مسافة متوازية من الجميع، واستطاع ان يفرض هذه السياسة في لبنان، اي داخل الطائفة وخارجها ايضا، وذلك من اجل حفظ الجميع، خصوصا عندما لا يتمكنون هم من حفظ انفسهم. الهدف هو الشيعة كجزء متمم للاجتماع الوطني. ورسخ فكرة العيش الواحد كبديل من مصطلح التعايش، ليس بوصفهم شيعة، بل كونهم لبنانيين يحملون نظام مصالح واحدا، يجب عليهم الا يحملوا أي نظام مصالح مختلف عن الآخرين مهما كان بسيطاً. ولهذا أحد تعبيراته الشهيرة كان دعوته “الى الخروج من كهف الطوائف الى رحاب الوطن”. هذا الموقف الوسطي كلفه الكثير، لكنه نجح وتبين ان الشيعة والمسلمين كلبنانيين يقرون بدوره. بهذا المعنى منع تحول المجلس الشيعي الى هذه الجهة أو تلك، وابقاه الإطار الجامع الذي يضم الجميع بتبايناتهم، يلجأون إليه عندما يعجزون عن ايجاد الحلول. قوة هذا الموقف نبعت من أنه لا يريد شيئاً لنفسه، لذلك كانوا يطمئنون اليه عندما ينحشرون. الانتظام العام للشيعة هو انتظام وطني. الانطباع عنه ايجابي كدور وموقع بالعلاقة مع الآخرين.
يؤكد شمس الدين أن الاجتماع اللبناني اجتماع عاقل، وقد صقلته التجارب ومر بخيارات كبرى كثيرة، حتى ان أكثرها غرابة وتطرفاً حتى الخيال جرب. واعتقد اننا كلنا وصلنا الى نتيجة أن نكون وحدة وطنية حقيقية وان نعمل لذلك. لا أحد يسير بصيغة الإرغام، ومثل هذا لا علاقة له بالعقيدة أو الإيمان. لا المسلم ولا المسيحي يقبلان بوطن مضحوك عليه بمعنى السيادة والاستقلال، حتى لو حملت مثل هذا الشعار الولايات المتحدة الأميركية. ديموقراطية أميركا تطبق داخل حدودها. أما في الخارج فالأمور معكوسة، وهذا أمر واضح. هناك سؤال حول مستوى الديموقراطية في أميركا. وهو ما يطلق عليه النظام الرئاسي. ما معنى أن يملك رجل واحد القرار وحق استعمال السلاح النووي وتعطيل الحقوق المدينة وشن الحروب؟ مثل هذا النظام العرفي مشهور في المنطقة العربية وكذلك في أميركا. غريب ذلك.
يعتقد السيد فحص ان العاطفة والعقيدة الشيعية الجهادية ومخزون الحرمان الشيعي المبالغ فيه أحياناً قد انتجت ثمراتها وان ليست كلها. ولكن لبنان يقتضي كي تحفظ نفسك الا تحقق مطالبك كلها، أي الا تفكر بالغلبة المطلقة لكي لا تغلب ثانية. الآن الشيعة بحاجة الى العقل. والعقل لدى الشيعة هو أحد مصادر التشريع، وذلك بهدف حفظ ما حققوه ولجعل مكسبهم مكسباً وطنياً وعدم الاغترار بالعدد والسلاح؛ أي “تسييل” ما تم انجازه في الدولة والتحرير في مشروع وطني يمر بهم ولا يتخطاهم ولا يتوقف عليهم؛ أي الاندماج في إنتاج الامثولة اللبنانية في السلم الداخلي بعد الحرب. هذا المطلوب هناك قدرة عليه. وهذا لا يتم انجازه الا بالشراكة التي لا تنفي الاختلاف ولا الصراع، ولكنها تحقق ضوابط تمنع من تحويل الاختلاف الى تناقض وبالتالي الى عنف متبادل يسقط الدولة على رأس المجتمع والمجتمع على رأس الدولة. ولا اعتقد أن هناك طرفاً عربياً أو إسلامياً يعارض هذا التوجه، بل الكل يرون ان مصلحتهم فيه. وأرى ان أفضل خدمة نقدمها في لبنان لقضايانا القومية والإسلامية وللأوطان العربية عامة هي أن يسلم لبنان ويستكمل تجربته. ولبنان لا يسلم الا بالوفاق الوطني الذي لا ينفي الخلاف، ولكنه يديره بالروح الميثاقية التاريخية تحت سقف الدستور غير المقدس، ولكن لا يمكن أن يتم تغيره أو تطويره بالطريق الصحيح الا من خلال تطبيقه الدقيق. وفي رأيي يضيف فحص أن المسلمين في لبنان مكلفون حضارياً طمأنةَ المسيحيين الى موقعهم في الدولة اللبنانية على مقتضى الطائف بصرف النظر عن عوامل القوة والضعف بالمعنى المادي، لأن المسيحيين في لبنان ضرورة وطنية بمعنى ضرورة وجود للكيان الذي يصبح من دونهم لا داعي له.
الطائفية السياسية

الإمام شمس
الدين |
الواضح أن مثل هذا الجدل يتطرق الى الاجتماع العام اللبناني، من دون أن يتوقف عند خصوصيات الطوائف، وهي عوائق حقيقية بعضها مرئي وبعضها الآخر “غير مرئي”، أي أنه ما زال يحول دون الوصول الى العقلنة كما يصفها شمس الدين إضافة الى “الوسطية”، أو الى الروح الميثاقية التاريخية والحاجة الى العقل كما يصنفها فحص. والعوائق التي نؤشر لها موجودة داخل الجماعات، كما هي راسخة في المواقع السياسية سواء كانت رسمية أو أهلية. وهي تتجاوز حدود الطائفة الشيعية بطبيعة الحال. حتى ان الطروحات تبدو في الكثير من الأحيان عبارة عن مناكفة أو للتلويح بالحد الأقصى. المثال على ذلك عندما طرحت مسألة الغاء الطائفية السياسية أو ما سماه الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين الديموقراطية العددية. عندها برزت المخاوف جلية وواضحة. وهي المخاوف التي تظهر للعيان على شكل كيان يدار عبر منحى واحد وخط متفرد يعزل الآخرين عن القرار، ولا يحسب لهم فيه أي حساب، مهما كانت كلفته فادحة.
يقول ابراهيم شمس الدين: لقد عارض والدي نظام الطائفية السياسية منذ العام 1985 ووضع اطروحته الخاصة عنه بشكل كامل. وكان يقول اننا بحاجة الى ديموقراطية مثل السائدة في فرنسا وإنكلترا والهند. في هذا المناخ طرح الديموقراطية العددية القائمة على مبدأ الشورى. لا اعرف لماذا اختار هذا العنوان المعقد. تعبير العددية هو الذي ادى الى الالتباس. كان يقصد اللبنانيين الافراد الذين يتكوّن منهم لبنان، أي أربعة ملايين نسمة وليس ثماني عشرة طائفة. العددية بهذا المعنى. دائماً هناك وسيط بين المواطن والدولة. أراد علاقة مباشرة دونه. الوسيط هو من يأخذ من كرامة ورزق المواطن في حقه أن يكون منتسباً للدولة. الناس تنتخب سلطتها ولا تتمثل عند الطائفة أولاً. نحن نعلم ان الطائفية، بل اناسا محددين يكسبون من رفع لوائها ويستحوذون على كل شيء. وهؤلاء هم من كل الطوائف.
يتابع شمس الدين: والدي صاحب اطروحة الديموقراطية والغاء النظام الطائفي وقف بكل جرأة وشجاعة ليقول: “اعتقد انني مخطئ، اذ بعد تبصر عميق بالاجتماع اللبناني، اعتقد ان نظام الطائفية السياسية ملائم ينبغي على ألا يعمل على الغائه الآن. لا بمعنى التحريم لأن الغاءه سيهدد كيان لبنان... والأمر يظل مفتوحاً للمستقبل. نبقي هذا النظام ولكن يجب ان نعمل على تطويره مثله مثل اتفاق الطائف... كان رجل لبنان بالمعنى الكامل، انطلاقاً من فكره الفقهي، وهو يطرح أسساً جديدة لإعادة الكيان اللبناني الى نصابه.
الشيعة وعقدة التقاطعات
دوماً بين الطروحات النظرية والممارسة اليومية مسافة شاسعة. هذا في المبدأ، ثم الأهم ان الذين يطلقون هذه الطروحات ليسوا هم أصحاب القرار أو الحشود على الأرض. المسار الذي أوصل الى الحالة الراهنة لجهة علاقات الطوائف بالكيان معقد. تتداخل فيه المحلية بالإقليمية. هذا يتغذى من ذاك ويغذيه. وحدث انه في غضون تلك المرحلة فاض المجتمع على الدولة واوقعها تحت ثقله، كما يرى فحص، مما أدى الى ما أدى إليه. لكن هل السر الوحيد يكمن في التحالفات أم أن هناك عوامل أخرى فاعلة.
يؤشر د. منذر جابر الى ان الإقامة المجزأة للشيعة هي ما أعطى تثقيلاً لدورهم، إذ قدمت هذه الإقامة ادواراً من موقع الغلبة في غير جبهة. يعود جابر هنا الى المسلسل الذي شهدته مرحلة أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات كمؤسِّسة للحال الراهنة.
يصف جابر جبهة الجنوب بأنها جدلت كل جبهات لبنان. فمن “الجدار الطيب” مع شمعون بيريز الى بوابة فاطمة في كفركلا، حتى التحرير في 25 أيار العام 2000. كل رصاصة في تلك الجبهة كان لها رجع وصدى في مسارات الحرب اللبنانية، حامية أو باردة، وفي مسارب تلك الحرب داخل لبنان او في محيطه الاقليمي الأقرب.
يضيف جابر: كانت هذه الجبهات مفتوحة في الغالب في آن معا. وكانت غلبة الشيعة في هذه المعارك تدور غمغمة وهمسا في زمن الحركة الوطنية وجهارا نهارا في زمن “أمل” و”حزب الله”، ومع “أمل” خاصة. وما هم هنا بالطبع الحديث في أسباب الغلبة الشيعية، فلا فرق بالتالي ما بين هوية هذا النصر وطائفيته. المهم ان الغلبة في الحرب تحجب العصبيات وتحجب “النقار” السياسي. الهزيمة مدعاة المحاسبة والشيعة في غلبة. المحاسبة كانت مثلا مع معركة النبعة عام 1976. يومها لم توفر التهم فصيلا إلا وطالته. راح التطاعن يدور على قاعدة الاصول: جنوبية هذا وبعلبكية ذاك. ولكن طاحونة حرب السنتين عادت وغضت من تلك الأصوات. وكان للسيد موسى الصدر دور حاسم يومها في كبت “التهاتت بالاصول”، لأن انقسام الشيعة بين جنوبي وبقاعي بعد معارك النبعة والمسلخ والكرنتينا وبرج حمود، جاء على قاعدة قلة ثورية وقلة التزام هذا عن ذاك.. أي جاء على قاعدة انتسابهم وطنيين الى الحرب اللبنانية. مع مجيء أفواج المقاومة اللبنانية وانطلاقها فصيلا مستقلا في الحرب وعلى قاعدة الانتماء الصريح الى التشيع، كانت وحدة جناحي الشيعة في لبنان، وصار البقاع كما وصفه رجال القيادة الشيعية خزانا يرفد الجنوب. ولم تقصر “مجاري” الهواء السياسية التي كانت تهب على الساحة اللبنانية من “الدرفات” المفتوحة المتقابلة ما بين دمشق وطهران في رفد هذه الكتلة، سواء في البقاع او الجنوب او الضاحية. أعلنت هذه الكتلة عن صريح انتمائها، وهو انتماء ما زال الى الآن مكتنزا، ولم تستطع النُّذُر العصبية التي كانت تطل بين الفينة والفينة، شأن ثورة الجياع مثلا من أن تجلو الغلاف السميك الى الآن والذي يبارك وحدة الطائفة.
تجديد التمثيل السياسي
وحدة الطائفة التي يتحدث عنها جابر انتصبت في ميزان ثنائية بين “أمل” و”حزب الله”. ولكل من القوتين طروحاتها بطبيعة الحال. احتفظت “أمل” بالكثير من المعادلات “الصدرية” كيانيا، وباتت جزءا مكونا من مكونات السلطة، فيما “حزب الله” دخل الى المحفل السياسي، لكنه ظل مشدودا الى جذره المقاوم باعتباره واحدا من التجليات التي أبرزتها الثورة الايرانية بعيد انتصارها المدوي.

النائب محمد رعد |
يقول النائب محمد رعد: نحن في ما نمارسه من عمل نيابي نعمل على توضيح رؤية المقاومة و”حزب الله” في المنتديات السياسية، لكنا نسلك طريق شفير الهاوية. نحن على خط الوسط، ودوما معرضون للسقوط. السياسة في لبنان لا تستطيع ان تطلق نقلات تحدث تغييرات نوعية على الأقل في هذه المرحلة، تحاول ما استطعت في كثير من الأحيان أن تمنع تداعيات او تدرأ بعض المفاسد، لكن ليس بحجم ما يؤمل تحققه من مصالح. نسبة نجاحنا في العمل البرلماني نسبة مقبولة وتتراوح دائما عند الوسط. أداؤنا في المعارضة يستند الى تسليط الضوء على ممارسة اركان الحكم وأدائهم، ان يعترض على هذه الممارسات بطريقة غير مثيرة، مركزا على أن الأشخاص في السلطة هم نتيجة قواعد سياسية وقوانين معتمدة في هذا النظام وهي لا تنتج إلا مثل هذه الممارسات. بالتأكيد لدينا ملاحظات على مشروع إعادة بناء الدولة وعلى طريقة ترميمها أثناء الوقوع في منزلقات ومطبات. ولكن لا نستطيع أن نتخلى عن مشروع الدولة قيد الانشاء، ولا تستطيع أن تفرض رؤيتك على الآخرين في تقديم هذا المشروع وسط مرحلة مليئة بالتجاذبات والضغوطات وخصوصا الأولويات التي تلزمها.
كل الوقائع تشير الى تجديد التمثيل الشيعي سياسيا الذي بات متقاسما بين الحزب والحركة مع تفاصيل معلومة المرجع. هناك أرجحية رئاسية للثانية وان كانت غير عددية. في هذا المجرى تمت الاطاحة بما كان يسمى الاقطاع السياسي جنوبا وبقاعا. هذا الحكم الذي يعتبره البعض حقيقة تشبه حقائق الكيمياء لا يعتبره د. جابر مؤكدا. يسأل بداية عن المعايير التي رازت الاقطاع السياسي والاطاحة به ومن هو هذا بالتسمية والتحديد.
يرى جابر أن الرائز الاول لتحديد مصير هذا الاقطاع وهو هنا الأسعدي عرفا، يكمن في النتائج الانتخابية حيث ذهب الى غير رجعة حتى الآن، أي مقعد لعائلة الأسعد. ولكن هنا نجد أنفسنا أمام احتمالين: الاول منهما يفترض تصديق ان لعبة الانتخابات هي المعبر الفعلي عن أوزان القوى السياسية. الانطباع هنا يقود الى القول ان الاقطاع السياسي في أحسن حال. فعائلات عسيران والزين والخليل لا تخشى هزات الريح. بل ان الاقطاع الاقل درجة شأن بزي والعبد الله أعادته الانتخابات الاخيرة الى حصته نائبا عن بنت جبيل وآخر عن الخيام. ثم ان الانتخابات الأخيرة أبعدت آخر أسعدي “سعيد الأسعد” الا انها أشرت الى ظاهرة أسعدية صاعدة، كان لها من تأييد الأصوات منفردة ما عادل أصوات اللائحة الكاملة مجتمعة. الاحتمال الثاني إذا كذبنا مقولة ديموقراطية التمثيل عبر الانتخابات، شأن ما تتشكل فيها لوائح الشرف النيابية في الانتخابات اللبنانية، فلا يصح والحالة هذه القول بموت الاقطاع، وهو الأسعدي ضمنا وعرفا. ولكن نقول ان الكأس الذي شرب منها اليوم كان قد سقاها يوم الهتافات “نحن رجال الاربعتعش ونائب للشوفارية”، يتجرعها من رجال ال23 ونائب ونصف للشوفارية. باختصار، يتوصل جابر الى أننا انتقلنا من لعبة الاقطاع السياسي الى لعبة الاقطاع بالسياسة.
في بعلبك أطيح بعائلات حمادة والدنادشة والحيادرة و.. والكتلة الشعبية الشيعية سواء كانت في “بوسطة” او محدلة باتت تتحكم بنواب المناطق التي تملك فيها الثقل البشري، حيث تندر الاختراقات او تنعدم بالأصح، وعلى حساب خيارات أبناء الطوائف لممثليهم.. هذا الحكم أكثر صحة في الجنوب حتى جزين وصيدا وحاصبيا وفي البقاع الشمالي، تبعا لتفصيلات قانون الانتخابات.
الإسلام الشيعي والجمهورية
لا شك في أن “حزب الله” قد شذب من خطابه كثيرا، إذ إن عقدين من عمره ليسا سنوات قليلة. بين الرسالة المفتوحة الى أمة “حزب الله” وبين اللحظة سالت دماء كثيرة في الجنوب وسواه ونضجت التجربة السياسية لديه عما كانت عليه نظريا.

الشيخ صبحي
الطفيلي |
ينفي الشيخ صبحي الطفيلي، الأمين العام الأول ل”حزب الله” أن يكون شعار الجمهورية الاسلامية هو شعار الاسلام، الجمهورية الاسلامية صفة قد يراها البعض مناسبة او غير ذلك. شعار الاسلام هو العدالة الاجتماعية. لم يطرح “حزب الله” الجمهورية الاسلامية، بل طرح أنه مع قيام نظام إسلامي لا يعتمد الضغط والعنف لإرغام الناس على هذا التوجه، بل يعتمد الحوار مع الآخر. وإذا قبلت به الاغلبية يتحقق مع حكم الأغلبية، وإذا لم تقبل به فإن لها الحق في معارضته والدفاع عن قناعاتها. فكما لا أفرض على أحد القبول، لا يفرض أحد علي القبول على ما لا أقتنع به. نحن نعمل على تسويق هذه الفكرة على أمل أن تصبح ذات أغلبية. البعض حاول إضافة الطوائف والمذاهب والهدف كان التحريض على “حزب الله”.
لا يرى المفتي السيد علي الامين ان هذه الثنائية تمنع من بروز تيارات اخرى داخل الطائفة الشيعية. ولا يعني ان هذه الصيغة الثنائية التي لم يكن متفقا عليها في الاساس هي الصيغة النهائية. نعم ليس هناك أسس ثابتة لدى الطائفة الشيعية في لبنان وهي التي تمثل نظرتها الى الوضع اللبناني والنظام السياسي، والتي عبر عنها الإمام الصدر في مراحل عديدة من المحنة اللبنانية من وحدة اللبنانيين في عيش مشترك والغاء الطائفية السياسية من النظام السياسي والعمل على انشاء الدولة العادلة لمواطنين احرار يتساوون في الحقوق والواجبات في وطنهم النهائي. ومن خلال هذه الاسس يمكن القيام بدور وطني يعمل على تغيير النظام السياسي الذي لم يتغير كثيراً بعد اتفاق الطائف مما كان عليه قبله بعيداً عن الصيغ الطائفية والمذهبية.
“الحكمة” والتجاذب
قياسا الى حركة “امل”، يبدو “حزب الله” اسير لغة مقاومة، بات بعد تحرير الاجزاء الاساسية من الجنوب هامشها بالغ الضيق ومحدود الاستقطاب، خصوصا انه قد اكتشف مدى تشابك المداخلات، الى الحد الذي باتت فيه ثنائية الاحتلال المقاومة بحاجة الى اقناع الاطراف التي ادارتها وقدمت الدعم والاسناد. هذه الاطراف باتت ترى تمرير المرحلة بما لا يطلق، لا الدب الاميركي ولا الذئب الاسرائيلي بقوتيهما النارية والسياسية.
يعترف النائب رعد بمدى ثقل التجاذب السياسي على دور الكتلة النيابية للحزب، خصوصاً ان هذا التجاذب هو داخل الساحة الواحدة، التي تحرص على عدم حدوث احتكاكات فيها، بما يحول دون الوصول الى حدة في التجاذب، ويتم ذلك من خلال الحرص على الوقوف عند القواسم المشتركة العامة. ومثل هذا الوضع يؤثر على النهوض بالكثير من متطلبات النجاح في العمل السياسي على الطريقة اللبنانية. لكن لسنا نادمين على ذلك لاننا مقتنعون بأن تماسك ساحة الداخل، خصوصا الساحة التي هي على تماس مع الاستحقاقات المصيرية امر فوق الضرورة، ويستحق ان نقدم من اجله تنازلات كثيرة وتتضرر مصالح فردية لكثيرين.

الشيخ نعيم قاسم |
ويرى نائب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ان ما يشعر به الآخرون من ان الحزب يعمل بطريقة حكيمة ومنضبطة تأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية، ويتحرك بمقاومة مدروسة تؤدي اهدافها، هذه نقطة ايجابية. ومهما اعتبر الآخرون ان طريقة الأداء تخضع لخطوط حمراء او انها مسيسة بمستوى عال، فهذه لا تغير من واقع ان “حزب الله” مقاومة موجودة، اهدافها مرسومة عند قيادته، وتعتبر هذه القيادة معنية بتحقيق هذه الاهداف من خلال السياسة المتبعة.
يضيف: ان اسرائيل لا تريد حزباً منضبطاً، انما تريد الغاء اصل وجود الحزب. اميركا ليست مقتنعة بحقنا في مزارع شبعا، مع ذلك فإننا نقاوم فيها. يريد الطرفان ايضا الغاء قدرة لبنان وسوريا من خلال الغاء قدرة “حزب الله” لتبقى المنطقة مجردة من عوامل الرفض. ومع ذلك فالحزب بمقاومته مستمر، ما يدل على ان الحديث عن ضوابط وقيود لا يعدو كونه اختيارا، له علاقة بتقدير المقاومة وينسجم مع مسارها. ولا اعتقد ان المطلوب هو مقاومة غير واعية او غير مسيسة او مندفعة بالاتجاهات الخاطئة. نحن مرتاحون الى ادائنا ونتائجه. بل ان المقاومة استطاعت ان تصبح محل اجماع لبناني تقريباً على تنوع وتعقيد الواقع اللبناني وهذا بحد ذاته انجاز كبير لا يمكن التغاضي عنه.
خطاب الطائف والطائفية
يلحظ السيد هاني فحص تطوراً في الخطاب اللبناني ل”حزب الله”، مما جعله منذ التسعينات وحتى اليوم واثر انتهاء الفتنة مع “امل” منافساً وطنياً وشيعياً للحركة. خلال الفترة السابقة لم يكن هذا النصاب متحققا. كان المشروع السياسي للحزب عابراً للمسألة الوطنية ويندرج في اطار الخطاب القومي الاممي المتعالي على الكيان. من هنا كانت المنافسة مع حركة “امل” وتشيعها بخصوصيته اللبنانية. ولبنان لا يحمل مشروع دولة إسلامية، وادبيات الإمام الصدر لا تشير اليها. لا بد من الانتباه هنا يضيف فحص الى ان الحزب ما دام يقدم نفسه كحزب إسلامي فمعنى ذلك ان التوجه الاسلامي لا وطنيا، لذا فإن المفارق للوطنية يبقى كامنا فيه. لذلك نسمع بين فترة واخرى من قيادات الحزب ان مشروعها وطني والدولة الاسلامية غير مطروحة. وخطاب الاسلام داخلي ايضا، لأن استقطاب المشروع الاسلامي اساس في اي حركة إسلامية سياسية.
والموضوع يتعدى بالطبع كلا من “امل” و”حزب الله” ليصل الى الكيان اللبناني برمته. ليست هذه الطائفة بقواها السياسية والمجتمعية خارج فضاء هذه الجغرافيا السياسية الاجتماعية. لذا يلح ابراهيم شمس الدين على صيغة الطائف، التي رأى الوالد في كتاب الوصايا انها صيغة صالحة لان تعتمد وتتطور وتسمح بآليات الحوار. عندما يتوقف الحوار يبدو الطائف كمشكلة. أنا أرى انه يؤمن آلية وفاقية صحية ويبني حالة سياسية صحية تسمح بتطويره لاحقاً. الوالد قال عنه “انه اتفاق الضرورة والآن اعبر انه اتفاق الاختيار”. هذه هي احد اشكالات موضوع الحوار. الحوار بحاجة الى تنظيم. ما يصطلح عليه بأنه الوفاق الوطني يجب ان يتحول الى مفهوم مشترك لكل التفصيلات: قانون الانتخاب، النظام القضائي و...
هذه المعطيات تدخل في الفكر والسياسة والاجتماع، لكنها لا تختزل تلك المعادلات التي رسخت من وزن الطائفة داخليا ضمن رياح اقليمية مؤاتية.
حركة “أمل” التأسيس والميثاق
يعتبر خطاب الإمام السيد موسى الصدر الذي ألقاه في السابع عشر من آذار في العام 1974 في مدينة بعلبك، وقال خلاله عبارته الشهيرة “السلاح زينة الرجال” منطلق ما عرف باسم حركة المحرومين، بعد تمهيد تعبوي استمر عدة سنوات، وقد تعهد الصدر خلال خطابه المذكور، والذي حضره حوالى 75 الف مواطن بالنضال حتى تحقيق مطالب المحرومين ورفع اشكال الظلم الاجتماعي.
الا ان انشاء ميليشيا خاصة بالحركة قد تأخر عمليا حوالى العام ان لم نقل اكثر، رغم قعقعة سلاح الميليشيات والمقاومة في حينه. اذ تم انشاء افواج المقاومة اللبنانية المعروفة باسم “أمل” على يد ضباط من حركة فتح وبإشارة من الامام الصدر بالتأكيد. وقد ظلت التدريبات الاولية لهذه الميليشيات سرا حتى انكشف الامر في اعقاب انفجار لغم في منطقة بعلبك خلال التدريب مما ادى الى مقتل وجرح العشرات من المشاركين. وقد استمرت هذه الميليشيا على وتيرة قتالية متواضعة.
يتألف ميثاق الحركة من اربع وثلاثين صفحة فولسكاب تعلن الايمان بحرية المواطن ومحاربة كافة انواع الظلم من استبداد وإقطاع وتسلط وتصنيف المواطنين. وتعتبر فيه ان نظام الطائفية السياسية يمنع التطور السياسي ويجمد المؤسسات الوطنية ويصنف المواطنين ويزعزع الوحدة الوطنية. وتعلن الحركة في ميثاقها عن رفض الظلم الاقتصادي وأسبابه، وتدعو الى توفير الفرص لجميع المواطنين باعتباره أبسط حقوقهم في الوطن، وتحدد واجبات الدولة بتأمين العدالة الاجتماعية. وتصف الحركة نفسها بأنها حركة وطنية تتمسك بالسيادة الوطنية وسلامة اراضي الوطن وتحارب الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي يتعرض لها لبنان. والحركة تعتبر ان التمسك بالمصالح القومية وتحرير الارض العربية وحرية ابناء هذه الأمة هي من صميم التزاماتها الوطنية لا تنفصل عنها. وغني عن القول ان صيانة لبنان الجنوبي والدفاع عن تنميته هو جوهر الوطنية وأساسها، حيث لا يمكن بقاء الوطن من دون الجنوب ولا تصور المواطنية الحقة من دون الوفاء للجنوب.
ويقول الميثاق: فلسطين، الارض المقدسة التي تعرضت ولم تزل لجميع انواع الظلم هي في قلب حركتنا وعقلها وان السعي لتحريرها اولى واجباتنا، وان الوقوف الى جانب شعبها وصيانة مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها. لاسيما وان الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان وعلى القيم التي نؤمن بها وعلى الانسانية جميعا، وانها ترى في لبنان بتعايش الطوائف فيه تحديا دائما لها ومنافسا قويا لكيانها.
وتفرد الحركة في “المبدأ الثالث” حيزا اساسيا لوجوب محاربة الاقطاع والاقطاع السياسي ونظام الطائفية السياسية. تقول الحركة حول الاول “.. وقد ورث الزعامة السياسية في الدولة اللبنانية، احفاد الاقطاعيين، ولعب الاقطاع السياسي دوره الفعال في الاحتفاظ بمناصب الدولة وتجيير المنافع لحسابه الخاص، وللابقاء على مكانته المتسلطة على الناس، لذلك فإن الحركة بجهادها سوف تعمل جاهدة لعزل هذه القيادات الاقطاعية وتعريتها وفضحها... وحول الطائفية السياسية يرد ما يلي: ..” ان هذا النظام يمنع التطور السياسي ويجمد المؤسسات الوطنية ويصنف المواطنين ويزعزع الوحدة الوطنية”.
وترى أن معالجة الحرمان تكون باجتراح خطة ليس فيها شيء من المعجزة الاعجوبة لتعميم العدالة وتهيئة الفرص المتكافئة في السياسة والاجتماع والعمران والتربية والثقافة.
وتقول “ان حركة المحرومين لا تعمل من اجل طائفة معينة، ولا من اجل فئة معينة، فمبادئها ملك الجميع وجهادها لخير الجميع وهي تفرق بين الالتزام الديني والتعصب الطائفي الذي يعرقل سير تقدم الوطن. كما انها ترى طرحها الديني المتقدم هو الكفيل بنزع الصبغة الطائفية التعصبية عن الدين، وان الروح الدينية الواقعية هي القادرة على غرس المسمار الاول في نعش الطائفية البغيضة والفئوية المقيتة.. وهي تعمل لتهيئة الارض الصالحة للتغيير، وبإعداد القوى المساعدة على تحقيق عملية التحويل في الجانب الفكري والمادي والاجتماعي”.
حزب الله: التأسيس والتصورات النظرية
يعتبر وصول واحدة من كتائب الحرس الثوري الايراني الى لبنان صيف العام 1982 الحدث المفصلي الأول الذي قاد الى مفاعيل بالغة الاهمية على صعيد العمل الشيعي في لبنان، وبالتالي على تشكيل حزب الله أولا والمقاومة الاسلامية ثانيا.
واكب وصول هذه الكتيبة، التي رابطت بعض الوقت على خط التماس مع قوات الاحتلال لاسرائيلي في غزة البقاع الغربي، قبل ان تعود الى بعلبك، تفكك في حركة أمل عبرت عنه عملية الانشقاق التي قادها مؤسسو “أمل الاسلامية”. كانت التظاهرة التي شهدتها بعلبك للحرس الثوري حدثا ذا أهمية، إذ أنها تعتبر بداية الظهور العلني للحزب، الذي ساهم في تأسيسه عدد من كوادر حزب الدعوة.
وخلافا للحركة نأى المؤسسون للحزب، وهم جميعا من ذوي الثقافة الدينية وفي ثلاثينيات أعمارهم، عن أي صراع من هذا النوع مغلبين الصراع مع العدو الاسرائيلي والولايات المتحدة عما سواهما.. وفيما كان التنظيم بداية عبارة عن تجربة أولية، سرعان ما أخذ يعتمد شكلا مؤسسيا من خلال مجلس الشورى أولا، ثم عبر اللجان التي شكلها لإدارة مختلف شؤونه.
وتعتبر “الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله الى المستضعفين في لبنان والعالم” في السادس عشر من شباط 1985 وبيّن فيها تصوراته، الصياغة الاولى لنظريته التي تعرضت لتعديلات متلاحقة لا تمس جوهرها، وإن كانت تخفف من غلواء ما ورد فيها في جوانب تتصل بالنموذج الإيراني والوضع اللبناني وما الى ذلك.
تتألف الرسالة من 29 صفحة من القطع الكبير وهي مهداة الى شيخ الشهداء راغب حرب في ذكراه السنوية. تحدد الرسالة هوية حزب الله على النحو التالي: إننا أبناء أمة حزب الله نعتبر أنفسنا جزءا من أمة الاسلام في العالم التي تواجه أعتى هجمة استكبارية من الغرب والشرق على السواء.. إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الاسلام المركزية في العالم.. نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضرا بالإمام المسدّد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظله.. مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة.. أما ثقافتنا فمنابعها الأساسية، القرآن الكريم والسنة المعصومة والأحكام والفتاوى الصادرة عن الفقيه مرجع التقليد عندنا...
يحدد الحزب أهدافه بخروج إسرائيل نهائيا كمقدمة لإزالتها من الوجود وكذلك بخروج أميركا وفرنسا من لبنان ورضوخ الكتائبيين للحكم العادل ومحاكمتهم على جرائمهم، وإتاحة المجال لأبناء شعبنا لاختيار شكل نظام الحكم الذي يريدونه، علما أننا لا نخفي التزامنا بحكم الاسلام وندعو الجميع الى إختيار النظام الاسلامي الذي يكفل وحده العدل والكرامة.. لذا فإننا لا نريد أن نفرض الاسلام على أحد، ونكره أن يفرض الآخرون قناعاتهم وأنظمتهم علينا، ولا نريد أن يحكم الاسلام في لبنان بالقوة.. لكننا نؤكد أننا مقتنعون بالاسلام عقيدة ونظاما فكرا وحكما، وندعو الجميع الى التعرف عليه والاحتكام الى شريعته كما ندعوهم الى تبنيه والالتزام بتعاليمه على المستوى الفردي والسياسي والاجتماعي، وإذا ما أتيح لشعبنا أن يختار بحرية شكل نظام الحكم في لبنان فإنه لن يرجح على الاسلام بديلا.