الشيعة في عين الإعصار الأميركي للمنطقة العربية والإسلامية (8)
مسيرة الطائفة من هامش “الكتاب” الى “متن” الكيان

زهير هواري

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 10 تموز «يوليو» 2003

     بدأنا مع "سلاح حزب الله وجبهة الجنوب (1)" وعرّجنا على "مضاعفات خارطة الطريق في فلسطين (2)"، ثم "حديث مع المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله (3)". وتلته حلقتان عن الوضع الداخلي في العراق (4) و (5)، ثم "الموقع الإقليمي لإيران ودول الخليج العربي (6)" وعدنا إلى لبنان من مدخل البحث الداخلي عن "موقع الطائفة وثنائية كل من أمل وحزب الله (7)". والآن نتناول الآلية التي تطوّر بمقتضاها دور الطائفة في الكيان.
 


     
السيد حسن نصرالله
السيد حسن نصرالله في بنت جبيل - 26 أيار 2000

     لا حركة أمل ولا حزب الله جاءا من فراغ. كما ان عمريهما الزمني لا يختصرهما. سواء تعلق بالاولى مرحلة الستينات وما حفلت به من نهوض سياسي، ولا الثمانينات وما شهدته من تحديات وتطورات بالنسبة للثاني. كان للشيعة مسار ومسيرة توصلا الى المرحلة الراهنة من الحضور. قد يصل عمرها الى اكثر من ثمانين عاما اذا اعتبرنا اعلان دولة لبنان الكبير كمفصل، او ستين عاما اذا انطلقنا من عمر استقلال الكيان. ايا يكن التاريخ الذي لا بد من اعتماده، من المهم الاشارة الى ان هناك الكثير من المعطيات الوازنة التي حسمت في الموقع الراجح الراهن. والمعطيات التي نؤشر اليها متداخلة منها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. 

بداية لم تكن هناك طائفة شيعية بالمعنى الحقوقي الذي استقر عليه سواها من موارنة ودروز وسنة و.. كانت هناك جماعات بشرية متناثرة تحاول الدخول في الكيان المفصل بموجب اعلان الجنرال غورو من قصر الصنوبر. جماعة شيعية في الجنوب، ثانية لجهة الوزن في البقاع الشمالي، ثالثة في البقاع الغربي ورابعة في بلاد جبيل. وكانت الخطوط مقطوعة بين هذه وتلك. والمعروف انه خلال الحكم العثماني لم يكن للشيعة قانون للاحوال الشخصية معترف به. قبلهم كانوا “مجرد روافض” على حد تعبير ابن تيمية الذي جرد عليهم الفتوى والسيف. في بيروت كان حضور هذه الطائفة محدودا وقليل الفاعلية بالقياس الى السنة او الموارنة او حتى الارثوذكس. كان الشيعة على هامش الكيان الذي تقرر بناؤه، في الاطراف الشمالية والجنوبية منه على نحو دقيق. خارج الجبل وخارج بيروت باعتبارهما المركز الموعود. في الاولى عشائر تعرف دمشق اكثر مما تسمع ببيروت. اقتصاد الندرة والكفاف والماشية، وفي الثانية زراعات بعلية فقيرة بالكاد تكفي الأود. علاقاتها مع جنوب الجنوب نحو مدن فلسطين الشمالية: حيفا ويافا و... حيث بساتين الليمون والحمضيات.. البديهي انه لا تتأسس جماعة سياسية على مواقع هامشية في كل المناحي. كان هناك حضور سياسي محدود ومضبوط زمن الدولة العثمانية، تطور خلال الانتداب، لكنه ظل مقننا بالعناصر المؤثرة في العهود الاستقلالية.. ثم كانت فورة الستينات والسبعينات.. تحول الجنوب من هامش الى قلب، دخلته عواصف المنطقة على نحو خلع ابوابه المقفلة منذ قيام دولة اسرائيل.. واستمر المسار مع تأكد مأزق سياسة فتح الجبهة اللبنانية على الصراع مع العدو الاسرائيلي دون افق عربي. الكلفة الفادحة للموقع دفعت الى البحث عن البديل من داخل الكيان وبالعلاقة مع مستوى السقف الاقليمي. العامل الفلسطيني الذي اقتحم الخط الحدودي، اخذ يتحول الى عنصر براني مرفوض، وأخذت تظهر معالم طائفة بالتضاد معه، وبالتضاد مع النظام الذي فرض عليها موقعا هامشيا في معادلاته على مختلف الأصعدة قبلا. 

الشيعة الآن هم الرقم الأصعب في متن مكونات الكيان اللبناني، وبالأمس كانوا على هامش كتاب الطوائف في لبنان.. ولمسيرة العقود الستة او الثمانية سيرة لا بد وان تروى لوضع الامور في نصابها. فالمارد لم يخرج من القمقم صدفة او لمجرد اكتشافه في قاع البحر من قبل صياد محظوظ، سواء اسميناه نبيه بري او حسن نصرالله. 
 

الشيعة بين الخيارات

     لم يختلف الشيعة عن السنة كثيرا في الخيارات التي أملاها عليهم وقوعهم تحت الانتداب الفرنسي. في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية. كان جبل عامل تابعا لولاية بيروت، وكانت بعلبك الهرمل تابعة لولاية دمشق، وهي احد الاقضية الاربعة التي ضمت الى الكيان لاحقا. 

كما السنة، كان الهوى الجنوبي فيصليا، وبالتضاد مع الانتداب الفرنسي. كان مصير المنطقة ومن ضمنها هذه الجماعة على المفصل، مثلها مثل سواها. الجماعتان الوازنتان في الجنوب والبقاع كانتا مطالبتين باعتماد موقف، وبسرعة تم الانتساب الى المشروع الفيصلي، لكن معركة ميسلون حسمت المصير بسرعة وتكرس ان سوريا ولبنان هما من حصة فرنسا وفلسطين من نصيب الانكليز. كان امام ابناء جبل عامل الخيار الفلسطيني، لكن الامر حسم لصالح “الخيار السوري” رغم انشاء دولة لبنان الكبير. لبنان الكبير هذا طرح الموضوع الطائفي على نحو جلي اذ كي تدخل هذه الجماعات البشرية في الكيان عليها ان تدخله كطائفة شيعية وليس بصفة مواطنية. معنى ذلك ان من سيدخل الى اللجنة الادارية تحت الاشراف الفرنسي قبل وجود دستور ومجلس نواب (1926) فانه لا بد وان يعبر من التمثيل الطائفي. 

الدكتور أحمد بيضون
د. أحمد بيضون

مثل هذا الامر لم يكن واردا خلال الدولة العثمانية يشرح المؤرخ احمد بيضون. اذ ان كامل الاسعد (جد الحالي لأمه) كان نائبا في مجلس “المبعوثان” عن ولاية بيروت. وقد انتخب الى هذا البرلمان الذي أسس في العام 1908 باعتباره زعيما محليا نافذا وبارزا وليس على اساس تمثيله للطائفة اذ انه تنافس مع كل من رضا الصلح السني وشكيب ارسلان الدرزي، وهؤلاء ابرز من وصلوا الى المجلس، علما ان ولاية بيروت كانت تصل الى بلاد الشام الساحلية في فلسطين وسوريا عدا متصرفية جبل لبنان التي افرزت لها وضعية خاصة منذ العام 1860.

تبدو هذه المرحلة التي يتحدث عنها المؤرخ بيضون بعيدة الغور، لكنها كانت المنطلق بالتحديد، باعتبارها المقدمة الطبيعية لبناء الكيان ولاستقلاله ولمواقع القوى وتراتبيتها في توازناته كما كانت عليه. يقول بيضون ان الاسعد (كامل الاول) الذي كان يرى في نفسه منافسا وزميلا للصلح وارسلان كان يدرك ان التمثيل الطائفي لا يحكم وصوله او عدمه. لكن في الاطار اللبناني اخذ يتكون وعي يغلب عليه الاعتبار الطائفي على الاقطاع الذي يتعلق بجماعة محددة في منطقة معينة. الطائفة الشيعية وجدت نفسها وسط مجتمع طوائف فاتجهت نحو التجانس في العلاقة مع الطوائف الاخرى ولا سيما المسيحية، التي كانت قد قطعت شوطا واسعا في هذا المجال. اذ انه كان لها حوالي قرن تعامل كطوائف من خلال النظام الملي العثماني، وكانت امورها تتدبرها في كنائسها، ولديها ما يمنحها شخصية معنوية بما في ذلك الحمايات الخارجية، فرنسا والفاتيكان للموارنة. روسيا للارثوذكس، النمسا للكاثوليك.. الدروز الذين خاضوا مواجهات مع الموارنة أدت الى بروز شخصيتهم، حتى ولو تم ذلك من خلال الزعامة الاقطاعية. السنة كانوا اكثر انجذابا الى محيطهم الاوسع، باعتبارهم مركز السلطة والثقل والوزن الاعمق على صعيد اجتماع وسياسة المنطقة وليس لبنان. 

اذن كانت هناك خيارات ثلاثة كما يذكر بيضون: سوريا، فلسطين ولبنان ككيان مستقل. 
 

العصيان والانضباط

     لم يقدم الشيعة ولاءهم لفرنسا على طبق من فضة. اعلوا راية العصابات المسلحة ضد الانتداب وحلفائه فكان ان تعرضوا لغرامات كبرى كعقاب. تعلموا الدرس جيدا عندما اندلعت الثورة السورية الكبرى ورفضوا الانحياز لها، وعجزت الاخيرة عن التقدم من حاصبيا وراشيا الى النبطية فصيدا. يقول المؤرخ بيضون أن هذا الموقف ساعد على حصر الثورة ومكن الفرنسيين من القضاء عليها، وقدروا موقف الشيعة فاعترفوا بهم كطائفة، وحصلوا للمرة الأولى منذ أربعماية عام على مراكز شرعية واختيارية. 

مع ذلك فان هذه الطائفة ظلت مشدودة الى عوامل انقسامها بين جبل عامل والبقاع. يتربع على رأس المنطقة الاولى زعامة بيت الأسعد (أحمد) الذي يعتبر من بيت علي الصغير والذي يضم عائلات: التامر وحمزة والضاهر. وكان اسم هؤلاء بيت النصار قبلا. في المقلب الآخر أي بقاعا كان آل حمادة يستقطبون الكتلة الأوسع من عشائر بعلبك الهرمل. وكانت العشائر الحمادية متعددة تضم في صفوفها آل علاو والدنادشة وجعفر وغيرهم. وهناك فئة ثانية يطلق عليها عشائر الهموند. 

يتابع المؤرخ بيضون قائلا: بيت عسيران، الخليل، الزين، فرحات، بزي، بيضون هي عائلات وليست عشائر. مثلهم مثل بيت حيدر والحسيني في البقاع، أي أنه ليس لديهم مجلس عشيرة. تختلف هذه العائلات من حيث عددها وإفادتها من مرحلة النهوض أواخر العهد العثماني، حيث برز التخلي عن الارض من جانب القطاع من جهة والوظيفة الادارية من جهة ثانية. لكن الأخيرة لم تستبعد الاقطاعيين تماما، فالقائمقام كان زعيما والمتصرف كان يشبه المحافظ اليوم. ستكتمل هذه التحولات مع بروز التجارة وجمع المال، كما فعل كل من آل الزين وعسيران والخليل، يضاف الى هذه وتلك بدايات التعليم الحديث وإن كانت ظلت أسيرة العائلات. 

يجزم المؤرخ بيضون أن الشيعة ركزوا في علاقاتهم على الانتداب أكثر من الدولة اللبنانية وما أفرزته من كتل سياسية. كان وجودهم ضعيفاً في المدينة، لكن قيام اسرائيل العام 1948 والقطيعة الجمركية مع سوريا في العام 1950 كانا كحدثين حاسمين في التوجه نحو بيروت. الا ان الكتلتين ظلتا محكومتين بالانقسام، مما كان يحول دون وجود مؤسسات طائفية جامعة. وهو ما استمر حتى أيام الإمام الصدر الذي صارت لديه مرتكزات في العاصمة، منها أطل على البقاع. 
 

المختبر الفكري السياسي

     بات الشيعة الآن مع قيام الدولة ومن ثم الاستقلال على حافة الكيان وليسوا في صميمه. يتحدث المؤرخ بيضون عن الادقاع التي كانت تعانيها هذه الطائفة تعليميا بالمقارنة مع مدارس المقاصد او المدارس الكاثوليكية. 

الدكتور علي الشامي الأستاذ في علم الاجتماع يعتبر ان الشيعة لم يكن لديهم اجتماع سياسي او طائفي، وهو ما استمر حتى السبعينات. مصدر هذا الهزال متعدد الأسباب، بعضها يتعلق بتشرذم معطاهم الاجتماعي بين كل من الجنوب والبقاع وبلاد جبيل وضعف حضورهم المديني، والبعض الآخر الى غياب الحاضنة الخارجية. مثلا بالمقارنة مع السنة، كانت للأخيرين علاقات مع كل من مصر والسعودية والعراق وقبلها مع الدولة العثمانية. أما الشيعة فكان يكفيهم أن يكونوا لبنانيين تبعا لدرجة تطورهم وتحالفاتهم. كانوا يملكون وضوحا في انتمائهم العروبي منذ نشأة الكيان، تجلى ذلك في موقفهم من الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وتأييدهم الوحدة العربية والدعوة الناصرية، وكانوا يلحون على مطالب إصلاحية وتغييرية كونهم كانوا يدركون أنهم على هامش النظام السياسي والاقتصادي. كانت حصة الجنوب والبقاع من الموازنة العامة لا تصل الى واحد بالمئة، بل انها بلغت معا حوالى 0,4%، وكانوا في صميم تحولات داخلية وخارجية، هنا يضيف الشامي، لا أتكلم عن الشيعة في اليسار او البعث او من هم في السلطة سواء كانوا زعامات كبرى او أصغر. أتناول الاجتماع السياسي الذي لم يعرف علاقات خارجية، باستثناء ما ربط بعض المراجع مع حوزات العراق، او ما ربط بعض القيادات السياسية مع الشاه. والأخيرة لم يكن لها مردود سياسي على أي حال، فيما الاولى غلب عليها الطابع الفكري الفقهي. إذن لم يكن لهذه الطائفة تحالف لا مع إيران ولا مع أي بلد عربي على غرار الطوائف الأخرى. 

يفتح هذا على مرحلة أكثر تطورا. كان لبنان في غضون تلك المرحلة ينفتح على منطقة تشهد تغييرات وصراعات كبرى. كانت عوائد النفط قد أغرقت الخليج، وكانت صراعات المرحلة بين الناصرية والرجعية، وفورة سياسية شعبية في أعقاب نكسة حزيران 67. وشهد لبنان تحولات قطاعية على مستوى الاقتصاد. لم يعد متاحا البقاء على اقتصاد يعتمد الزراعات البعلية سواء كانت القمح او التبغ او الحشيشة، وضاقت منطقتا الجنوب وبعلبك على سكانهما، الذين كان عليهم تدبر أمورهم. إتجهوا في غالبيتهم الكبرى نحو العاصمة للعمل في قطاع الخدمات او الاعمال الأقل مردودا، وتضخمت الضواحي شيئا فشيئا، وهاجرت أعداد نحو مصادر الرزق في الخليج ودول الاغتراب. كانت هذه الاعداد محدودة بداية. لكن الكتل الكبرى هي التي باتت في العاصمة، أي على التماس مما تتيحه في التعليم والسياسة والاجتماع. ألوف الطلاب دفع بهم ذووهم نحو المدارس الرسمية، ان في الجنوب وبعلبك او في العاصمة. في السياسة ظلت العائلات هي هي إياها. وضمن صراعات على رئاسة المجلس بين جنوب الأسعد وبقاع صبري حمادة. أما في الاجتماع فلم يقتصروا على مناطق الضواحي بل بلغوا الى قلب المدن، حيث إمكانية التفاعل.. كان لبنان إذ ذاك مختبرا سياسيا صاخبا. على كل مفترق ترتفع الشعارات الصاخبة تنادي بالحرية والمساواة وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية والسكنية.. وأضافت معاناة الجنوب بارودا على نار متأججة. ونشأت ليس حركة “أمل” أولا، بل حزب الدعوة في ضاحية برج حمود، فيما كانت الجموع تنضوي في صفوف اليسار الشيوعي والقومي قبل ان تتآكل لصالح حركة الصدر الاصلاحية ومقاومة حزب الله الثورية وسط ظروف اقليمية مؤاتية لهما. 
 

حركة الإمام الصدر

الإمام السيد موسى الصدر
الإمام موسى الصدر

     يروى أنه بين الثلاثينات والستينات من القرن الماضي، عندما كان زعماء الطائفة الشيعية يطالبون بتوظيف أبنائها في الإدارات والمرافق العامة كانوا يواجهون بجواب تقليدي من جانب السلطات التنفيذية المشرفة على الوزارات والمؤسسات ان ليس لديكم متعلمون. وكانت هذه الحجة صحيحة وغير صحيحة في الوقت ذاته. لكن منذ الستينات أخذت النخبة الشيعية تتضخم وتتسع في كل المجالات. وهذه النخبة أخذت تعتمد خيارات سياسية بمعزل عن الزعماء. 

يقول بيضون: ان أساس الوزن الشيعي كان الوجود الكثيف في بيروت، وبداية نشوء حركة مؤسساتية أطلقها الإمام موسى الصدر، وكانت هناك قاعدة أموال الهجرة التي بدأت مع آل بيضون وهي انصبت على التملك العقاري الشيعي في العاصمة. وانوجدت بعض المؤسسات المصرفية وكان أهمها بنك بيروت الرياض، وكان شراكة بين بيت منصور وبيت إده، ولاحقا تكون بنك الجمال وهو أصغر. وجود الشيعة في الأسواق والساحة التجارية شكل قاعدة. نمو النخب الشيعية تم عن طريق التعليم الرسمي بما في ذلك الجامعة اللبنانية. كل هذا لم يعد يتلاءم مع الهامشية الفاقعة في نظام ما بعد الاستقلال. 

اثر وفاة الزعيم الروحي الديني لمدينة صور عبد الحسين شرف الدين في 1958 دعي الامام موسى الصدر للحلول مكانه، وكان وصوله أواخر عام 1959 او أوائل العام 1960 ومنها انطلق نحو بيروت والبقاع ناهيك بالجنوب. بالطبع كانت هناك مراحل في مسيرته. اولى إنجازاته كانت تأسيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى عام 1967. بعدها أخذت الطائفة موقعها ضمن نظام الطوائف اللبنانية، باعتبارها ليست اقل من سواها، بل موازية وموازنة للطائفتين الرئيسيتين الموارنة والسنة. 

يلحظ د. علي الشامي انه بين تأسيس المجلس واعلان قيام حركة امل وصل الحرمان الى ذروته والاهمال الى قمته، خصوصا وان ذلك ترافق مع هزيمة حزيران وتوقيع اتفاق القاهرة مما عناه انفتاح الجنوب على الصراع العربي الاسرائيلي في شكله الاعنف. فقبل منتصف السبعينات صاغ نواب الطائفة الشيعية بيان المطالب الشهير، الذي اعلن بوضوح ان المطالبة بحقوق الطائفة يستهدف مكافحة التمييز، معلنا قبول الغاء الطائفية في الوظائف واعتماد الكفاءة اذا اراد ذلك سائر اللبنانيين. يتضمن البيان الذي تم بإيعاز من الصدر جردة حساب مع الدولة. ثم منه نحو خطوات اكثر ضغطا من خلال المهرجانات التي شهدتها صور وبعلبك وبيروت.. كانت هناك نداءات ووثائق موقعة من فاعليات وشخصيات تجاوزت الطائفة الى سواها.. مما يعني ان حركة المحرومين واقعا، حاذرت الانقسام السياسي الاهلي الذي كان يطفو على السطح لاسباب اخرى. ويتنبه الشامي الى ان تأسيس هذه الحركة كان يختلف عن تأسيس مجلس لطائفة خاصة، ورغم ان اهداف التأسيس سعت الى إدراجه في سياق توحيدي اسلامي ووطني، الا ان مرحلة التأسيس الثاني وظروفه جعلت المشروع مرتبطا بشخص الامام ارتباطه بالمبادئ والاهداف التي لم يكن في مقدور غيره حينذاك ايصالها الى الآخرين وتأسيس السياسة والتنظيم على أساسها. 
 

الالتباس الجنوبي

     فتحت بوابة الجنوب على مصراعيها للقتال منذ العام 1968. في العام 1948 حدث بعض التهجير وكان مؤقتا ومحدودا. لكن الامر اختلف منذ التاريخ الاول. يقول المؤرخ احمد بيضون ان المعطى الفلسطيني لعب دورا ملتبسا في الجنوب، اي ذي حدين. فالشيعة يعرفون فلسطين قبل عام 1948 وكانت حركتهم السياسية معادية للصهيونية ووحدوية. الحركة التي نؤشر اليها تتمثل بالنخب الجديدة والمثقفين. لا نتحدث عن الزعامات التي ضلعت ببيع الاراضي ولا ننسب لهم الوطنية. المثقفون والعلماء والشباب كانوا في هذا الجو عندما بدأ العمل الفلسطيني الذي وضعهم بين احتمالين. الاول منهما يفتح على القصف والتهجير والثاني على الرفض وبالتالي التناقض مع ذواتهم وتراثهم. فكان الخيار الاول وازنا. في هذا المناخ برز موسى الصدر وأسس المجلس الشيعي وحركة المحرومين التي صارت لاحقا حركة امل. الصدر كان في قلب هذا الالتباس. هو مع القدس والمواجهة ويدعو الدولة للنزول على احكامها وتحمل تبعاتها. وهو من جهة ثانية يعرف ان جماعته معرضة للتفكك تحت ثقل الفعل الفلسطيني والمخاطر المترتبة عليه. مما يجعل هذا المنحى محرجا جدا. وقد ظل هذا الالتباس موجودا طوال 7 8 سنوات بين ظهور المقاومة واندلاع الحرب الاهلية. الالتباس تمثل بالمواجهة والبلورة الطائفية. والأخير بلغت ذروته في تأسيس التنظيم. كان الصدر يواجه عدة مشكلات في نفس الوقت، وهي مشكلات تشرذم الشباب الشيعي بين التنظيمات اليسارية والفلسطينية. وكان يشتغل ان يكون معهم وفي مواجهتهم اذا لزم الامر. 

يختم بيضون قائلا: في جميع الحالات كان المسلك الفلسطيني وجزء منه اختياري والآخر اضطراري قد ادى نهاية الى تغليب وجهة الخصوصية، بحيث انه في اواسط السبعينات كان قد تحول الى مكروه، وان ظل هناك شباب معهم وان كان بإحاطة اهلية اقل مما كانت عليه لدى الانطلاقة في العام 67 1968. العلاقة مع الفلسطيني لعبت دوراً في تسريع بلورة السير في الخط الذي كان قد بدأ قبلا، باعتبار ان الاشتباك الاسرائيلي الفلسطيني كان تحديا ضخما وجديدا وثقيلا على الشيعة. 

يعتبر الشامي ان حركة تسييس الاجتماع الشيعي مع الصدر وقبله حتى كان له هدف مزدوج هو رفع الحرمان وقضية الجنوب. هذان الهدفان استوجبا تحالفات سواء مع قوى تطالب بالتغيير في الداخل او مع الدول والقوى ذات الصلة بالجنوب وموضوعة الصراع العربي الصهيوني. التطورات الجنوبية او الداخلية التي تتعلق بالحرب الاهلية عززت قناعة الشيعة بالتحالفات وضرورتها. الصدر حسم في خيار التحالف مع سوريا، منطلقا من ان الاخطار التي تهدد لبنان تتمثل بالتقسيم واحتلال الجنوب والتوطين، دون ان يعني تخليا عن دعم القضية الفلسطينية خارج سياقاتها اللبنانية. 
 

الاحتلال والرد المقاوم

     اكبر معارك حركة امل خاضتها مع القوات المشتركة المؤلفة من المقاومة الفلسطينية وأحزاب اليسار اللبناني. ظلت هذه المعارك تقض مضاجع قرى الجنوب واحياء بيروت وضاحيتها حتى صبيحة الغزو الاسرائيلي لبيروت. كان العنصر المقرر في هذا الصراع هو تحالف امل مع سوريا وتحالف الحركة الوطنية مع المقاومة. وعلى قاعدة التباين بين الرؤية السورية الفلسطينية انفجر الموقف تباعا. 

حدث الغزو والاحتلال وادى الى ما ادى اليه على الصعيد الفلسطيني من ترحيل للقوى المقاتلة، والى اصابة الحركة الوطنية بالصميم منذ اغتيال كمال جنبلاط وصولا الى وضع بشير الجميل على رأس السلطة في البلاد في انتخابات العام 1982. حاولت الحركة الوطنية استعادة زمام المبادرة عبر اطلاق المقاومة من بيروت المحاصرة وشبه المحتلة والمنقسمة على نفسها. لكن عنصر التقرير في ظل القبضة الاسرائيلية كان ينطلق هذه المرة من البقاع، في ضوء حضور العامل الايراني. فضلا عن السوري الذي بات على خط تماس مع القوات الاسرائيلية التي باتت على بعد قليل من بوابة المصنع. 

كان من غير المألوف ان تتولى “أمل” عبء التجييش القتالي لمواجهة الحملة الاسرائيلية، خصوصا وان ذيول مرحلة ما قبل الاجتياح امتدت حتى العام 1985 عندما احتدمت حرب المخيمات الضارية. لذا فان من سيتولى هذه المهمة سيكون حزب الله دون سواه وعلى نحو متصاعد وصولا الى التحرير. 

يقول نائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم: لقد باشر حزب الله عملياته بما تيسر له من امكانات وبعناصر بشرية قليلة، وكانت معسكرات التدريب التي يشرف عليها الحرس الثوري الاسلامي الايراني في منطقة البقاع هي الخزان الرئيسي لرفد “المقاومة الاسلامية” بالمجاهدين وللاستفادة من التعبئة الثقافية والاخلاقية والجهادية التي كان يتميز بها شباب الحرس، وقد شارك الجميع في هذه الدورات بصرف النظر عن مستوياتهم التنظيمية او وظيفتهم العملية. 
 

الى أين المصير

     ستمر مرحلة على حزب الله حتى “يتلبنن” على نحو ما، اذا جاز التعبير، مرحلة معقدة تتداخل فيها مستويات متعددة من تفاعل الداخل مع الخارج وتأثير الثاني على الاول. لكن المهم الآن في هذا المفصل، حيث تشخصنت حركة امل بزعامة الرئيس نبيه بري، وان كانت تحولت اقرب ما تكون الى تيار منها الى حركة سياسية مؤطرة ومنظمة على نحو هرمي. زعامة كبرى تفيض على الحركة، التي تظل وازنة وذات موقع في معادلات زاحفة ليس على الجنوب مفردا، او على لبنان وطوائفه بل على المنطقة بأسرها، بالطبع الحركة والحزب معا في قلب الاحتمالات ولكل منهما حساباته الداخلية وفي المنطقة.. هذا ناهيك بالوزن الاميركي الضاغط بثقله على القوى التي كانت حتى الأمس القريب تتمتع بما يشبه حرية الحركة في الدعم والاسناد وتوفير الغطاء السياسي والمقومات المادية، فضلا عن تنسيب “المشاريع الصغرى” الى مشروعات اكبر، وان كانت دون مستوى عملية الصراع العربي الاسرائيلي كما تعودتها المنطقة. 

يقول المؤرخ بيضون ان مرتكز قوة حركة امل ينبع من النفوذ السوري من جهة ومن الموقع الذي يشغله في الدولة اللبنانية، وبالتالي فان عصب الحركة الامكانات التي تعتبر حصة الشيعة ضمن نظام المحاصصة في الخزينة والوظائف والمشاريع. هذه الحصة ملزمة بشكل شبه حصري لها. 

أما تنظيم حزب الله فانه تنظيم يقوم على علماء الدين وان كان لا يستقطب كبارهم. لقد انتج الحزب صفا واسعا من العلماء ووصل الى اوساط لم يكن لها علاقة سابقة بالعمامة، ولديه لغة فقهية دينية متصلة بالخطاب الايراني، ولديه موارد بدأت كما هو معروف بغلبة ايرانية، ولكن يبدو انها تطورت نحو الاعتماد على مرتكزات ما يسمى “الجباية الشرعية” من ذوي الامكانات من الشيعة في لبنان وخارجه الذين يستحسنون تأدية الخمس والزكاة الى علماء ومؤسسات متصلة بهذا التنظيم بسبب تجربتهم السياسية وتقديرا لدوره وتجربته. والواضح ان الجذور الاهلية لمرتكزات الحزب اصبحت اكثر رسوخا وقابليتها للاستمرار على سويتها الراهنة، ربما لا تكون مضمونة في حال حصول تطورات اقليمية كبرى، لكن لها حظوظ لا يستهان بها في الاستمرار. اما حظ الطرف الثاني في البقاء على حجمه الحالي فمرهون باستمرار الضمانة السورية لموقعه في الدولة. ما عدا ذلك هناك شبكات انتفاعية متصلة بهذا الطرف تضمن له حضورا تبعا للتقاليد اللبنانية العريقة سياسيا، وخلط الخاص بالعام والانتفاع. 

ما عدا هذين التنظيمين هناك شخصيات وتنظيمات ولكنها في وضع الحاق او مواقع ثانوية بالقياس الى هذين القطبين الكبيرين. يختم المؤرخ بيضون حديثه. 
 

المطلوب والدور

     يعتبر د. علي الشامي، في الموضوع السياسي ان المطلوب من الحزب هو غير المطلوب من امل. الحركة ليس لديها تقنيات وقوى عسكرية تضعها على لائحة الاولويات. اسرائيل تطالب بسحب السلاح من الجنوب. بعدها وفي حال الحصول على مطلبها الأول ستدعو الى وقف التحريض في وسائل الاعلام. اذن عندما تقدم تنازلا تطالب بالمزيد. حزب الله لديه مجموعة عوامل تجعله مستهدفا اكثر من الحركة وهذا طبيعي ومعروف. نحن الآن في مرحلة ترتيب شروط السيطرة الاميركية على المنطقة، ومصالح اسرائيل جزء من هذه السيطرة وهي غير منفصلة عنها بالضرورة كما أكدت كل الوقائع. هناك دور لحزب الله كما استقرت عليه المعادلات معروف يتمثل بتأمين المقدمات للترتيب المطلوب من حلول على المسار السوري واللبناني والاسرائيلي. هناك كلام يتردد حول الانسحاب من مزارع شبعا او الجولان. اي تجريد التحالف اللبناني السوري من اوراق الاعتراض باستثناء التوطين الذين سيكون العقدة الاساسية. الاميركان سيضغطون لتمرير التوطين، وهذا يتطلب ترتيبا داخليا وليس انفجارا. اما فيما بعد، فسيعاد ترتيب الحجم الداخلي لحزب الله في المعادلة الداخلية. وهذا يتطلب ترتيبا شيعيا شيعيا. هل يؤدي ذلك الى اضعاف الطرفين؟ ام الى تحصين الشراكة الشيعية في الدولة؟. هذا متروك للتطورات و.. من الصعب توقع مآل الدور السياسي للشيعة في لبنان. إذ ان ما هو مطروح ليس موضوع سلاح. السلاح ليس مهما. الاساس هو الموقف السياسي لأنه يخلق السلاح، فيما اميركا واسرائيل تعملان على تجريد المجتمع من ارادة المقاومة واخراج لبنان من الصراع. 

يضيف الشامي: من قرر اقامة علاقة تحالف استراتيجي مع سوريا وربط مصيره بها، فان ما يصيبها يصيبه بالضرورة. هناك ارتباط مصيري. ومن له ارتباط عقائدي مع ايران يستطيع الاستمرار عليه، حتى وان تطلبت التطورات بعض التفلت السياسي. بكل حال لا يمكن فصل مآل مكانة وموقع كل من حزب الله وحركة امل عن مآل السياسة الاميركية تجاه كل من ايران وسوريا. علما ان سوريا بحكم الجغرافيا الاكثر تأثيرا.. لكن يبقى ان اميركا لا تستطيع ان تمارس السيناريو الافغاني او العراقي ضد سوريا او ايران. كانت هناك ثلاث دول فقط معترفة بافغانستان والعراق كان محاصرا... حسابات الضغوط الدبلوماسية والاعلامية والاقتصادية شيء والحروب شيء آخر. ينهي الشامي حديثه. 

رغم ما يقدمه الشامي لا يبدو موضوع الحضور الشيعي حصريا من خلال العلاقة مع الراعيين الاقليميين سوريا وايران، اذ الفعلي انه اشد اتساعا من هذه الشبكة من العلاقات. اذا استطاع الشيعة بين العام 1920 والعام 2003 الذي نعيشه تحقيق تراكم في كل المجالات. ما كان يصح في الستينات لم يعد ممكنا الآن.. هذا التراكم الذي شمل كل القطاعات والمواقع دون استثناء كان لا بد وان يفرز حضوره الوازن، معطوفا بالطبع على نتائج الحرب على صعيد الطائفة، وما أدت اليه من تراكم في اموال المرافئ والمرافق بالنسبة لحركة أمل، ومن مواقع نفوذ وتأثير بالنسبة لحزب الله.. وما شهدته الكتل الطائفية الاخرى.. اذن هناك معطى داخلي حقيقي يحصن بعض الشيء الاجتماع الشيعي وان كان لا يحقق له الحماية الكاملة في ظل العلائق والارتباطات في غمرة التحولات العاصفة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic