الشيعة في عين الإعصار الأميركي للمنطقة العربية والإسلامية (9)
جذور العلاقة العاملية بالنجف وحصاد قوافل العلماء

زهير هواري

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 11 تموز «يوليو» 2003

     بدأنا مع "سلاح حزب الله وجبهة الجنوب (1)" وعرّجنا على "مضاعفات خارطة الطريق في فلسطين (2)"، ثم "حديث مع المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله (3)". وتلته حلقتان عن الوضع الداخلي في العراق (4) و (5)، ثم "الموقع الإقليمي لإيران ودول الخليج العربي (6)" وعدنا إلى لبنان من مدخل البحث الداخلي عن "موقع الطائفة وثنائية كل من أمل وحزب الله (7)". وتناولنا الآلية التي تطوّر بمقتضاها "دور الطائفة في الكيان (8)". وفي هذه الحلقة نتطرق إلى جذور العلاقة العاملية بالنجف وحصاد قوافل العلماء.
 


     
Iraq - Najaf - العراق - النجف الأشرف
النجف الأشرف

     “من منكم يريد ثياب الرقاق الحرير والخيل العتاق الاصيلة وكنوز الارزاق والدم المهراق، فليلحق بأرض العراق”.


 هذه الكلمات التي ما تزال حتى اللحظة تتردد في جباع، ويحفظها العلماء في انحاء اخرى من الجنوب، تحمل بعض تعبيرات العلاقة بين شيعة لبنان والنجف وكربلاء او العتبات المقدسة. وهي علاقة كانت وما تزال راسخة مع الجنوبيين، لا سيما كبار رجال الدين منهم، وبدرجة اقل مع البقاعيين. 

والعلاقة الشيعية مع النجف قديمة، وهي اقدم بمئات السنين من كيان لبنان والعراق الحديثين. وتضرب جذورها الى ما قبل قيام الامبراطورية العثمانية حتى، وتحديدا الى المرحلة التي تحولت فيها النجف الى مركز علمي على يد الامام ابي جعفر الطوسي، اي قبل حوالى ألف عام من تاريخ اليوم. 

بالطبع لم تسر هذه العلاقة على سوية واحدة، كانت تتأثر مدا وجزرا بجملة اوضاع بعضها يتناول جبل عامل وبعضها الآخر العراق عموما والنجف خصوصا. فضلا عن المحيط وما يشهده من احداث كبرى، لكنها استمرت على وتائر مقبولة. بالتأكيد تركت هذه العلاقة بصماتها على جبل عامل، وعلى موقع العلم فيه، والمقصود بالعلم هنا، العلم الديني والأدب والشعر. لكن علماء جبل عامل لم يقتصروا على النجف في بحثهم عن الثقافة الدينية. تقرأ في رحلات القدامى منهم زيارات علمية الى كل من القدس ودمشق والقاهرة ومكة والمدينة. لكن النجف ظلت المقصد الدائم. كان يضاف إليها زيارة سواها، لكنها دوماً كانت البداية. برغم الطابع الديني لهذا التوجه، لم يكن هؤلاء الذي تعددت افواجهم وتتابعت زمناً في الأحقاب منغلقين على ذواتهم. كانت نظرتهم قومية وواسعة الى الحد الذي يمكن القول ان كلتا البيئتين العاملية والنجفية توصلت الى هذه الصياغة المعبرة باعتبارها السبيل نحو حل اشكاليات كبرى تتجاوز مواقعهم الموضعية الى المنطقة بأسرها.. خصوصا في العهد العثماني، لا سيما في النزع الأخير منه. 

لكن النجف لم تترك بصماتها على الثقافة الدينية والأدبية لجبل عامل فقط، اذ كانت وما زالت حاضرة في ما يتعدى ذلك، في اللكنة التي تسمعها من البعض، في المأكل، في المشرب و.. وفي الكثير من العلاقات التي ظلت قائمة برغم “بعد الشقة” بين الدراسة وهذه الايام. هذه الآثار ما تزال اكثر حضوراً في “بيوتات” العلم الجنوبية، لكنها لا تتحدد بهم اذ تسربت الى سواهم من الاهالي، بمن في ذلك اولئك الذين لم تتح لهم الفرصة لزيارة النجف. اخذوها عمن سبق.. لكن الأهم ان هناك ما يتعدى ذلك كله، الى خصوصية باتت اكثر تعبيرا عن نفسها عندما اتيح لها المجال لتفعل ذلك بعد سنوات القهر والمنع والحظر. قصة العلاقة بين الشيعة والنجف قصة قديمة من الصعب اختزالها، اذ انها في الواقع عميقة في الوجدان العام، وهو أمر ما كان له ان يحدث لولا تلك الجذور الضاربة عميقا في التراب المقدس سواء كان في الجنوب او العتبات المقدسة في ارض العراق. 

ولنبدأ حكاية هذه العلاقة مع بعض الذين اختبروها: 

الدكتور ابراهيم بيضون
د. ابراهيم بيضون

     يضع المؤرخ د. ابراهيم بيضون هذه العلاقة في اطارين، خاص وعام. على الصعيد الاول يشير الى الجذور المبكرة للنهضة العلمية في جبل عامل، وهي نهضة طُمست على ايدي الحكام المماليك اولاً والعثمانيين ثانياً. ومن المعروف ان الشهيد الاول محمد بن مكي الجزيني لوحق وأعدم في قلعة دمشق على يد المماليك. يربط بيضون هذه النهضة بالشعور الأقلوي كحافز نحو العلم والتطور، وهو ما عبر عنه الشهيد الاول في قصيدة يقول في احد أبياتها:
فكان لهم حظ من الجهل والغنى *  وكان لنا حظ من العلم والفقر 

أما لجهة العلاقة فهي تعود الى القرن الرابع الهجري اي الألف الميلادي. وقد استمرت هذه مع اعلام عامليين لا يمكن احصاؤهم لكثرتهم. وكان اول عمل يقوم به العائد هو فتح مدرسة. يضرب د. بيضون هنا العديد من الامثلة على البيوتات العلمية وما أرسته من مدارس (الجزيني، الجبعي (الشهيد الثاني)، بهاء الدين العاملي، آل الامين، فضل الله، شرارة، عز الدين، سبيتي، خاتون، شرف الدين، صادق، الحر، مغنية، نور الدين و..). 

ويؤكد بيضون ان التفاعل لم يكن مقننا بالنجف، اذ كان هناك مثله مع كل من فلسطين ودمشق، ولا سيما مع الاولى في مرحلة ضاهر العمر وهو من قبيلة زيدان، وثار طامحاً الى الزعامة. وقد نسق مع علي بك الكبير في مصر... حتى العام 1948 كان عدد الذين ترددوا على بيروت من بنت جبيل لا يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة، فيما كان جبل عامل برمته مرتبطا بالمركز الاقتصادي الفلسطيني في حيفا. اضافة الى علاقات التواصل العائلي والاجتماعي والاقتصادي مع القرى الفلسطينية قبل ما يسمى الانتداب على البلدين. 

إنعام قدوح التي وضعت دراسة ماجستير حول “الهجرة العاملية الى النجف الاشرف”، تعود بالعلاقة الى مرحلة تشيع جبل عامل، مع ذلك لم تنحصر الهجرة العاملية بالنجف، اذ تجاوزتها الى الحلة. اذ ان العامليين قصدوا الحوزات العلمية العراقية برمتها. ويكفي ان نشير الى العلامة الحلي وشهرته الذائعة. لكن قدوح لا تحصر الهجرة بالدراسة، اذ ان اوجه العلاقة اتسعت عن هذا الغرض فشملت مواسم الزيارات خصوصا: عيد الغدير، مولد الرسول، ذكرى كربلاء، اربعون الامام الحسين... 

وتشير قدوح الى تفاعل على صعيد العلاقة. اي ان جبل عامل لم يكن فقط بموقع المتلقي والمتأثر بالمدرسة النجفية او الكربلائية او الحلية. اذ انها تقول انه اثر الضغط الذي تعرض له العلماء الجعفريون اثر مصرع الشهيد الثاني، غادر قسم منهم الى العراق. وهكذا رد العامليون بعض ما أخذوه من حوزات العراق. واللافت كما تذكر قدوح ان الرحلات العلمية شملت كل القرى والبلدات الجنوبية دون استثناء تقريبا. 
 

علاقات وروابط 

     المفتي السيد علي الامين لا يشك بأن العلاقة بين جبل عامل والعراق عموما وجامعة النجف الأشرف خصوصا، علاقة تمتد الى قرون عديدة ومن خلال هذه العلاقة العلمية نشأت روابط بين عائلات في جبل عامل وعائلات عراقية، واستمرت هذه العلاقات واستمر التعلق بالنجف الاشرف حتى في ظل النظام السابق. 

د. بيضون يعتبر ان هذه الرحلات المتواصلة لم تؤدّ الا الى زيجات محدودة جدا. اذ ان الاستقرار في العراق كان نادرا. زوجات العلماء كن في الغالب من العامليات لكن يتابع بيضون تبرز في هذا السياق العلاقة الاجتماعية بين آل الحكيم مع بنت جبيل. فقد قدم جد باقر الحكيم الى بنت جبيل في الثلاثينيات وتزوج فيها وترك احد ابنائه بها، وهو واحد من اكبر قراء مجالس العزاء، أما ابنه الآخر محسن الحكيم فقد اصبح مرجعا للطائفة، ويضيف بيضون: هذه الاسرة من اصل عربي لها فرع في إيران يعرف باسم الطباطبائي. وهذا ما يؤكده السيد محمد بحر العلوم ايضا. 

السيد محمد حسن الأمين
السيد محمد حسن الأمين

يتفق العلامة محمد حسن الأمين مع كل الذين يتحدثون عن علاقة تعود الى قرون. ويرى الامين ان سر هذه العلاقة يعود الى ملابسات ظروف الشيعة اللبنانيين. علما بأن النجف باتت هي المركز العلمي والثقافي العام للشيعة منذ ان أسس الحوزة العلمية فيها الشيخ الطوسي. بالطبع يتابع الامين لم تقتصر دراسة العامليين على النجف، اذ ان المدارس العاملية كانت منتشرة في البلدات والقرى. وقبل القرن التاسع عشر كانت جزين مركزا للتعليم الشيعي العالي، ومنها انتشرت في شقرا وميس وحناويه وعيناتا.. الا ان هذه المدارس كانت تخرج رجال دين يقومون بمهمات دينية في قراهم وبلداتهم. وكان قسم من هؤلاء الذين تظهر لديهم القابلية للتخصص والتعمق في العلوم الدينية يرتحلون الى النجف. وكان المحيط الدراسي والعلمي ورغبة الاشخاص والجو الاسروي والعائلي هو من يقرر ذلك. الجو الأسروي كان عاملا أساسيا في توجه الابناء نحو النجف، وهو ما اصبح يعرف بظاهرة الاسر العلمية في جبل عامل التي وجهت عددا من ابنائها لتلقي العلوم، باعتبار ان ما هو متوافر محليا قد انجز وبات قاصرا عن إشباع الحاجات الى الاستزادة. 

يتابع الأمين قائلا: لا يخفى انه في العصر العثماني كانت الطائفة الشيعية تواجه حصارا، الى الحد الذي بات النجف الاشرف هو المصدر الوحيد للتخصص في العلوم الدينية. وفي النجف كان هناك كبار المراجع والعلماء والمدارس والحوزات العلمية التي يرتادها الطلاب من كافة مناطق الانتشار الشيعي في العالم: إيران، الهند، باكستان وأفغانستان.. ومن البديهي ان يتوجه ابناء جبل عامل إليها أسوة بسواهم، باعتبارها الحاضرة العلمية والفقهية الكبرى. 
 

قضاء عرفي شيعي 

الدكتور أحمد بيضون
د. أحمد بيضون

     ما أشار إليه العلامة الأمين حول معاناة الطائفة الشيعية في العصر العثماني يتطلب المزيد من الايضاح، وهو ما يتولاه الاستاذ الجامعي د. احمد بيضون الذي يقول: في العهد العثماني لم يكن هناك ما يجسد وجود طائفة اسمها الطائفة الشيعية داخل أراضي الدولة العثمانية. فقانون الاحوال الشخصية العثماني لم يعترف بوجود هذه الطائفة. وعليه فإن السلطة العثمانية ألحقتها قضائيا بالمذهب الحنفي، وكان المواطنون الشيعة عندما يضطرون الى التقاضي مرغمين على التوجه نحو القاضي الحنفي، هذا إذا فاضت المشكلة عن حدود علاجها ضمن مسؤولية علماء الطائفة. اذن كان هناك قضاء عرفي شيعي، خارج عن السلطة ولا صفة رسمية له لممارسة عمل القضاء. المعروف انه في مجتمع ريفي كمجتمع جبل عامل في حينه كان الزعماء والوجهاء ايضا يتدخلون في مسائل الزواج والطلاق ودية القتلى وخلافات حدود الارض وما شابه. 

وكان اللجوء الى هؤلاء هو البديل للجوء الى القاضي الحنفي في صيدا او سواها، اذن يضيف بيضون لم يكن العلماء الشيعة موجودين كهيئة. بالتأكيد كان هناك نوع من التراتب بينهم يتعلق بالاجتهاد وعدمه، لكن هذا التراتب كان عرفياً، اي انه لم يكن مجسدا بأي مؤسسة ولا يصدر عن سلطة إلزامية لأي عالم دين شيعي على عالم آخر. مثلا عندما نصل الى العام 1920 نرى عددا من المجتهدين المعترف بهم. اهمهم كان السيد محسن الأمين المقيم في دمشق، والسيد عبد الحسين شرف الدين الذي اقام في شحور اولا وصور ثانيا، الشيخ حسين مغنية الذي اقام في طيردبا والشيخ عبد الحسين صادق الذي اقام في النبطية. هؤلاء وربما كان هناك غيرهم كانوا يعتبرون من المجتهدين. في وقت من الأوقات اعطي الشيخ مغنية بالنظر الى سنه وضعية تقدم على الآخرين الذين هم من صفه، الا انه لم يكن هناك من مجلس او جمعية. وعندما يموت عالم في قرية وهو اقل من مجتهد، كانت القرية تتفاهم على الإتيان بعالم محله ضمن مقاييسها، وكان يؤمن له بيت ومصدر معيشة يعتمد على تبرع القادرين بصورة دائمة، وأحيانا كانوا يزوجونه اذا كان آتيا من النجف ويتوطن القرية او البلدة. احيانا لم يكن هناك اضطرار لإحضار عالم من الخارج، اذ يكون قد اعد ابنه فتظل المسألة داخل السلالة. 

اذن كانت الامور تتم على مستوى غير رسمي او اهلي كما يستخلص بيضون، وكان الاحتياج للعلماء يقتصر على الفتاوى، خصوصا عند وصول الاشكال الى مستوى الوجهاء وأوزانهم، وكان يحدث ذلك لدى الشروع في بناء جامع او حسينية او ادارة وقف، عندها يتم اللجوء الى العالم اذا لم يستطع الشيخ المحلي معالجة الأمر. فيفتي الاول بذلك. 
 

الرحلات العلمية 

     كان عدد قاصدي النجف من العامليين يتفاوت بين عام وآخر. احيانا كان يصل الى سبعين طالبا. لكنه كان يقل عن ذلك في بعض الاحيان. كان هؤلاء اللبنانيون يعتمدون بشكل رئيسي في معاشهم على سواهم. ولم يحدث ان قدمت الدولة اللبنانية، وقبلها الدولة المنتدبة، ما يعينهم في رحلتهم. تقول قدوح ان الطلاب اللبنانيين في معظمهم من ابناء فئات فقيرة، خلاف الطلاب الايرانيين الذين كانت اصولهم الاجتماعية في طبقة الاغنياء. الى ان حدث تطور رئيسي طرأ على وضع الطلاب ادى الى ارتفاع عددهم الى حوالى 370 طالبا. حدث ذلك عندما عمل كل من الشيخ حسن عسيلي ومحمد تقي الفقيه على تأسيس “المدرسة اللبنانية في النجف”. فقد قصد العسيلي والفقيه الكويت ومنها جمعا اموالا وُضعت في بناء المدرسة، ما يعني ان الطالب بات يجد مكانا له في النجف من خلال المدرسة. 

هذا المكان الذي يقصده الطالب الحوزوي، هل يفصله عن المجتمع النجفي؟ 

يرد العلامة محمد حسن الأمين على هذا السؤال قائلا: في النجف الاشرف يكون الطالب ضمن المجتمع الحوزوي العلمي، ويمضي معظم اوقاته وربما كلها في هذه الدائرة، لأن سعة العلوم التي يذهب لتحصيلها لا تسمح بأن تكون للطالب اهتمامات اجتماعية خارج اطار تحصيله، خصوصا انه لا يقتصر في تحصيله على حضور حلقات الدرس المتعددة في اليوم الواحد، بل إن لقاءاته مع زملائه او اساتذته تدور غالبا حول المسائل العلمية نقاشا وتمحيصا ليلا ونهارا، بحيث تغدو الاوقات الاخرى نادرة، بما لا يسمح له بإقامة علاقات اجتماعية. 

يتابع العلامة الامين قائلا: والنجف التي تعد مجالا لدراسة العلوم الشرعية، كانت عبر تاريخها منطلقا لحركة ادبية شعرية، جعلت منها اهم المراكز الادبية في العراق وفي العالم الاسلامي. الكثير من الطلاب الذين تجتذبهم المجالس والندوات الادبية كانوا يحضرونها، وهذا ما جعل عددا كبيرا من الفقهاء الذين تخرجوا من النجف شعراء وكتابا والاغلبية الساحقة ذواقة للشعر والأدب بصورة عامة. فمجتمع النجف هو مجتمع علمي وأدبي في آن واحد. والحصول على ثقافة أدبية كان يتوقف على ميول الطالب ورغباته، بحيث إنه يجد المجال واسعا لتنمية ملكاته الأدبية، إضافة الى مهمته الأساسية لتحصيل العلوم الاسلامية. 
 

التأثر العاملي أدبياً 

     كيف انعكس مثل هذا الوضع على الحركة الأدبية في جبل عامل؟ يرد د. ابراهيم بيضون: كان المنبر قبل القرن العشرين هو الوسيلة الوحيدة تقريبا. والمنبر هنا لا نقصد به المنبر في الجامع او الحسينية، بل كل منبر، ففي المناسبات الاجتماعية والسياسية ينعقد المجلس، وكان يجري ذلك في البيوت ايضا. وكان النقاش يدور حول العلم والشعر والأدب. لذلك راجت مطارحات الشعراء. كل العلماء او غالبيتهم كانوا يتعاطون الشعر. وكان الشعر عنصرا إضافيا في ثقافة العالم او الفقيه. بالطبع هذا ناتج عن التأثر بالمناخ الشعري للنجف. وكانت صورة هذا المناخ تنتقل الى جبل عامل بعد عودة العالم الى دياره. كما أن عددا من العراقيين كانوا يفدون الى جبل عامل. حدث هذا في الثلاثينيات، لا سيما مع بروز طقوس عاشوراء في سوق النبطية. 

هناك جانب سياسي لا بد من لحظه في الشعر العاملي، وهو يتعلق بالطابع العروبي له. يعيد د. ابراهيم بيضون ذلك الى الجذور العربية للتشيع. أكثر القبائل العربية التي والت الإمام علي كانت من الأنقى أصولا: همدان، مذحج، نخع، بجيلة... هذه كانت مادة التشيع. لذلك كان جبل عامل في مطلع القرن العشرين الأكثر تفاعلا مع الحركة العربية. على سبيل المثال: عبد الكريم الخليل زار بنت جبيل في مطالع القرن، وكان يلتقي بشخصيات علمية ونهضوية. وكان قبلا في الغبيري والاستانة وأعدم جراء نزعته القومية. موسى الزين شرارة روى ذلك في دفتر ذكرياته العاملية، حتى إن محمد جابر آل صفا عندما يتحدث عن تاريخ جبل عامل، إنما ينطلق من خلفية قومية واضحة. 

يتابع قائلا: مجلة العرفان الشهيرة كانت التعبير الأوضح عن الحالة السياسية والثقافية في جبل عامل. وعبّرت عن الخط السياسي العروبي الذي التزمه رجال جبل عامل في تلك المرحلة. صحيح انها كانت مجلة ذات طابع إسلامي، ولكنها تبنت العروبة وحرصت في منهجها على أن تكون مجلة وحدوية على هذا المستوى. هذه المجلة كانت المدرسة الكبرى للشيعة في جبل عامل خلال النصف الأول من القرن العشرين. وهذا كان عصرها الذهبي، وكانت المنبر الأكثر سطوعا لأدباء وشعراء وعلماء لبنان وسوريا ومصر والأردن وفلسطين والعراق.. كل هؤلاء كانوا ينشرون نتاجهم فيها.. لم يكن لدى علماء جبل عامل نبرة أصولية، كل شعرهم ينطق بالروح العربية الاصيلة.. لقد أثر الشعر العراقي عموما والشعر النجفي في الصورة الشعرية لشعراء جبل عامل، كما أثر في الافق السياسي له. ولا ننسى ثورة النجف في العام 1920 معطوفة على ثورة الشريف حسين على الدولة العثمانية.. والحصيلة أن جبل عامل كان يعج بالنشاط السياسي والفكري والأدبي وقد استمر ذلك حتى الستينيات مع ما حملته من تطورات. 

يلحظ د. أحمد بيضون أن المدارس الدينية في جبل عامل ضعفت خلال مرحلة الانتداب عما كانت عليه في القرن التاسع عشر، برغم استمرار التوجه نحو النجف للحصول على التعليم الديني. إلا أن بيت القصيد هو أبعد من ذلك، إذ يرى أحمد بيضون أنه خلال تلك الفترة كان العلماء يتميزون بتبعية واضحة للإقطاعيين الكبار. والسبب في ذلك اجتماعي. فالاقطاعيون كانوا يسيطرون على وجهاء القرى، وهؤلاء مصدر معيشة المشايخ، كما ان الاقطاعيين كانوا مالكين لعدد من القرى، مثلا بيت الأسعد كان لديهم عدد من القرى قبل بيعها الى الوكلاء والفلاحين لاحقا. لكن في المراحل المذكورة كان هذا الاقطاع ما زال بحوزته ملكيات كبيرة. وبما أن الشيخ هو عالة على أهل القرية لتدبيرهم أموره المعيشية، فقد كان مضطرا لاستجداء الزعيم، الذي تتعلق به معيشة القرية لاعتمادها على الزراعة التي يملك أرضها هذا الاقطاعي. لذلك كله كان العلماء في موقع ضعف بالنسبة للزعامات. يضيف د. أحمد بيضون: المجتهدون الكبار أمثال عبد الحسين شرف الدين، كان لهم ولاء نادرا ما تقطع او اضطرب مع البيت الاسعدي. عبد الحسين صادق والد حبيب مثله أيضا. حبيب هو أول من شق عصا الطاعة. 

الامثلة التي ساقها بيضون لا تلغي الصورة الاجمالية للنهضة الثقافية، لكنها تضعها في نصابها، حتى لا يبدو الكلام شاملا دون تدقيق. علما ان ما ينطبق على هذا قد لا يصح على ذاك. إذ كلا الموقفين الثوري والمهادن كانا حاضرين. لكن أحمد بيضون يختم بالاشارة الى الفقر في العلماء في البقاع، بل وهزالة الهرم الديني الشيعي فيه بالمقارنة مع جبل عامل. هذه الخاتمة التي يقدمها تثير سؤالا حقيقيا حول المفارقة بين منطقتين تنتسبان الى ذات الفكر، وتتقاربان في أوضاعهما المعيشية، لكنهما تختلفان على نحو جذري في الثقافة سواء كانت دينية أو دنيوية. 
 

ماذا عن البقاع 

     يتركز الوجود الشيعي في منطقة بعلبك الهرمل، وتتبع بعض القرى والبلدات الشيعية قضاء زحلة، اضافة الى البقاع الغربي على حدود البقاع مع الجنوب. الحركة الثقافية في جبل عامل امتدت الى قرون متواصلة فلماذا لم يشهد البقاع ما يماثلها؟ 

ردا على السؤال يمكن القول ان البقاع عرف الكثير من العلماء. اعتبر الكثيرون من المتقدمين منهم في عداد علماء السنة. لكن لدى الشيعة نذكر المرجع الكركي نسبة الى كرك نوح وهو صاحب تحويل إيران الصفوية الى المذهب الجعفري او الاثني عشري. هناك سواه أيضا. لكن هذه ظلت حالات معدودة، ولم تشكل تيارا ثقافيا له تاريخه التواصلي، سواء عبر أسر او أسماء متلاحقة. 

الشيخ خليل شقير
الشيخ خليل شقير

يقول مفتي البقاع الجعفري الشيخ خليل شقير، وهو شاعر أيضا، إن لديه إجابة ظنية على هذا المشكل: إذ يخيل اليّ أن وجود المسلمين الشيعة في البقاع نجم عن انتقال وهجرة الشيعة من كسروان في أيام المماليك وابن تيمية. ويتابع: وذكرت ابن تيمية نظرا لفتاواه. بهذا المعنى كان الشيعة جددا في البقاع بالمقارنة مع رسوخهم في جبل عامل. ومن ثم فعندما أتوا الى البقاع لم يقيموا في السهل. كانوا يطاردون عنه، لذلك تعلقوا بسلسلة الجبال الشرقية والأماكن القاحلة البعيدة عن الحضارة. بينما كان قسم من شيعة جبل عامل يسكنون قرب بحيرة طبريا ونابلس وسواها، ومنها انتشروا الى جبل عامل. وهم يمثلون كتلة بشرية أكبر بكثير من الكتلة البقاعية. من هنا كان يتم الاتصال بالحوزة العلمية في النجف من قبل العامليين بكثافة نظرا لكثافة السكان ولأنهم يتمتعون بشيء من الاستقرار يفوق ما تمتع به البقاعيون الشيعة. يضاف الى ذلك ان إحكام القبضة التركية بقاعا كان أكثر منه عن سواه. ولعل هذا السبب الوجيه وراء قلة العلماء المسلمين الشيعة في البقاع. ولكنهم لم يكونوا معدومين. والمحقق الكركي مثلا ما زالت كتبه تشكل مراجع للاجتهاد الشيعي. 

يتابع المفتي شقير: ان جبل عامل كان مفتوحا على البحر، مما يسهل الحركة لمن شاءها، ان بالنسبة للاتصال بالعلماء عن طريق الحج والسفر الى مكة، او حتى بالنسبة للاتصال مع العراق وقصد النجف. لكن تبقى العلة الاساسية ان الاهالي البقاعيين كانوا شبه مشردين وجل همهم تحصيل عيشهم وحفظ أمنهم. ومع ذلك فقد برز عدد من العلماء على امتداد التاريخ الماضي، ويقال ان الشيخ البهائي من البقاع. وكانت يونين منبع العلماء السنة كالمقريزي وغيره. والشهيد الثاني كان يدرس الفقه الحنفي في حوزة في بعلبك في المسجد الكبير. 

أما عن التوجه الحديث نحو النجف فيقول المفتي شقير: التوجه الناشط بدأ عام 61 من قبل مشايخ آل زغيب، وكان في عداد تلك الدفعة المشايخ: سليمان اليحفوفي، عبد الله عساف، حسن عثمان وأنا والسيد مرتضى.. وتصاعد العدد حتى وصل الى ما بين 25 30 طالب علم والعدد الآن يقارب المائة طالب، علما بأن البقاعيين في النجف قد شردوا كافة من جور صدام حسين، وكنت من أول العائدين، وأغلبهم لم يكمل دراساته. 

يلاحظ العلامة محمد حسن الأمين أنه في عهد النظام العراقي الأخير واجهت النجف حملة قاسية جدا من قبل النظام استهدفت تفكيك بنيتها، خلاف ما درجت عليه من الحرص على استقلالها، ورفض اي شكل من أشكال الوصاية او التبعية للأنظمة السياسية، فيما أراد النظام السياسي الأخير معاندة هذا المسار التاريخي وعمل على التدخل في شؤونها ومحاولة استتباعها، ما ادى الى قيام علاقة سلبية مع هذا النظام، تطورت وأخذت شكل القمع بكل مستوياته وحتى الجسدية منها، الامر الذي أدى تدريجا وبسرعة الى انحسار الدور العلمي لجامعة النجف وامتناع الطلاب عن ارتيادها، دون ان تنجح الحملة في التصفية الكاملة لها بطبيعة الحال. ولكن في المقابل باتت قم هي المصدر الاساسي لتلقي العلوم الشرعية الدينية الاساسية، بالاضافة الى أن معاناة النجف، أدت الى نشوء حوزات علمية محلية متعددة في جبل عامل بشكل عام وخلت النجف خلواً شبه كامل من وجود طلبة عامليين او لبنانيين. 

قبل ان نختم هذا الجانب نشير الى نقطة أوردتها قدوح وهي تقول ان العديدين من الذين راحوا الى النجف للتفقه في الدين عادوا يرتدون “العمامة الحمراء” بدل السوداء وتسمي البعض من هؤلاء. ولكن ماذا يدرس طلاب النجف وماذا يدرس طلاب الحوزات العلمية المحلية؟ 

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic