ما وراء التصعيد الإيراني-الأميركي

سالم مشكور

جريدة النهار (لبنان)

الأربعاء، 9 تموز «يوليو» 2003
Salem Mashkour - سالم مشكور 

     لا اسلحة الدمار الشامل ولا دعم الارهاب ولا الحريات داخل ايران، هي الاسباب الحقيقية للأزمة المتجددة بين ايران والولايات المتحدة والتي دخلت فيها بريطانيا كوسيط سياسي رغم ان هناك اكثر من سبب يدعو الى الجزم بأن واشنطن لا تفكر - او لا تستطيع - ان تتعامل مع الحكم الايراني بالشكل الذي تعاملت فيه مع نظام صدام حسين. 

والسبب الحقيقي وراء التصعيد الاخير موضوعان، الاول: الوضع العراقي الذي قد لا تكتفي واشنطن بموقف ايراني "غير متدخل" فيه بل ربما تطالبها بدور يساعد على تطبيع الخطة المرسومة والمتغيرة كل حين للساحة العراقية. اما الموضوع الثاني فهو الملف الفلسطيني الذي يشهد اصرارا من ادارة بوش على ايجاد حل ما لتفاقمه. 

في الموضوع الاول، يدرك الاميركيون مدى امكان التأثير الايراني في الساحة العراقية بسبب طول الحدود التي يصعب السيطرة عليها بين البلدين والتداخل الاجتماعي والمذهبي، والاهم من ذلك - يقول الاميركيون - العمل المنظم الذي تقوم به بعض الاجهزة الايرانية منذ العام 1980 وحتى اليوم من اجل ايجاد قاعدة لوجود ايراني متجذر في العراق، من خلال مجموعات مرتبطة عقيدياً بشدة بالسياسة الايرانية. وتتعامل مع المصالح الايرانية على انها متطلبات دينية يتوجب الالتزام بها وحمايتها. هذه المجموعات تعمل، وحسب الرصد الاميركي لها، بأسماء وعناوين مختلفة. 

وتقول اوساط قريبة من الجانب الاميركي وتتولى تقديم المشورة له في الموضوع العراقي ان هناك رصدا لعمل ايراني في العراق شبيه الى حد كبير بما عملته ايران في لبنان منذ اوائل الثمانينات واثمر ظهور "حزب الله" الذي استهل نشاطه بهجمات على القوات الاميركية في لبنان حتى قبل ان يتخذ اسمه الحالي. كما عملت ايران على كسب قاعدة شعبية لها داخل الوسط الشيعي من خلال الخدمات الاجتماعية التي تقدمها مؤسسات ايرانية جرى استحداث نسخ لبنانية منها. 

وتتحدث هذه الاوساط عن توغل ايراني "انساني" من خلال الخدمات الطبية والغذائية التي تقدمها المؤسسات الايرانية في العراق الى جانب تنظيم مجموعات مرتبطة بايران لها اجندة عمل خاصة. لكن هذه الاوساط لا تعتقد ان هذه المجموعات ستتحرك في هذه المرحلة، غم ما اشيع من ان ايران ومجموعاتها في العراق كانت وراء الهجوم الذي تعرضت له القوات البريطانية في جنوب العراق اخيرا، بل ستبقى مستعدة للتحرك بعمليات نوعية ضد القوات الاميركية تماما كما فعلت في لبنان من خلال المجموعات التي تبلورت في ما بعد حزبا علنيا. 

ورغم ان الرئيس الايراني محمد خاتمي فاجأ الجميع بالقول ان شيعة العراق اثبتوا انهم يتصرفون بعقلانية وان العمليات التي تتعرض لها القوات الاميركية في العراق مصدرها فلول النظام السابق وعناصر متشددة، وهو اول موقف ايراني رسمي على هذا المستوى حيال هذه العمليات، الا ان تقويمات هذا الموقف تباينت بين قائل بأنه صادق في تقويمه وموقفه الا انه لا يعني بالضرورة ان ايران لن تكون وراء مثل هذه العمليات مستقبلا، لأن ما يقوله خاتمي يعبر عن اقتناعه الشخصي الذي لا يعكس بالضرورة موقفا عمليا ايرانيا بسبب نمط توزيع القوة وتعددية مراكز القرار داخل تركيبة الحكم الايراني، وبين قائل ان خاتمي اراد بذلك توجيه رسالة الى من يعنيه الامر، وفي مقدمهم الولايات المتحدة مفادها ان ايران لم تتدخل حتى الآن لأنها ترى المشكلة بين اميركا وفلول النظام وليس بينها وبين الشعب العراقي وان هذا التدخل لم يجد مبرره بعد، وتاليا فإن ايران تحتفظ بهذه الورقة. 

واستنادا لهذا التقويم لكلام خاتمي فإن توقيت هذه "الرسالة" جاء مدروسا، فهو يتزامن مع ضغوط اميركية على ايران من جهات عدة، فيأتي ردا عليها، كما انه يتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية الموجهة ضد الاميركيين في العراق. وعندما يقول خاتمي ان وراء العمليات بعض فلول صدام فإنه ربما يريد القول: تصوروا كيف سيكون الوضع اذا قرر الشيعة، وهم الغالبية، التخلي عن "عقلانيتهم" والدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة عسكريا. 

هل يريد خاتمي القول ان الضغط الاميركي على ايران سيدفع شيعة العراق الى ترك عقلانيتهم؟ ام هو يريد تحذير الاميركيين من تكرار خطأ الانتقاص من حقوق الشيعة في ظل ضغوط اقليمية في هذا الاتجاه؟ 

مصادر شيعية عراقية تقول ان خاتمي يعلم - كما الاميركيون - ان لشيعة العراق اجندتهم الوطنية العراقية ولا ضير في اي دعم لهم شرط ان لا يضر باستقلاليتهم.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic